يمكن القطع بأنه لا يوجد فى العصر الحديث من ألحق أضرارًا بالعالم العربى فى مقدراته وحاضره ومستقبله أكثر من الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل، بسياساتهما وحروبهما العدوانية المتواصلة فى بلادنا وعلى شعوبنا منذ أكثر من ثمانية عقود.
المنظومة السياسية الدولية التى قادتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، كانت هى الراعى الرسمى لذلك الكيان الإجرامى، الذى التصق أولًا بالإمبراطورية البريطانية واستفاد من هيمنتها لإنشاء كيانه المزعوم على أرض فلسطين، وبتواطؤ وتعاون من سلطات الانتداب البريطانى التى فتحت أبواب فلسطين أمام الهجرات اليهودية وتدفق السلاح للعصابات الصهيونية من جميع أنحاء العالم، وقامت بدورها خير قيام فى إنشاء الكيان وتثبيت وجوده.
وبعد أن تبين للكيان الصهيونى أن شمس الإمبراطورية البريطانية قد غربت، تحول ببراجماتية انتهازية إلى الولايات المتحدة التى خرجت من الحرب العالمية الثانية كأقوى دولة فى العالم، فتحرك مستغلًا هيمنة الصهاينة على مجمع أعصاب ومقدرات السياسة الأمريكية وتحكمهم فى مفاصل الاقتصاد الأمريكي، فألحق نفسه بمنظومة السياسة الأمريكية، وأدرجه الصهاينة الأمريكيون ضمن عناصر السياسة الدولية الأمريكية وأدواتها وأهدافها.
وفى ذات المرحلة امتد التأثير الصهيونى الأمريكى إلى أوروبا، فتجلى فى توجيه الولايات المتحدة لحكومة ألمانيا الغربية لتوقيع اتفاقية لوكسمبورج للتعويضات الألمانية، وهى الاتفاقية التى تلقت بموجبها إسرائيل مئات المليارات من الماركات الألمانية كتعويضات، كما تلقت شحنات هائلة من المعدات والأجهزة والمساعدات الألمانية فضلًا عن شحنات السلاح الضخمة التى أخذت تتدفق عليها منذ عام 1957 وإلى اليوم.
ويذكر الدبلوماسيون العرب فى ألمانيا فى تلك الفترة أنه أثناء محاولاتهم التواصل مع الحكومة الألمانية لإثنائها عن توقيع اتفاقية التعويضات، باعتبار أن ذلك سيتيح لإسرائيل توجيه مواردها الأخرى نحو الإنفاق الحربى، وأنه يمكن استبدال ذلك بدفع تعويضات لليهود كأفراد وليس لإسرائيل ككيان يقوم على احتلال فلسطين وطرد وتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وبيوتهم.
كانت إجابة المسئولين الألمان أن تلك التعويضات هى جزء من الإملاءات والشروط التى حددتها الولايات المتحدة لعودة ألمانيا للمجتمع الدولى بعد الحرب، وأن ألمانيا ليس لها قبلٌ بمواجهة الضغوط الأمريكية، وبعد ذلك وعندما طلب الدبلوماسيون العرب دفع ألمانيا تعويضات مماثلة للاجئين الفلسطينيين، اعتذر المسئولون الألمان مشيرين إلى عدم مسئوليتهم عنهم.
• • •
لم تقتصر جهود الكيان الصهيونى على الاستغلال والتطفل النفعى على الولايات المتحدة، فامتدت للتعاون مع فرنسا وبريطانيا للقيام بالعدوان الثلاثى على مصر؛ شاركت فرنسا لكسر شوكة مصر وإثنائها عن دعم الثورة الجزائرية، وشاركت بريطانيا التى فقدت بتأميم مصر لقناة السويس الإيرادات الهائلة من رسوم عبور القناة التى تنعمت بها بريطانيا طوال نصف قرن من الزمان.
كان جزء من الثمن الذى حصلت عليه إسرائيل من مشاركتها فى العدوان الثلاثى على مصر هو تمكن قواتها من دخول سيناء للمرة الأولى، وحصولها على كميات كبيرة من السلاح الفرنسى، وكان الثمن الأهم هو قيام فرنسا ببناء المفاعل النووى الإسرائيلى فى ديمونا، وهو المفاعل الذى تأسست عليه القدرات النووية الإسرائيلية، وربما يكون قد أمكن فى إطاره تصنيع عدد من القنابل النووية الإسرائيلية.
