إعادة ضبط البوصلة.. ورأب الصدع فى منظومة الأمــن العربى - أيمن النحراوى - بوابة الشروق
الثلاثاء 24 مارس 2026 3:57 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

إعادة ضبط البوصلة.. ورأب الصدع فى منظومة الأمــن العربى

نشر فى : الإثنين 23 مارس 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : الإثنين 23 مارس 2026 - 7:15 م

الحرب الأمريكية الحالية على إيران ستوصف بأنها واحدة من أكثر الحروب رعونة وخطورة فى التاريخ، حين صورت غطرسة القوة الأمريكية لنفسها أنها قادرة على فعل كل شىء وأى شىء، بدءا من اختطاف رئيس دولة من داخل قصره فى فنزويلا، إلى فرض حصار مطبق على كوبا الجارة الصغيرة، ومرورا بالحرب الحالية التى تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل دون هوادة على إيران.

 


ولا جدال على أن الهدف النهائى من تلك الحرب هو إخضاع إيران، فالنظام الإيرانى الحالى وتوجهاته وسياساته جميعها تتباين وتتناقض مع المخططات الأمريكية والإسرائيلية، لذلك بات يتعين التخلص منه وإزالته من الوجود بكل الحجج والذرائع، أما إيران الخاضعة فهى المنشودة لأنها ستخدم إلى حد بعيد الاستراتيجيات الأمريكية والإسرائيلية إقليمياً وعالميا، من أجل ذلك كانت تلك الحرب العدوانية.
أفرزت الحرب تداعيات كبرى حين كشفت أن أوروبا والولايات المتحدة أصبحتا تسلكان مسارين متباعدين، بعد أن رفض قادة أوروبا المشاركة فى الحرب، كذلك تسببت الحرب فى تدمير جسور العلاقة الهشة بين دول الخليج العربى وإيران بقيام الولايات المتحدة بقصف إيران انطلاقاً من عدد من القواعد العسكرية الأمريكية فى المنطقة كما تقول ايران ، وعليه فلم يكن أمام إيران إلا الرد على مصدر النيران، فتحول الأمر من كونه مواجهة أمريكية إسرائيلية إيرانية، إلى كونه مواجهة خليجية إيرانية وهو أخطر ما فى تلك الحرب.
والأهم أن الحرب الجارية الآن فى منطقة الخليج العربى قد أضافت دليلا جديدا على أن منظومة الأمن القومى العربى باتت فى النزع الأخير كمنظومة مهلهلة مليئة بالشروخ والصدوع العميقة، وهو ما أكدته الانكشافات المروعة التى تعرضت لها الدول الخليجية الشقيقة تحت وطأة الصواريخ والمسيرات الإيرانية، رغم وجود القواعد والتمركزات الأمريكية العسكرية، والتى كان من المفروض أن تقوم بدورها فى حماية الخليج، لا أن تكون سبباً لتعرض الدول الخليجية للهجمات والضربات.
المليارات التى حصلت عليها الولايات المتحدة، والمليارات التى أنفقت على صفقات السلاح، تبين اليوم أنها أنفقت هباءً، فالسياسة الخارجية الأمريكية فى ظل هذه الإدارة وجميع الإدارات السابقة سياسة تتمحور أساسا حول مصالح الولايات المتحدة أولا وأخيرا، ثم مصالح من يتفق معها من حلفائها على انتهاج هذه السياسة، وهو الدور الذى تقوم به إسرائيل بمهارة منذ سبعة عقود بصرف النظر عما إذا كانت الولايات المتحدة هى التى تقود إسرائيل أم أن إسرائيل هى التى توجه الولايات المتحدة.
• • •
الوضع الراهن لمنظومة الأمن العربى هو إذن وضع شديد الخطورة، ولا سيما فى وجود الكيان الصهيونى باستراتيجيته وسياساته العدوانية التوسعية، التى تستغل جميع الفرص لمحو القضية الفلسطينية والاستيلاء على ما تبقى من الأراضى الفلسطينية بتوسيع المستعمرات الاستيطانية وتدمير مقدرات وحياة الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، ولا يقتصر الأمر على ذلك فقد استغلت إسرائيل الأحداث لفرض هيمنتها الكاملة وسطوتها على لبنان وسوريا اللتين تعانيان من حالة ضعف عسكرى وتردٍ اقتصادى مروعٍ.
