الاســتنزاف الأمريكى للخليج العـربى - أيمن النحراوى - بوابة الشروق
الأحد 2 أغسطس 2026 8:56 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

الاســتنزاف الأمريكى للخليج العـربى

نشر فى : الأحد 2 أغسطس 2026 - 6:40 م | آخر تحديث : الأحد 2 أغسطس 2026 - 6:40 م

لا يحتاج الأمر إلى تفكير عميق للوصول إلى حقيقة أن سياسات الرئيس ترامب تعـد مسئولة كاملة عما يحدث الآن فى الشرق الأوسط، بفعل قيام الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب واحد بتأجيج نيران الحرب على إيران، الأمر الذى وضع الدول الخليجية فى مركز شديد الحرج وألحق بها أضرارًا سياسية واقتصادية فادحة.

وبالفعل فقد ورطت الولايات المتحدة المنطقة بأكملها فى أتون حرب ضروس شنتها تحقيقًا لمصالحها ومصالح إسرائيل حصرًا، ودون أن يكون للدول الخليجية فيها أى مصلحة أو علاقة، أو كما يقول العـرب لا كانوا فى العـير ولا النفــير، وهو ما عبر عنه العديد من المسئولين الخليجيين فى تصريحاتهم بقولهم هذه ليست حربنا.

• • •

فى الواقع يمكن النظر إلى ما يجرى من وقائع باعتباره حلقة جديدة من حلقات سلسلة الاستنزاف المستمر الذى تتعرض له الدول الخليجية بصفة منتظمة من جانب الولايات المتحدة التى لم تترك فرصة أو مجال أو حدث إلا واستنزفت بموجبه مليارات الدولارات من موارد وثروات الدول الخليجية بمختلف الحجج والذرائع والأسباب.

الولايات المتحدة وحليفاتها من الدول الغربية التى تهمين شركاتها الكبرى على كل ما يتعلق بالنفط الخليجى من حيث الاستخراج والإنتاج والتكرير والنقل والتوزيع، تشارك الدول الخليجية رأسًا برأس مناصفة فى إيرادات صناعة النفط، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يتم إعادة تدوير معظم العوائد والفوائض النفطية الخليجية على شكل استثمارات أو سندات أو أرصدة أو احتياطيات، تشكل جميعها إضافة فاعلة لتدفقات مالية هائلة تسرى فى المنظومة المالية والاستثمارية للاقتصاديات الأمريكية والغربية.

ومن جهة أخرى ومنذ سنوات طويلة وإلى اليوم فإن منطقة الخليج العربى تمثل سوقًا هائلة لمبيعات السلاح الأمريكى والغربي، وهى مبيعات تتم بقيم مالية فلكية، وبالتوازى معها تتكبد تلك الدول تكاليف باهظة للإنفاق على القواعد العسكرية الأمريكية المقامة على أراضيها بغرض الدفاع عنها وحمايتها، بيد أن الولايات المتحدة حولتها من قواعد عسكرية دفاعية إلى قواعد هجومية لشن العدوان على دولة مثل إيران خدمة للأهداف الأمريكية والإسرائيلية.

• • •

الاستنزاف الأمريكى للدول الخليجية يمتد لسنوات وعقود طويلة وعبر أحداث ووقائع كبرى نذكر منها الحرب العراقية الإيرانية التى استنزفت قدرات وموارد هاتين الدولتين بصورة مروعة، واستنزفت أيضًا موارد هائلة دفعتها الدول الخليجية لتمويل إمدادات السلاح للعراق، فضلًا عما تكبدته الدول الخليجية من خسائر فى حرب الناقلات وتدمير المنشآت النفطية والمدنية، وهى الحرب نفسها التى أمل هنرى كيسنجر فى أن تستمر وتتواصل دون توقف إلى ما لا نهاية.

لم تكن الولايات المتحدة أيضًا بعيدة عن كارثة الغزو العراقى للكويت، بالإيعاز غير المباشر وتهيئة الظروف السياسية الإقليمية والدولية لتصل الأمور إلى ما وصلت إليه من خراب ودمار فى البنية التحتية والمادية فى الكويت قدرت قيمتها بنحو 160 مليار دولار، وخسائر العراق التى قدرت قيمتها بنحو 190 مليار دولار، فضلًا عن استغلال الولايات المتحدة لتلك الكارثة فى فرض الحصار المطبق على العراق طوال عشر سنوات وصولًا إلى غزوه واحتلاله.

