نشر مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة مقالًا للكاتب أحمد عليبه، يوضح فيه التحول الجذرى فى العقيدة العسكرية اليابانية من «الدفاع الحصرى» إلى «الردع النشط»، وذلك عبر امتلاك قدرات هجومية وصاروخية بعيدة المدى لمواجهة التهديدات الإقليمية المتزايدة.. نعرض من المقال ما يلى:
بدأت ملامح التغيير فى عقيدة اليابان الدفاعية تنتقل من الأطر النظرية إلى اتجاهات عملية، تعكس ما تمر به اليابان من مرحلة تحوُّل استراتيجى تشهد إعادة تعريف دورها العسكرى فى شرق آسيا، وانتقالها من نموذج دفاعى تقليدى إلى نموذج ردع نشط قائم على القدرات الهجومية بعيدة المدى.
• • •
يُعد صاروخ Type 25 SSM نسخة مُطوَّرة من الصاروخ Type 12 القديم، والذى يعود إلى عام 2012، وصُمِّم فى الأصل للدفاع الساحلى؛ حيث زاد مدى الصاروخ المُطوَّر إلى حوالى 1000 كلم، أى بزيادة حوالى (800 كلم عن المدى القديم المُقدَّر بحوالى 200 كلم فى صاروخ Type 12).
ويتيح هذا المدى الجديد للوحدات البرية الوصول إلى أهداف بعيدة فى اتجاه العمق الساحلى، أى استهداف مواقع تقع بعيدا من السواحل اليابانية، بما فى ذلك الأصول البحرية والبرية المُحتمَلَة فى جميع أنحاء شرق آسيا.
كما أنتجت اليابان صاروخا جديدا هو Type 25 HGP، والذى يندرج ضمن فئة جديدة من الصواريخ الفرط الصوتية Hypersonic Missiles، حيث تصل سرعته إلى 5 ماخ، ويتحرك بسرعات فائقة على مسارات غير متوقعة، مما يجعل اعتراضه أكثر صعوبة.
وتعكس عملية التطوير التى شملت الصاروخين اتجاه طوكيو إلى بناء منظومة دفاعية متعددة الطبقات، سواءً بالنظر إلى طبيعة تشكيل المنظومة أو خريطة نشرها، حيث تعتزم وزارة الدفاع نشر صواريخ (Type 25) عالية الدفع فى معسكر كاميفورانو فى هوكايدو ومعسكر إبينو فى ميازاكى خلال العام الجارى 2026، هذا بالإضافة إلى ضم نُسَخ سطحية من نفس الفئة يمكن إطلاقها من المدمرات البحرية، ونُسَخ أخرى من المقاتلات الجوية، وهذه الأخيرة من المقرر دخولها الخدمة الفعلية فى عام 2027.
وقد أشار بيان رسمى صدر عن قوات الدفاع الذاتى أن هذه الخطوات تأتى «استجابةً للبيئة الأمنية العالية الخطورة المحيطة باليابان»؛ بما يعكس تركيز تقارير الدفاع اليابانية فى السنوات الأخيرة على تزايد التحديات المرتبطة بالبيئة الإقليمية، خاصةً الأنشطة العسكرية المتنامية فى بحر الصين الشرقى، وتحديدا فى محيط الجزر المُتنازَع عليها (جزر سينكاكو/دياويو) وقضية تايوان التى تتزايد المخاوف بشأن اندلاع صراع حولها، واستمرار تطوير البرامج الصاروخية والنووية فى كوريا الشمالية.
• • •
تحمل مظاهر التطور الدفاعى السابقة سمات المرحلة الانتقالية التى تتحول فيها اليابان من استراتيجية (الدفاع الحصرى) إلى استراتيجية تبنى قدرات (الضربة المضادة) المدعومة بمنظومات صاروخية بعيدة المدى وقدرات تكنولوجية متقدمة.
