الكـيان الصهيونى.. بين اغتصاب الأرض والسـطو على التاريخ - أيمن النحراوى - بوابة الشروق
الأحد 4 أكتوبر 2026 11:01 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

الكـيان الصهيونى.. بين اغتصاب الأرض والسـطو على التاريخ

نشر فى : الأحد 4 أكتوبر 2026 - 9:40 م | آخر تحديث : الأحد 4 أكتوبر 2026 - 9:40 م

ليس ما يحدث فى فلسطين اليوم ومنذ قرابة الثمانين سنة سوى سلسلة متصلة من جرائم اغتصاب الأرض والتطهير العرقى والإبادة الجماعية مرورًا بجرائم سرقة التراث الثقافى للفلسطينيين والسطو على تاريخهم، وتدمير حاضرهم ومستقبلهم.
ولعلنا نذكر رئيس وزراء الكيان الصهيونى مناحم بيجين عندما قال لقد عانيت فى المفاوضات مع مصر كما عانى أجدادى فى بناء الأهرامات، ثم صرح بأنه يشعر بالزهو لزيارته الأهرامات التى بناها أجداده، وهى محاولة وقحة منه للسطو على تاريخ المصريين وحضارتهم فى بناء الأهرامات العظيمة التى بناها المصريون قبل ظهور النبى يعقوب الملقب بإسرائيل بعدة آلاف من السنين، وهذا نفسه ما فعلته الآلة الإعلامية الصهيونية فى الولايات المتحدة عندما أنتجت أفلام شهيرة مثل الوصايا العشر، وبن هور للسطو على التاريخ المصرى.
• • •
العلم الإسرائيلى نفسه هو علم من حيث الشكل والتصميم يعود إلى إمارة قرمان الإسلامية التى تأسست عام 1250م فى جنوب الأناضول، واتخد القرمان علمًا لإمارتهم يحمل اللونين الأبيض والأزرق، وفى منتصف اللون الأبيض وضعت نجمة سداسية كشعار.
ثم ظهر رأى آخر يقول أن العلم الإسرائيلى مسروق من علم جورجيا القديم، فقد تم تصميم علم إسرائيل من قبل اليهودى الروسى موشيه شالوم، الذى قال مباشرة أنه استوحى تصميم علم إسرائيل من علم جورجيا، ويتشابه العلمان فى تكوينهما من اللونين الأزرق والأبيض، ووجود نجمة سداسية فى المنتصف.
وليس علم إسرائيل الحالى مقتبس ومسروق فقط، بل هو علم معبر عن الأطماع العدوانية والنزعات التوسعية، إذ يزعم هؤلاء الصهاينة أن الخطين الأزرقين يشيران إلى نهرى النيل والفرات، وأن ما بينهما هو الأرض التى ستقام عليها إسرائيل الكبرى.
• • •
النجمة السداسية الموجودة فى منتصف العلم الإسرائيلى هى فى حقيقتها وأصلها رسم قديم استخدمته الحضارات القديمة كرمز يحمل دلالات جنسية وكونية وميتافيزيقية وأسطورية، وكرمز يرتبط بالتنجيم وأعمال السحر والشعوذة، وقد تم استعمالها من قبل الهندوس للتعبير عن ميتافيزيقيا الكون، كما استعملوها كرمز لاتحاد القوى المضادة مثل الماء والنار، والذكر والأنثى، وأطلقوا عليها اسم ماندالا.
وحتى فى الرموز المصرية القديمة التى سبقت ظهور اليهود وأنبيائهم بآلاف السنين عثر الأثريون على رسوم ونقوش للنجمة السداسية كرمز لأرض الأرواح، كذلك عثر الأثريون على رسوم ونقوش للنجمة السداسية فى الآثار اليونانية والرومانية القديمة وفى الكنائس والآثار المسيحية، وفى العديد من مواقع فرسان الهيكل البيزنطيين، وكرمز لحجر الحكمة لدى الكيميائيين فى العصور الوسطى؛ وكرمز للماسونيين القدماء.
