تنطوى السردية الإسرائيلية على مبالغة شديدة بشأن عملية ثغرة الدفرسوار، وهى العملية التى سبقها اختراق طائرة الاستطلاع الأمريكية بلاك بيرد إس - آر 71 المجال الجوى المصرى يوم 13 أكتوبر 1973 وقيامها باستطلاع وتصوير جبهة القتال موفرة لإسرائيل معلومات كاملة عن الموقف على الجبهة والتوزيع التكتيكى والتعبوى للقوات والاحتياطات المصرية.
وقد تبين اعتبارًا من 14 أكتوبر بما لا يدع مجالًا للشك أن القوات المصرية باتت فى مواجهة مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة معًا، بعد حدوث طفرة نوعية وكمية فى أعداد الطائرات الإسرائيلية وحجم وكثافة الهجمات الجوية المعادية، ورصد تغيير فى الإعاقة الإلكترونية المضادة لمحطات الرادار والتوجيه، واستخدام القنابل التليفزيونية الأمريكية لضرب بطاريات صواريخ الدفاع الجوى المصرى وتدميرها.
وفى تلك الآونة كانت عملية نيكل جراس قد بلغت ذروتها بواسطة الجسر الجوى الأمريكى بطائرات النقل العملاقة جالاكسى وستارلفترسى انطلاقًا من القواعد العسكرية الأمريكية وقواعد حلف الأطلنطى فى أوروبا لإمداد إسرائيل بكميات هائلة من كل أنواع الصواريخ والقذائف والدبابات إلى مطار اللد ومطار العريش لتتجه مباشرة إلى جبهة القتال فى سيناء.
وفى 14 أكتوبر استغل الإسرائيليون مسألة تطوير الهجوم المصرى ومعلومات الاستطلاع الجوى الأمريكى، وخططوا للتسلل بقواتهم إلى المسافة الفاصلة بين قوات الجيشين الثانى والثالث فى منطقة الدفرسوار، وتنفيذ الخطة شوفاح يونيم، وهى الاسم الكودى لعملية الثغرة، وضمت القوات الإسرائيلية مجموعة شارون المدرعة وتضم 2 لواء مدرع ولواء مظلات، مجموعة برن - إبراهام أدان وتضم 2 لواء مدرع، ومجموعة كلمان ماجن، وتضم 2 لواء مدرع ولواء ميكانيكى 30 دبابة بإجمالى ألفى جندى.
بدأ الهجوم الإسرائيلى الأول فى الثغرة سعت 0500 يوم 15 أكتوبر بقصف مركز أعقبه تقدم لواء مدرع من فرقة شارون ضد اللواء الثالث ميكانيكى (لواء الوسط بالفرقة 16 مشاة)، وتحرك لواء أمنون (من فرقة شارون) (عدا كتيبة) تجاه الشمال بمحاذاة القناة لمهاجمة الكتيبة 16 مشاة من اللواء 16 مشاة لكن لواء أمنون بمجرد وصوله لمفترق طريق طرطور انهالت عليه الصواريخ المصرية المضادة للدبابات، وتم على الفور تدمير27 دبابة من أصل 58.
ولما كانت مهمة أمنون المباشرة هى السيطرة على المزرعة الصينية (قرية الجلاء) كمهمة مباشرة حتى يتسنى لقوات برن وماجن عبور القناة غربًا، فقد قام أمنون بهجومه التالى بقوة كتيبة ميكانيكية تدعمها سرية دبابات للهجوم على تقاطع طرق أكافيش - طرطور، وفور تقدم السرية الإسرائيلية المدرعة تم ضربها بسرعة خاطفة ودمرت عن آخرها، أما الكتيبة الميكانيكية فقد انهمرت عليها المدفعية والقذائف المضادة للدبابات، ومع الوقت أدرك أمنون تمامًا أن قواته المشكلة من كتيبة ميكانيكية وسرية الدبابات قد دمرت عن آخرها.