وتتزامن هذه التطورات مع وصول «ساناى تاكايتشى» إلى رئاسة الحكومة، فى ظل تبنيها سياسة دفاعية مغايرة عن السياسات الدفاعية التقليدية، أو على الأقل فتح النقاش فى المجال العام حول مقاربة المتغيرات الدفاعية فى ظل التحولات الإقليمية والعالمية؛ حيث سيجرى تحديث الوثائق الأمنية الثلاثة (استراتيجية الأمن القومى، واستراتيجية الدفاع الوطنى، وبرنامج تعزيز القدرات الدفاعية) خلال العام الجارى 2026.
وفى قلب هذه النقاشات التى يقوم بها حاليا الحزب الليبرالى الديمقراطى، فإن العنوان الرئيسى هو أن البيئة الأمنية الحالية تُمثِّل أخطر مرحلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بما يفرض إعادة تقييم السياسات الدفاعية، بل وربما العقيدة الدفاعية نفسها التى ترسخت منذ عقود، بحيث يتم تبنى مقاربات أكثر فاعلية فى مجال الردع مدعومة بحجم تطور الأصول الدفاعية والتقدم الهائل فى صناعات الدفاع.
عطفا على ما سبق، تدرك طوكيو أيضا أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية لم يَعُد كافيا فى ظل التحولات الدولية الراهنة، والضغوط الأمنية المتعددة الاتجاهات، التى تشمل الصين شرقا، وكوريا الشمالية شمالا، ونشاطا عسكريا روسيًا فى الشمال؛ وهو ما يخلق بيئة استراتيجية معقدة ومتزامنة التهديدات. كما أن طبيعة الحروب الحديثة شهدت تحولا نوعيا يفرض من جهة أخرى على اليابان تطوير القدرات بشكل مستمر.
هذه الأمور مجتمعةً ترسم ملامح التغير فى العقيدة الدفاعية اليابانية من الالتزام الصارم بمبدأ (الدفاع الحصرى) إلى تبنى مفهوم (الضربة المضادة)، ومن أبرز هذه الملامح ما يلى:
1 – التحول النظرى فى العقيدة الدفاعية: ظهرت بوادر التحول فى العقيدة فى مراجعة الوثائق الأمن والدفاع لعام 2022، والتى سمحت - نظريا وعمليا- لقوات الدفاع الذاتى باستهداف مواقع إطلاق الصواريخ والبنية العسكرية للخصم فى حال التعرض لهجوم. ورغم تأكيد المسئولين آنذاك أن هذه القدرات تظل دفاعية الطابع، إلا أنها تعكس توسعا واضحا فى تفسير القيود الدستورية السلمية.
2 – التحول العملياتى فى تطبيق «الضربات المضادة»: شهد مفهوم «الضربة المضادة» فى العقيدة الدفاعية اليابانية تطورا ملحوظا من حيث التطبيق، حيث انتقل من مجرد كونه إطارا سياسيا نظريا إلى مفهوم عملياتى فعلى، فلم يَعُد مقتصرا على مجرد حق قانونى للرد، بقدر ما أصبح يرتبط بخطط واضحة تتضمن نشر منظومات صاروخية بعيدة المدى، وتحديد دقيق لمنصات إطلاق التهديدات المعادية.
3 – التوجه نحو بناء المنظومة المتكاملة: مع التجربة العملياتية، توسَّع نطاق مفهوم «الضربة المضادة» ليشمل البنية التحتية العسكرية ومراكز القيادة والسيطرة لدى الخصم وليس مواقع الصواريخ فقط، بما يرفع من فعالية الضربات ويعزز القدرة على الردع ضمن إطار دفاعى موسع.
وفى ضوء التوجه الدفاعى الراهن لبناء منظومة متكاملة، فإنه يجرى دمج قدرات الاستطلاع ISR، وأنظمة القيادة والسيطرة C2، والأنظمة الفرط صوتية (تشو-سام كايفى) اليابانية التى تتميز بقدرات التخفى (مع بصمة رادارية أقل)، إلى جانب تعزيز التكامل العملياتى مع الولايات المتحدة.
