ليس الذهب ولا اليورانيوم، بل هو النفط الذى استحوذ على تلك الأهمية البالغة، والدول العربية التى تمتلك ما نسبته 59% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة للنفط، وتنتج ما يقرب من 32% من الإنتاج العالمى، وضعتها تلك الحقيقة الجيولوجية فى مركز اهتمام العالم اقتصاديا وسياسيا.
وربما اعتقد الكثيرون أن مشروع مارشال هو من أعاد الحياة إلى أوروبا المدمرة بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الحقيقة هى أن النفط العربى الرخيص كان هو من قدم لأوروبا تلك الفرصة التاريخية لإعادة بناء اقتصاداتها وصناعاتها بتكلفة منخفضة كمصدر رئيسى للطاقة، لا سيما أنه اعتبارا من عام 1948 تحولت الولايات المتحدة إلى مستورد صافى للنفط بعد أن كانت مصدرا له.
وبحكم الخبرة والمعرفة العلمية والتكنولوجية، سيطرت شركات النفط العالمية، ومعظمها أمريكية وأوروبية غربية، سيطرة شبه مطلقة على منظومة النفط فى العالم العربى، فقد كانت هى التى تبحث وتستكشف وتستخرج وتخزن وتنقل النفط، وهى التى تكرره وتعالجه فى معاملها ومنشآتها، وهى أيضا التى تسيطر على تسويقه وتسعيره وتوزيعه، المنظومة بالكامل وبكل عناصرها كانت وما زالت فى قبضتها، وفى تلك الفترة المبكرة لم تحصل البلاد المالكة للخام المستخرج من أرضها إلا على إتاوة تتراوح ما بين 10 و30 سنتا لكل برميل.
تغير الأمر قليلا فى عام 1950 عندما قبلت شركات النفط وتحت ضغط الحكومات والشعوب بمبدأ المناصفة فى الأرباح، ورغم ذلك ظلت تلك الشركات هى من تسيطر وتتحكم فى المنظومة بالكامل وتديرها لصالحها ولصالح دولها واقتصاداتها، فعملت على الدوام على خفض سعر برميل النفط إلى أدنى حد ممكن، وعدم تجاوزه سقف معين حتى لا ينعكس على مستويات التكاليف والأسعار فى الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان وكضمانة للنمو الاقتصادى المستقر.
تلك الدول وشركاتها النفطية الكبرى اعتبرت على الدوام أن النفط هو أهم سلعة استراتيجية لاقتصاداتها وصناعاتها، ولذلك لم تكن لتتورع عن القيام بأى شىء للإبقاء على صناعة النفط العالمية فى قبضتها وتحت سيطرتها، ولذلك بلغ تعاون الشركات النفطية والحكومات وأجهزة الاستخبارات الغربية ذروته فى عملية الإطاحة بحكومة الدكتور محمد مصدق فى إيران عام 1953 عندما فكر فى تأميم صناعة النفط الإيرانية.
• • •
وفى أبريل 1959 كانت القاهرة هى مهد فكرة إنشاء منظمة الدول المصدرة للبترول أوبك، خلال انعقاد المؤتمر البترولى الأول الذى نظمته جامعة الدول العربية، حيث حدث توافق مبدأى بين ممثلى المملكة العربية السعودية والعراق وإيران والكويت وفنزويلا، والاتفاق على إنشاء كيان تشاورى للتنسيق بينها بصدد الإنتاج والأسعار، وإعادة صياغة تعاقداتها مع شركات النفط الكبرى، والعمل على تأسيس شركات نفط وطنية، وأطلق على هذه التفاهمات «اتفاق المعادى».
كان ذلك الاتفاق هو حجر الأساس لإنشاء منظمة الأوبك، وتلاه الاجتماع التأسيسى فى بغداد فى سبتمبر 1960 كمنظمة دولية معنية بمصالح الدول الأعضاء المصدرة للنفط والتنسيق فيما بينها.
كان ذلك الحدث تاريخيا وخطيرا بكل أبعاده وأهدافه، فلأول مرة ينضم كبار منتجى النفط فى العالم لبعضهم البعض لتشكيل تكتل الدول المصدرة، والعمل معا فى مواجهة تكتلات شركات النفط العالمية، والتى كانت تنسق سياساتها وعملياتها سرا سواء على مستوى الدول أو الحكومات أو الشركات أو أجهزة الاستخبارات.