لاحقًا تجلى الدور الأمريكى والغربى ضد المقدرات العربية فى ذروته فى حرب 1967، التى حاربت فيها إسرائيل بترسانات ضخمة من الأسلحة الأمريكية والغربية، وتجلى الأمر أكثر فى حرب 1973 التى شهدت أكبر جسر جوى للإمدادات فى التاريخ من القواعد الأمريكية وقواعد حلف الناتو لإمداد إسرائيل بأحدث الأسلحة وأكثرها فتكًا وتدميرًا، كما شهدت تلك الحرب الدور المهم لطائرات الاستطلاع الأمريكية لاستطلاع الجبهة المصرية، والتسبب فى عملية ثغرة الدفرسوار التى حاول من خلالها الجيش الإسرائيلى إجهاض النصر فى حرب أكتوبر.
• • •
هنا يتعين علينا الانتباه إلى حقيقة لا جدال بشأنها، وهى حرص إسرائيل على كتابة التاريخ بأسلوبها وبمعرفتها ولصالحها، زاعمة على الدوام أن العرب قد هُزموا أمامها فى كل حروبهم، وربما كان الأمر كذلك فى ظاهره، لكن الحقيقة هى أن العرب، وعلى رأسهم مصر، كانوا يحاربون فعليًا فى مواجهة الولايات المتحدة ومن خلفها الحلفاء الغربيون؛ كان العرب يحاربون السلاح الغربى والسياسات الغربية والاستخبارات الغربية التى حاربتهم دون هوادة بواسطة إسرائيل.
البصمات الأمريكية يمكن تبينها كذلك فى كل ما لحق بالمنطقة العربية من دمار فى العقود اللاحقة، والتى تمثلت فى حصار وتدمير وغزو العراق، ثم مخطط الربيع العربى الذى تسبب فى تدمير ليبيا، ثم سوريا بعد فرض الحصار عليها واستنزاف جيشها فى مواجهة تنظيمات إرهابية استُحضرت من جميع أنحاء العالم، وحتى انهيار الدولة السورية وسقوط دمشق وخروج سوريا فعليًا من معادلة القوة العربية، بعد قيام الكيان الصهيونى بتدمير ما تبقى من جيشها وقدراتها العسكرية.
وحتى فى أثناء الحرب الإجرامية الإسرائيلية على غزة، ورغم تنديد العالم بكل ما ارتكبته إسرائيل فيها من مجازر وجرائم حرب، إلا أن ذلك لم يمنع الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرهم من إمداد الكيان الصهيونى بكميات هائلة من الأسلحة والذخائر من كل الأنواع؛ فالجسر الجوى والبحرى للإمدادات إلى إسرائيل عليه أن يستمر دون انقطاع، بل عليه أن يتضاعف فى أوقات الحروب والعدوان.
• • •
الحرب الأمريكية الراهنة فى الخليج العربى ألحقت أضرارًا جسيمة غير مسبوقة بالدول الخليجية التى وجدت نفسها متورطة بين عشية وضحاها فى أتون حرب تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، دون مبالاة بالدمار والخسائر التى لحقت بالدول الخليجية، والتى لم تكن طرفًا فى تلك الحرب بأى حال من الأحوال.
ولا نستبعد أن الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس ترامب قد تكون قد طلبت من الدول الخليجية، أو ستطلب، الإسهام فى تكاليف تلك الحرب الضروس على إيران، وربما تكون حجتها فى ذلك هى أن تدمير مقدرات الدولة الإيرانية وإسقاطها سيصب فى دعم الاستقرار فى منطقة الخليج والمنطقة العربية، وهى ذاتها الحجج الكاذبة التى طالما استخدمتها الولايات المتحدة كذبًا إبان تدميرها للعراق وليبيا وسوريا، واستخدمتها قبلها فى كوريا وفيتنام وأفغانستان، وكل دولة كانت ضحية لها.
واعتبارًا لكل ما سبق، فعلينا أن نفكر فى اليوم التالى للحرب وما بعده، وأيًا كانت ما ستسفر عنه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فلا مناص من قيام العرب بمراجعة شاملة وتقييم لعلاقاتهم بالولايات المتحدة فى ضوء المتغيرات السياسية العالمية الراهنة، وأيضًا فى ضوء سياسات الولايات المتحدة نفسها... ومن أوتى الحكمة فقد أوتى خيرًا كثيرًا.
أستاذ ومستشار الاقتصاد الدولى واللوجيستيات