4 - تحديث المنظومات الصاروخية: تُعد المنظومات الصاروخية المُحدَّثة ترجمة عملية لتحول العقيدة الدفاعية عَبْر تطوير ونشر منظومات صاروخية متقدمة تمنح اليابان قدرات هجومية بعيدة المدى؛ بما يمكن القول إنه يُشكِّل عملية بناء قوة ضاربة يابانية، تعتمد على مجموعة من الإمكانيات العملياتية والتكنولوجية، فى مقدمتها أنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، خاصة الفضائية منها. وتسعى اليابان إلى تطوير كويكبات أقمار صناعية متقدمة تتيح تحسين دقة الاستهداف وزيادة معدل إعادة الزيارة للأهداف (Revisiting Rates). وتقوم الشراكات الصناعية والتكنولوجية بدور محورى فى هذا المجال، خاصةً شركة ميتسوبيشى للصناعات الثقيلة.
• • •
يمكن القول، من الناحية الواقعية، إن معادلة الردع الإجمالية بين بكين وطوكيو باتت أكثر تعقيدا، فى ظل تداخل القدرات الهجومية والدفاعية لدى الطرفين فى مساحة جيوستراتيجية متشابكة، وهو ما يجعل التمييز بين «الدفاع» و«الهجوم» أكثر صعوبة. وبالتبعية أيضا تترفع أهمية تايوان كمحفز استراتيجى من وجهة النظر الصينية، حيث يُنظَر فى بكين إلى أى دعم يابانى مُحتَمَل لتايوان على أنه تهديد مباشر للمصالح الصينية.
من وجهة نظر بكين، فإن عملية تحديث القدرات اليابانية تُعتبَر تجاوزا لمفهوم الدفاع الذاتى وتحولا نحو نهج أكثر عسكرة. وقد انعكس ذلك فى تصاعد الخطاب السياسى بين الجانبين، خاصة فى ظل ارتباط هذه التطورات بملف تايوان.
وقد ظهرت ملامح رد الفعل الصينى فى تصاعد حدة الخطاب الرسمى نحو اتهام لليابان بالانحراف عن عقيدتها السلمية وتبنى نهج عسكرى توسعى. وعليه قامت الصين بزيادة جديدة فى مستوى الأنشطة العسكرية المضادة، بما فى ذلك: تكثيف الدوريات البحرية والجوية قرب الجزر المُتنازَع عليها، وتوسيع نطاق التدريبات العسكرية فى بحر الصين الشرقى.
من هنا ظهرت النظرة المتعارضة لدى الطرفين فى فهم وتقدير التحولات الدفاعية، ففى مقابل تأكيد اليابان على أن تحركاتها دفاعية فى المقام الأول فى مواجهة تهديدات لا يمكن تجاهلها؛ ترى الصين هذه التحركات تهديدا مباشرا يستوجب الرد؛ وهو ما يُنتِج تصاعدا فى سباق التسلح فى منطقة شرق آسيا من جانب، ويزيد احتمالات سوء التقدير العسكرى بين الدولتين من جانب آخر.
أخيرا، تعكس محصلة هذه المؤشرات الدفاعية وتعدد زوايا المقاربات الاستراتيجية حالة توازن ردع غير مستقر بين اليابان والصين، حيث تمتلك اليابان تفوقا نوعيا مدعوما بالتحالفات، فى مقابل تفوق صينى فى الحجم والانتشار والقدرات الصاروخية الشاملة. ويؤدى تقارب مسارح العمليات وتداخل القدرات الهجومية إلى جعل أى حادث تكتيكى محدود قابلا للتحول بسرعة إلى تصعيد إقليمى واسع ما لم يتم احتواؤه عبر آليات اتصال فعَّالة.
النص الأصلى: