خلال الأسبوعين الماضيين كنت ضيفا فى العديد من القنوات العربية والدولية مثل بى بى سى والعربية والحدث والشرق بلومبرج والمشهد للحديث عن الادعاءات الإثيوبية ضد مصر. وغالبية هذه اللقاءات كانت مواجهة مع ضيف إثيوبى.
خلال هذه المواجهات تذكرت نصيحة وزير الرى والموارد المائية الدكتور هانى سويلم للمسئولين الإثيوبيين، حينما قال نصا يوم ٢٠ سبتمبر الماضى خلال لقائه مع المراسلين الأجانب: «أعتقد أن المسئولين الإثيوبيين يحتاجون إلى التثقيف بشأن هذه المسألة وعليهم أن يميزوا بين فرش سجادة فى منزلهم وبين بناء سد على نهر دولى، وعندما يتحدثون عن حق سيادى فكأنهم يدعون إلى ديانة جديدة!».
لم أكن أدرى أهمية نصيحة الوزير حتى اكتشفت أنها ينبغى أن توجه أيضا إلى الصحفيين والإعلاميين الإثيوبيين حينما يتحدثون عن مياه النيل.
مبدئيا لا بد من التأكيد على الاحترام والتقدير للشعب الإثيوبى الصديق الذى نتقاسم معه مياه النيل التى يفترض أن تكون شريان حياة مشتركة، وأن خلافنا فقط مع أى حكومة إثيوبية تريد أن تصيب مصر بالعطش».
المغالطة الكبرى التى يقع فيها الإعلاميون الإثيوبيون هى أن من حق بلدهم إقامة ما تشاء من سدود ومشروعات مائية على هذا النيل الأزرق.
ولسان حال الإعلاميين الإثيوبيين الذين واجهتهم إعلاميا واستمعت إليهم وشاهدتهم فى الأسابيع الأخيرة يفسر لنا بصورة واضحة حقيقية الموقف الإثيوبى. فهم يقولون بوضوح ما لم يكن المسئولون الإثيوبيون يتجرأون على قوله مباشرة فى الماضى، لكنهم كشفوا عن وجههم الحقيقى فى الأيام الأخيرة، خصوصا البيان الخطير الذى صدر عن الخارجية الإثيوبية فى الأسبوع الماضى، وجاء فيه إن أى نقاش حول استخدام نهر النيل وإدارته ينبغى أن ينطلق من حقيقة أساسية وهى أن إثيوبيا هى منبع النيل الأزرق الذى يسهم بـ ٨٥٪ من إجمالى تدفق نهر النيل وأن من حقها التاريخى أن تصل إلى البحر الأحمر.
السؤال الجوهرى الذى كنت أوجهه إلى أى إعلامى إثيوبى هو: هل تتعاملون مع النيل الأزرق باعتباره بحيرة إثيوبية داخلية أم باعتباره نهرا دوليا تتقاسمه عدة دول؟ الإجابات كانت تأتى مختلفة وغامضة.
البعض يقول إنه نهر إثيوبى فقط ولا حق لأحد آخر فيه.
وفريق ثان يقول هو نهر دولى. وبالتالى يأتى سؤالى المنطقى التالى: إذا كان الأمر كذلك فمن الطبيعى أن كل ما تفعله إثيوبيا على النهر ينبغى أن يتم بالتشاور والتنسيق مع مصر والسودان.
لكنهم يردون بكلام غامض وملتبس، من قبيل أنه نهر دولى، من حق إثيوبيا أن تفعل فيه ما تشاء، وأنها قدمت كل الحلول لمصر، لكن الأخيرة هى من تتعنت. وبعضهم يقول إن مصر استفادت من النيل مئات السنين وحان الوقت أن تستفيد إثيوبيا!
وحينما تسأل هؤلاء: هل هذا المبدأ يعنى أن تقوم إثيوبيا بتعطيش مصر، لا يقدمون إجابة واضحة ومباشرة بل مزيدا من اللف والدوران.
هذه المغالطات التى تتجاهل القانون الودلى الذى ينظم قواعد عمل وإدارة الأنهار الدولية، هى التى يكررها الإعلاميون الإثيوبيون طوال الوقت مضافا إليها حجج واهية من قبيل أن مصر استغلت النهر لعقود طويلة وأنها تعتمد على اتفاقيات استعمارية بالية، وحان الوقت لتمزيقها ووضع قواعد جديدة تعطى إثيوبيا الأفضلية والأولوية فى إدارة النهر وإقامة ما تشاء من سدود ومشروعات من دون أى تنسيق مع السودان ومصر.
وحينما تقول لهم إن هذا المنطق يعنى أنكم تهددون بتعطيش مصر وتحويل السدود إلى محابس تتحكم فى مياه النهر كما تشاءون، يقولون لك إن ذلك ليس صحيحا، وإنهم لا ينوون إطلاقا الإضرار بمصر. وحينما تقول لهم ولماذا لا تترجمون هذا الكلام الطيب إلى اتفاقيات قانونية وملزمة، خصوصا فى فترات الجفاف الممتد يردون بالرفض التام لأن النهر نهرهم، وبالتالى علينا أن ننتظر فقط تفضلهم وتكرمهم فى السماح لبعض المياه بالتدفق للسودان ومصر.
الغريب أن كل المغالطات والاقتراعات السابقة يقولها ما يمكن أن نسميهم العقلاء من الإعلاميين الإثيوبيين، لكن هناك نماذج أخرى لا يصح الحوار معها من الأساس لأنها تنحدر إلى حلقات من الإساءة والشتائم والكيد وتشويه كل ما هو مصرى، من أول فرية الاستعمار نهاية بالتشكيك فى الحضارة المصرية ذاتها.
تقديرى أنه من المهم أن نواصل إقناع الشعب الإثيوبى الصديق بأننا لا نمانع فى حقهم فى التنمية، شرط ألا يكون ذلك على حساب وجودنا، لكن فى نفس الوقت من المهم أن تشعر الحكومة الإثيوبية بأنها سوف تدفع ثمنا باهظا إذا واصلت محاولات تطويق وتعطيش مصر.