ومؤخرا قامت إسرائيل بتوغلات وغارات وحشية على جنوب بيروت وعلى عشرات القرى اللبنانية فى الجنوب الأمر الذى أسفر عن ترحيل 750 ألف لبنانى من منازلهم وتشريدهم، ومقتل وإصابة الآلاف من اللبنانيين، مع إصرار إسرائيل على رفض تنفيذ الانسحاب الكامل من جنوب لبنان والتمسك باحتلال مواقع استراتيجية حدودية حاكمة ومسيطرة استطلاعيا ونيرانيا على مساحات شاسعة من جنوب لبنان، فضلا عن أنها تؤمن المستعمرات الاستيطانية الإسرائيلية فى شمال فلسطين.
من شبه المؤكد قيام إسرائيل باستغلال الفرصة لاحتلال جميع الأراضى الموجودة فى جنوب نهر الليطانى مستولية على الأراضى الخصبة الغنية الشاسعة، وكذلك استيلائها على مجرى النهر كمصدر استراتيجى للمياه العذبة يقارب 750 مليون متر مكعب سنويا من المياه لتحول جزء منها إلى مستعمراتها الاستيطانية فى شمال فلسطين المحتلة، ولتحقق فى ذات الوقت هدفا استراتيجيا عسكريا بجعل مجرى نهر الليطانى هو حدودها الجغرافية الشمالية كمانع مائى صعب يحول دون قيام أى طرف مقاوم لبنانى بالوصول إليها.
• • •
فى سوريا حقق الاحتلال الإسرائيلى الحالى لمرتفعات الجولان وجبل الشيخ أفضلية استراتيجية كبرى للاستطلاع والرصد الرادارى والنيرانى على محافظات دمشق والقنيطرة ودرعا، مع تمركز القوات الإسرائيلية على مسافة 25 كم من العاصمة دمشق نفسها والتى باتت بذلك تحت السيطرة النيرانية الإسرائيلية، وباعتبار أن جبل الشيخ هو المنبع الرئيسى لنهر الأردن فإن إسرائيل بذلك أيضا تكون قد أحكمت قبضتها على منابع نهر الأردن، والتى تتضمن أيضا التحكم فى منابع نهر اليرموك والسيطرة عليها، لتحقق خطوة كبرى فى استراتيجيتها المائية الجشعة والعدوانية.
الكارثة الحادثة هذه الأيام فى جنوب سوريا، تتضمن أيضا قيام قوات العدو الإسرائيلى باحتلال عشرات القرى والأراضى السورية فى ريف الجولان والقنيطرة ودرعا، وقيامها بتوغلات وحملات تفتيش ومداهمة وترويع للأهالى بإقامة الحواجز ونقاط التفتيش، مع قيام العدو الإسرائيلى بتغذية ودعم التوجهات الانفصالية لبعض قطاعات الدروز السوريين بعد تعرض قراهم وبيوتهم لهجمات من بعض العشائر والقبائل البدوية المناوئة لهم.
لم يكن وادى اليرموك الاستراتيجى حيث منابع مياه الأنهار السورية والأردنية بعيدا عن الأعمال العدوانية الإسرائيلية، فقد حولت قوات الاحتلال وادى اليرموك إلى منطقة عسكرية محظورة، وأخطرت السكان بمنع دخولهم إلى الوادى، وحتى المزارعين الذين حاولوا الذهاب إلى حقولهم وبساتينهم تم إطلاق النيران عليهم لمنعهم من التوجه إليها، فى ظل ضعف مروع وتخاذل مهين من النظام الحالى فى دمشق.
• • •
من أجل ذلك كله يجب ألا تأخذنا أحداث الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عن الخطر الحقيقى الذى يمثله الكيان الصهيونى على بلادنا ومقدراتنا، ويجب ألا تأخذنا الأحداث من حولنا مهما تعاظمت عن إعادة ضبط البوصلة وتوجيهها فى اتجاه العدو الحقيقى وهو الكيان الصهيونى.
والدعوة التى صدرت عن مصر فى الأيام الأخيرة لإعادة بناء منظومة الأمن القومى العربي، وتفعيل اتفاقية الدفاع العربى وإنشاء قوة دفاع عربى مشترك، هى دعوة تدرك التحديات الجسيمة والمخاطر الكبيرة التى تتعرض لها الآن جميع الدول العربية دون استثناء، من منطلق أن الخطر الذى تتعرض له أى دولة عربية هو خطر يمس العرب جميعا.
إنها دعوة الفرصة الأخيرة قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه لبلادنا ومقدراتنا، وقد ذل من لا سيف له.

أيمن النحراوى  خبير اقتصاد النقل والتجارة الدولية واللوجيستيات
التعليقات