كانت الخسائر الإسرائيلية جسيمة كثمن لفتح محور عبور بقية القوات الإسرائيلية إلى الثغرة على الضفة الغربية للقناة، وهو ما عبرت عنه المكالمة التليفونية التى دارت بين موشيه ديان وشموئيل جونين قائد الجبهة الجنوبية والذى قال فيه ديان: لقد حاولنا لكن كل محاولتنا ذهبت أدراج الرياح، ولذا أقترح إلغاء فكرة العبور لأن المصريين سيذبحون أولادنا على الشاطئ الغربى .فقال جونين: لو كنا نعلم أن ذلك سيحدث ما بدأنا عملية العبور أما الآن وقد عبرنا فلنستمر حتى النهاية المريرة .
وعليه ففى المرحلة التالية اندفعت فرقة برن إلى الدفرسوار بدباباتها الجديدة التى أرسلتها الولايات المتحدة لتقاتل بها فى مواجهة اللواء 16 مشاة الذى أمضى 36 ساعة متواصلة فى قتال متواصل، وفور وصول فرقة برن للمنطقة بدأت أطقم اقتناص الدبابات المصرية فى ضرب قواته فاضطر لسحبها إلى الخلف وطلب إرسال دعم فأرسل إليه لواء مظلات جوًا من رأس سدر.
وفى الساعة 2300 من ليلة 16 أكتوبر بدأت وحدات المظلات فى التقدم تجاه المواقع المصرية، وعند وصولها لمنطقة ضيقة لا يزيد عرضها عن 2 كيلومتر، فتح الجحيم المصرى أبوابه بسيل من قذائف المدفعية والهاون وصواريخ الكاتيوشا على المظليين الإسرائيليين الذين قال قائدهم لقد تبعثرت أشلاء جنودى على خطوط الدفاع المصرية.
أثناء ذلك أعطى برن أوامره بدفع جسر العبور إلى المياه بأقصى سرعة صباح يوم 17 أكتوبر، وأصدر بارليف أوامره بدفع كتيبة دبابات لتغطية انسحاب لواء المظلات الذى قام قائده بإطلاق قنبلة دخان لمساعدتهم على الوصول إليه، الأمر الذى ساعد القوات المصرية على ضبط توجيه المدفعية بدقة أعلى، فانهالت القذائف المصرية مرة أخرى على لواء المظلات وعلى كتيبة الدبابات لتكبد الإسرائيليين 70 قتيلًا وأكثر من 100 جريح وخسارة 13 دبابة بفضل بطولة رجال الفرقة 16 والفرقة 21.
وعند زيارة ديان للجبهة للوقوف على معارك 15و16و17 أكتوبر قال لم أستطع إخفاء مشاعرى عند مشاهدتى لأرض المعركة فقد كانت المئات من الدبابات والعربات العسكرية محترقة ومدمرة ومتناثرة، وانقبض قلبى كثيرًا من كثرة الدبابات الإسرائيلية المدمرة، إننى لم أشاهد هذا المنظر طوال حياتى العسكرية فقد كان أمامى ميدان واسع لمذبحة أليمة تمتد إلى آخر البصر.
فى المرحلة التالية وبعد اكتمال عبور قوات الثغرة بدأت قوات شارون استعداداتها للتقدم نحو الإسماعيلية بمعاونة بقصف جوى إسرائيلى عنيف، ورغم ذلك فقد تم صدها عند قرية أبوعطوة، وتم تدمير دبابتين وعربة مجنزرة إسرائيلية ومقتل 50 من أفرادها، وعلى محور نفيشة تقدمت قوة إسرائيلية بسرية دبابات وسرية مشاة ميكانيكية لكن كتيبة الصاعقة المصرية أوقفت تقدمها ودمرت 3 دبابات وعربتين مجنزرتين ومقتل عدد كبير من جنودها، ومع تعزيز الدفاعات المصرية فشلت قوات شارون فى محاولتها، وتكبدت المزيد من الخسائر.