كما كانت النجمة السداسية ترسم ضمن الزخارف فى العمارة والأبنية الإسلامية كرسم زخرفى هندسي، ليس له أى دلالة سياسية أو دينية، فمثلًا يوجد نقش لتلك النجمة فى قلعة الجندى التى بناها صلاح الدين الأيوبى فى رأس سدر فى سيناء، واستعملت ضمن زخارف المساجد والقلاع فى دول شمال أفريقيا والمغرب والأندلس، واستخدمت فى نقوش بعض العملات المغربية وكشعار للراية الخاصة بالحرس الأسود للسلطان المغربى فى العصور الوسطى، وهكذا وبرغم تعدد النظريات والآراء عن شعار النجمة السداسية، لكنها جميعًا اتفقت على شىء واحد وهو أنها أصلًا لا تعود لليهود ولا علاقة لهم بهم.
• • •
أما استيلاء اليهود على النجمة السداسية واتخاذها شعار لهم فيرجع تاريخه إلى عام 1648 أثناء الهجوم على مدينة براج، عندما قام أحد القساوسة اليسوعيين بكتابة حرف الدال باللاتينية من اسم داوود والذى هو على شكل مثلث وكتبه صحيحًا ومقلوبًا ودمج الحرفين، وبهذا حصل على النجمة السداسية ووضعها على راية للجالية اليهودية لتمييزها عن الآخرين من سكان المدينة، وهكذا بدأ طريق استيلاء الجماعات اليهودية على شعار النجمة السداسية فى بلدات وسط وشرق أوروبا.
وفى ق 18 قام اليهودى الخزرى مائير أمشيل باور، وهو من أتباع اللوسيفر والسحر الأسود، قام بوضع لافتة على باب منزله فيها شعار النجمة السداسية باللون أحمر، وحتى يندمج فى المجتمع الألمانى فقد أخفى إسمه عائلته القديم وغيره إلى اسم روتشيلد Rotschild ومعناه الدرع الأحمر، وهو نفسه الملياردير الشهير الذى تمتلك عائلته اليوم أضخم المصارف والمؤسسات المالية فى أوروبا والولايات المتحدة.
وفى عام 1895 قام إدموند روتشيلد بزيارة فلسطين، وبعدها بعامين بدأ مع ثيودور هرتزل التحضير لعقد المؤتمر الصهيونى الأول فى مدينة بازل بسويسرا عام1897 واتخذ شعار روتشيلد النجمة السداسية شعارًا للمؤتمر، رغم اعتراضات العديد من الحاخامات اليهود الذين فضلوا استخدام الشمعدان اليهودى، إذ لا يوجد أى ذكر للنجمة السداسية فى أسفار العهد القديم التوراة والتلمود، ولا إلى نسبتها إلى داوود أو غيره من أنبياء بنى اسرائيل.
• • •
موسيقى النشيد الوطنى الإسرائيلى، هى أيضًا مقتبسة من موسيقى أغنية لامانتوفانا، وهى أغنية إيطالية من ق 16 من تأليف جوزيبى تشينشى ديل بيادو، ومن إيطاليا انتشر هذا اللحن الموسيقى إلى أنحاء شرق أوروبا، إلى بوهيميا وبولندا وسلوفينيا وأوكرانيا ومولدافيا ورومانيا.
فى عام 1877 كتب اليهودى الأوكرانى نفتالى هيرز إمبر قصيدة تيكفاتينو / هاتكفا، وتتحدث عن أمل اليهود فى استعمار فلسطين، وفى عام 1882 سافر نفتالى إلى فلسطين، والتقى بأوائل المستعمرين اليهود هناك، وكان أحدهم يدعى شموئيل كوهين (المولود فى مولدوفا)، وبعد أن استمع لكلمات القصيدة، قام بتركيب كلمات القصيدة على اللحن الموسيقى لأغنية شعبية مولدوفية ورومانية كان يغنيها الفلاحون وتُدعى «عربة وثيران»، فباتت هى الموسيقى الرسمية لنشيد الكيان الصهيونى.
• • •
أما عملة الشيكل التى يستخدمها الكيان الصهيونى باعتبارها عملته الرسمية، فقد استخدمها الأكاديون والسومريون والبابليون فى بلاد ما بين النهرين حوالى 3000 سنة ق م ، تحت اسم الشيقل أو الثقـل أو الوزن أو العملة، وذكر الشيقل فى قوانين حمورابى، وفى بلاد الشام وفلسطين انتشر استخدام الشيقل الآرامى فى كل الأنحاء بواسطة الكنعانيين والفينيقيين كمقياس للوزن وكعملة للتبادل التجارى.