الغزو الأمريكى للعراق، والذى قدرت تكلفته بحوالى 1.9 تريليون دولار، لم يكن سوى حلقة جديدة من حلقات الاستنزاف والسيطرة على موارد ومقدرات العراق، والاستيلاء على احتياطياته وأرصدته من الذهب والنقد، ووضع موارده الهائلة من النفط والغاز فى قبضة الشركات الأمريكية، وخضوع إيراداته النفطية لتحكم وسيطرة مباشرة من الحكومة الأمريكية.

• • •

اليوم ذهبت الولايات المتحدة بعيدًا فى سياساتها العدوانية تجاه إيران بعد أن فرضت عليها حصارًا اقتصاديا ممتدًا لأكثر من ستة وأربعين عامًا، فجاء الرئيس ترامب وهو يضع نصب عينيه تدمير وإسقاط الدولة الإيرانية أو على الأقل تحجيم طموحاتها وإجبارها على الإنصياع لسياسات وتوجهات الولايات المتحدة وإسرائيل، مرتكزًا على القواعد العسكرية الأمريكية التى وجدت أصلًا للدفاع عن الدول الخليجية وليس الانطلاق منها والعدوان على غيرها من الدول.

لم تكترث الإدارة الأمريكية للأضرار الفادحة التى أصابت دول الخليج التى خسرت فى شهر واحد بعد إندلاع تلك الحرب ما قدره 186 مليار دولار، مع تراجع صادرات النفط بفعل توقف حركة الملاحة فى مضيق هرمز بنسبة تصل إلى 95% وارتفاع قيم عقود التأمين البحرى وتكاليف الشحن الدولي، وتضرر قطاعات السياحة والنقل الجوى نتيجة إعادة توجيه مسارات ورحلات الطيران وارتفاع أسعار الوقود، فضلًا عن الخسائر الفادحة فى المبانى والمنشآت الخليجية.

وبرغم كل ذلك فالرئيس الأمريكى الذى يعمل عقله بفكر رجل الأعمال والمقاولات، ينتهج سياسة تحميل الآخرين بتكاليف قراراته، ويطالب الدول الخليجية بتحمل نصيبها من تكاليف تلك الحرب، بل وطالب مؤخرًا بتحصيل إتاوة 15% من قيمة حمولة كل سفينة كرسوم مقابل تأمين اجتيازها سالمة لمضيق هرمز، وحتى فى مفاوضاتهم مع إيران عرض الأمريكيون إنشاء صندوق لإعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار تكون مسئولية تمويله على عاتق الدول الخليجية.

• • •

وهكذا وبانتهاجها سياسة القوة الغاشمة بصورة فجة وقبيحة على ما عداها من الدول مثل إيران، لم تجلب الولايات المتحدة للخليج العربى الحماية والاستقرار، بل جلبت الخراب والدمار، كما تمكنت بدهــاء من تدمير جسور التفاهم وبناء الثقـة التى كانت موجودة بدرجة ما بين إيران وغيرها من الدول الخليجية بإظهار إيران على هيئة المعتدى على سيادة تلك الدول، ومن ثم الحيلولة دون قيام أى تفاهمات مستقبلية والإبقاء على حالة الصراع مستمرة فيما بينها.

هنا يبرز سؤال استراتيجى حاسم يتعلق بإمكانية العمل على إيقاف الحرب الراهنة وتجاوز تداعياتها، وتوصل دول الخليج العــربى جميعها بما فيها العراق وإيران لترتيبات سياسية إقليمية جديدة يتحمل الجميع بموجبها مسئولية الأمن فى الخليج العربى، مع تحجيم دور الولايات المتحدة ليكون داعمًا ومساندًا فقط عند الطلب وللضرورة القصوى.

قد يبدو أن هذا السؤال يطرح معضلة صعبة، لكن الإجابة الصحيحة عليه قد تحمل تحولًا تاريخيًا يخمد نيران الحرب الدائرة، ويوقف الاستنزاف المروع الذى تتعرض له هذه الدول، ويحول مجريات الأمور بعيدا عن الصراع والتناحر إلى حقبة جديدة من التعاون والتكامل.

أستاذ ومستشار الاقتصاد الدولى واللوجيستيات

أيمن النحراوى  خبير اقتصاد النقل والتجارة الدولية واللوجيستيات
التعليقات