وفى اتجاه السويس ورغم صدور قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار فى 22 أكتوبر 1973 حاول العدو الإسرائيلى استغلال القرار لتحقيق أى مكاسب عسكرية وإعلامية بمحاولة احتلال مدينة السويس بلواء مدرع قوامه 110 دبابات، وكتيبة دبابات وسرية مشاة ميكانيكية، تحت قصف جوى إسرائيلى عنيف لكن جنود الفرقة 19 وأبطال المقاومة الشعبية تصدوا له وكبدوه خسائر فادحة بلغت 21 دبابة و18 مدرعة، وأكثر من 300 إسرائيلى ما بين قتيل وجريح.
• • •
إذن فالمحاولات المستميتة من الجيش الإسرائيلى لإحداث تغيير جذرى فى مجريات الحرب قد باءت بالفشل، وذلك ما يؤكده التسجيل الصوتى للمكالمة بين شارون وقياداته يتبادلون فيه الاتهامات عن فشل عملية الثغرة، فى وقت بدأت فيه عمليات مركزة فى مواجهة القوات الإسرائيلية فى الثغرة حتى لا تتاح لها الفرصة لتثبيت نفسها فى مواقع دفاعية، وكذا استنزافها وتكبيدها أكبر خسائر ممكنة فى الأفراد والمعدات حتى يحين وقت تصفيتها، وقد حدث بالفعل 452 اشتباكًا بالنيران منذ إيقاف إطلاق النار.
ومن جهة أخرى فقد تم التصديق على الخطة شامل لتصفية الثغرة فى 18 ديسمبر 1973 بقوات تضم فرقتين مدرعتين تضمان 4 ألوية مدرعة، لوائى مشاة آليين، 12 كتيبة مدفعية، و3 فرق مشاة آلية تضم 3 ألوية مدرعة، 6 ألوية مشاة آلية، 18 كتيبة مدفعية، مضافًا إليها وحدات قوات الصاعقة والمظلات، واحتياطات القيادة العامة، مضافًا إليها إسناد القوات الجوية المصرية.
وبقيام القوات الإسرائيلية فى الثغرة بإحاطة نفسها بقرابة 7500 لغم، بذلك وفعليًا فقد باتت تلك القوات رهينة لدى مصر، وجاءت مفاوضات اتفاق الفصل بين القوات لتظهر حقيقة ونتيجة عملية الثغرة عندما كان أول مطلب لإسرائيل هو انسحاب قواتها من الثغرة والسماح لها بالعبور عائدة إلى شرق القناة.
عملية الثغرة إذن لم تغير حقيقة الهزيمة الإسرائيلية فى أكتوبر 1973، والتى أقرت بها رئيسة الوزراء جولدا مائير فى مذكراتها بأن حرب يوم الغفران هى كابوس مروع سوف يلازمنى مدى الحياة، كذلك كتب وزير دفاع الكيان موشيه ديان فى مذكراته بأن حرب يوم كيبور كانت زلزالًا هائلًا ضرب إسرائيل، أما مدير المخابرات العسكرية الإسرائيلية الأسبق أهارون ياريف فقد تحدث عن الحرب بقوله: لقد خرج العرب منتصرين بينما نحن قد خرجنا ممزقين وضعفاء، وكتب زئيف شيف المحلل العسكرى الإسرائيلى هذه أول حرب للجيش الإسرائيلى يعالج فيها الأطباء جنودًا كثيرين مصابين بصدمة القتال وفى حاجة إلى علاج نفسى، وهناك جنود قد نسوا أسماءهم، وأخيرًا وليس آخرًا جاء تقرير لجنة أجرانات الذى أقر بالهزيمة والتقصير وبحقيقة خسارة إسرائيل للحرب.
تلك كانت مراجعة للثغرة من واقع سجلات التاريخ الذى تأبى إسرائيل إلا أن تسجله وفق رؤيتها وإن خالفت حقائق التاريخ.