ولغويًا يرتبط الشيقل ككلمة جذريًا بمفردات عربية مثل الثقل ومثقال، والشقلة أوالشاقولة التى لا يزال بعض الحرفيين والعمال فى فلسطين وبعض بلدان الشام يستخدمونها لضبط الوزن والقياس.
ومع قيام الكيان الصهيونى الغاصب عام 1948 استخدم إسم الليرة للعملة المتداولة فيه، وفى عام 1980 تقرر استخدام اسم الشيكل (الشيقل الفلسطينى الأصل) كعملة رسمية لإسرائيل.
• • •
لا يقتصر الأمر على ذلك بل تعداه إلى الاستيلاء والسطو على التراث الفلسطينى، فقد كتبت صحيفة جيويش كرونيكل اليهودية الصادرة فى لندن أن المصمم اليهودى موشيه هاريل قد قام بتقليد الكوفية الفلسطينية وغير لونها للأزرق والأبيض بالنجمة السداسية والتى أسموها نجمة داود، ونشرت الصحيفة صورة على صفحتها الأولى لفتاة إسرائيلية ترتدى الكوفية الفلسطينية الشهيرة بعد تغيير معالمها وألوانها وتطريزاتها إلى شكل النجمة السداسية.
أما شركة الطيران الإسرائيلية (العال) فقد صممت بعض نماذج أزياء مضيفات الطيران بها على نمط الزى التراثى التقليدى الفلسطينى، وهو العباءة النسائية المطرزة بالقصب، مدعية أنه ثوب من التراث الوطنى الإسرائيلى.
الأكلات الوطنية الشعبية الفلسطينية مثل الحمص والتبولة، باتت المطاعم الإسرائيلية واليهودية تقدمها على أنها أكلات شعبية يهودية، وحتى التين والزيتون والتمر الفلسطينى العربى أبحت تنتج وتصدر للعالم باعتبارها منتجًا وطنيًا إسرائيليًا.
السطو على التراث الثقافى والفنى الفلسطينى والعربى لا يتوقف، فالدبكة الفلسطينية والشامية الشهيرة تمت سرقتها واعتبرت من الفولكلور اليهودى، واتسع الأمر ليشمل الفن المصرى أيضًا بالسطو على موسيقى الأغانى المصرية وتبديل الكلمات المصرية، بالكلمات العبرية، أو سرقة أغنيات كبار الفنانين المصريين، وامتدت السرقات الإسرائيلية حتى وصلت للسيدة فيروز أيقونة الفن اللبنانى؛ حيث دأبت فرقة توركيز الإسرائيلية منذ عام 2012 على أداء أغنيات السيدة فيروز مع ترجمة كلمات الأغانى إلى العبرية.
السطو الثقافى امتد أيضًا إلى الأعمال التراثية العربية مثل ألف ليلة وليلة وقصص كليلة ودمنة، وحتى نوادر جحا تعرضت للسطو بإدخال تلك الشخصية التراثية العربية التى عاشت فى الكوفة بالعراق فى عدد من القصص العبرية بنفس تفاصيلها ونوادرها.
السطو الثقافى الأثرى ببعده التاريخى، يمتد إلى المحاولات المستميتة لتغيير هوية المواقع التاريخية الفلسطينية والعربية والإسلامية وفى مقدمتها المسجد الأقصى بهدف إعادة صياغة تاريخ تلك الأماكن وتحويل إرثها التاريخى إلى رواية توراتية أحادية تخدم الأطماع الصهيونية.
كل ما سبق هو غيض من فيض للجرائم الإسرائيلية فى حق الفلسطينيين والأمة العربية، والتى تمتد اليوم للسيطرة العسكرية على مرتفعات جبل الشيخ وهضبة الجولان فى سوريا، واحتلال أراضى جنوب لبنان والاستيلاء على أنهار الليطانى والوزانى والحصباني، ومطامعه الجشعة المجرمة فى أراضينا ومواردنا وحاضرنا ومستقبلنا.


أستاذ ومستشار الإقتصاد الدولى واللوجيستيات

أيمن النحراوى  خبير اقتصاد النقل والتجارة الدولية واللوجيستيات
التعليقات