تواكبت تلك المرحلة الهامة مع زيادة نصيب المنطقة العربية من الإنتاج العالمى للنفط من 10% عام 1950 إلى 37.5% عام 1970، وبعد طرح التكلفة وفقا لاتفاقية مناصفة الأرباح، لم يكن نصيب الدول المصدرة للنفط حتى عام 1970 يتجاوز 30 سنت فى البرميل، وفى عام 1971 ومع قرار الرئيس نيكسون بإلغاء تحويل الدولار الأمريكى إلى الذهب، وتخفيض قيمة الدولار، تدنت القوة الشرائية لعائدات الدول المصدرة للنفط بدرجة كبيرة، وباتت وكأنها لا تحصل من عائدات النفط إلا على النذر اليسير.
ثم كان أن دخل سوق النفط العالمية فى منعطف حاسم بعد قرار الدول العربية إبان حرب أكتوبر 1973 بخفض فورى فى إنتاج النفط بنسبة 5%، تلته تخفيضات شهرية إضافية 5%، وبات الحظر يعنى نقص فى إمدادات الولايات المتحدة 2-3 ملايين برميل يوميا، وفى الدول الخاضعة للحظر إلى قرابة 5 ملايين برميل يوميا، وعلى أثر ذلك ارتفعت أسعار النفط الخام من 2.90 دولار للبرميل إلى 11.65 دولار بحلول يناير 1974.
• • •
خرجت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بدرس قاس مفاده حتمية مواجهة تكتل مصدرى النفط على كل الأصعدة، بإنشاء تكتل آخر فى مواجهته، فكان إنشاء وكالة الطاقة الدولية، وكان توجيه مليارات الدولارات للتوسع فى إقامة المحطات النووية لتوليد الطاقة، والتوسع فى أبحاث مصادر الطاقة الشمسية والرياح والبدائل بكل أنواعها، واقتصاديا ظهر ما أطلق عليه ظاهرة تدوير الفوائض النفطية، حيث أعيد استثمار أموال تلك الفوائض النفطية فى المنظومات الاستثمارية والمالية والاقتصادية الغربية.
أما الساحة السياسية الدولية، فقد شهدت توجهات قادتها الولايات المتحدة تمحورت حول تعزيز هيمنتها السياسية على كبار المنتتجين، والترصد بالعقوبات والضربات والغزوات للمارقين، ولنا فى العراق وإيران وليبيا وفنزويلا أمثلة صارخة على ذلك، والعقوبات والتضييق على كبار المنتجين مثل روسيا وتقويض أسواقهم النفطية، والتعامل المنفرد مع كل دولة منتجة أو مصدرة كل حسب حالته مثل نيجيريا وإندونيسيا والجابون والإكوادور، وغيرهم بالاحتواء أو التهديد أو الوعيد أو الترغيب أو الاغتيالات أو الانقلابات.
واليوم ليست الولايات المتحدة تحديدا بريئة مما يجرى فى سوق النفط العالمية من اضطرابات، فعملية الإطاحة بالرئيس مادورو فى فنزويلا، والحرب العدوانية الحالية على إيران، وقصف المواقع فى نيجيريا، والعقوبات على النفط الروسى والإيرانى، وإعاقة إمدادات النفط إلى الصين واليابان وأوروبا وغيرها، جميعها تأتى فى إطار مخططات وسياسات النفط الأمريكية، وهى ليست بعيدة عن مصالح لوبى النفط الأمريكى، والتوجهات الجيوسياسية الأمريكية للتحكم والهيمنة بما يخدم مصالحها الذاتية.
دولة الإمارات بقدرتها التى تبلغ 120 مليار برميل من الاحتياطات المؤكدة، ما يجعلها السادسة عالميا، كما أنها ثالث أكبر منتج داخل أوبك، بإنتاج 3.4 مليون برميل/يوم، أى يعادل نحو 4% من الإنتاج العالمى، كان بالأمس القريب قرارها بالخروج من منظمة أوبك وأوبك بلاس.
بذلك فكل ما يجرى اليوم فى سوق النفط العالمية من تطورات يشير إلى أن هناك عملية شاملة لإعادة هندسة وصياغة السوق العالمية للنفط على قواعد وآليات عمل جديدة، لن تظهر تداعياتها اليوم، لكنها ستتجلى فيما بعد فى واقع جديد نأمل ألا يدفع العرب ثمنه من نفطهم ومواردهم، وإن غدا لناظره قريب.
أستاذ ومستشار الاقتصاد الدولى واللوجيستيات