هل يمكن أحدًا أن يحصد حقًا عدد الرؤساء الأمريكيين، الحقيقيين والوهميين، الذين ظهروا فى أفلام سينمائية، وأفلام سينمائية روائية بالتحديد، طوال القرن وربع القرن اللذين صارهما عمر السينما الأمريكية حتى اليوم؟ كاتب هذه السطور، ولمناسبة الذكرى المئوية لولادة السينما الروائية الأمريكية قبل ربع قرن من الآن، حاول إحصاء من هذا النوع، فبيّنت له النتيجة الأولية يومذاك أن ثمة ما لا يقل عن مائة وثلاثين فيلمًا كبيرًا، يتراوح بالنسبة إلى جودته ومصداقيته بين أعلى من متوسط وممتاز، جعلت فيها الشخصية المحورية رئيس البلاد، ومسرح الأحداث الرئيسى غالبًا البيت الأبيض، دون أن يخلو الأمر من تركيز على طفولة رئيس ما، أو صباه، أى على حياته قبل وصوله إلى الصرح الرئاسى، ولعل هذا ينطبق خاصة على لينكولن أكثر من سواه.
بيد أن هذا الإحصاء يبدو لى هنا قديمًا وبحاجة إلى تجديد وتعديل. لكن هذا ليس هدف هذه المقالة، التى تود فقط أن تؤشر على دور مثل تلك الأفلام، وتطور ذلك الدور، فى تعاطى الشاشات الهوليوودية مع التاريخ الأمريكى، وهذه المرة انطلاقًا من قدس أقداس تلك الأمة، من موقع رئاستها، الذى لا يُعتبر هنا مكانًا، بل قيمة معنوية. ولئن كان التاريخ السينمائى الأمريكى قد انطلق، مع بدايات السينما الروائية على أية حال، من تعظيم شخصية الرئيس، وبخاصة أن التركيز جرى أول الأمر على الرئيسين الكبيرين اللذين يفخر بهما التاريخ الأمريكى، جورج واشنطن وإبراهام لينكولن، دون أن يكون ثمة اتفاق مسبق بين هوليوود وواشنطن على تقديس تلك الصورة السينمائية التى تعنى الأمة كلها، فإن الربع الأخير من القرن العشرين قلب الآية رأسًا على عقب، ليقدم للرئاسة الأمريكية صورة أكثر واقعية، مع صور أكثر خيالية وبطولة فردية فى عدد بديع من أفلام أخرى، ولكن كذلك، و«بفضل» حضور أمثال الرؤساء نيكسون وبوش وأشباههما على الشاشات، صورة أقل مجدًا بكثير.
فالحال أنه، بعد مراحل أولى عرف فيها مخرجون مؤمنون بما يسمونه «الديمقراطية الأمريكية» و«الحلم الأمريكى» الذى يضمنها، من أمثال غريفيث وجون فورد ثم فرانك كابرا، كيف يسجلون صورة الرئيس مركزين على البعد الأخلاقى فى تلك الصورة، أتت سنوات السبعين من القرن العشرين لتفجر كل شىء؛ أتت لتسمح السينما لنفسها، مع المخرجين من أصحاب اللحى، وقد بات أوليفر ستون ذات يوم يختصرهم، إن جاز لنا التعبير، تسمح لهم بالتالى بأن يطلوا على الشاشة برئيس موسوم بتلك الهالة التى كانت تحيط به بناءً على اتفاق مضمر، وإنما غير مكتوب بالطبع، بين هوليوود والبيت الأبيض.
وهكذا رحنا نرى الرئيس النذل والمرتبك، والرئيس الفاسد والأحمق، ولكن دائمًا، على أية حال، فى مقابل رؤساء متخيلين يملأون البيت الأبيض وساحات العالم مغامرات، أين منها مغامرات سوبرمان، وحتى وندر وومان، وحتى فى أفلام همها استعادة بريق الرئاسة الذى كانت دمرته أفلام مثل «كل رجال الرئيس» و«نيكسون» و«دابل يو»، وغيرها من تلك الشرائط المنطلقة بغضب من أحداث حقيقية (الخذلان فى حرب فيتنام، أو فضيحة ووترغيت، أو ما شاكل ذلك). والحقيقة أنه كان من المهم جدًا أن ينتقل كل ذلك من الحياة نفسها إلى الشاشة، تمامًا كما كان مهمًا أن يقارع فيلم «جى إف كى» الحجة بالحجة، وهو يفضح، على طريقة مخرجه أوليفر ستون، ما فى خلفية اغتيال جون كنيدى؛ أو فيلم «13 يومًا» عن مجابهة كنيدى نفسه أزمة الصواريخ فى كوبا، ومن ثم المقارنة بين مثل تلك المواقف واستجابة رئيس كبوش الابن (دبليو) للعمليات الإرهابية فى نيويورك.
كل هذا بات مرميًا على الشاشة، التى باتت المكان الأثير للتذكير بالتاريخ الأمريكى من خلال البيت الأبيض هذه المرة، ولكن من خلال رؤساء يتحركون حتى خارج البيت الأبيض؛ الرئيس المتخيل الذى يقوم بدوره هاريسون فورد ببراعة فى «إير فورس رقم واحد»، أو الآخر الذى يجابه مؤامرة تحاك ضده داخل البيت الأبيض نفسه، أو الثالث الذى ينقذ الأمة فى «يوم الاستقلال»… وما إلى ذلك. باختصار، حولت السينما سيد البيت الأبيض، حقيقيًا كان أم متخيلًا، إلى نجم سينمائى يكتب التاريخ الأمريكى على الشاشة من خلال بطولاته، أو من خلال ضروب غبائه وانتهازيته.
وكانت المحصلة جيدة، ولا سيما حين يقدم ستيفن سبيلبرغ، مثلًا، وبعد أن يفضح مؤسسة الرئاسة فى فيلمه «ذا بوست»، مركزًا على أكاذيبها بصدد حرب فيتنام، يستعيد صورة لينكولن وعظمته فى السيرة السينمائية الرائعة التى أفلمها له.
مع مبدعين من طينة سبيلبرج وستون، وعبر تذكير كل منهما، على طريقته، بأن السينما قادرة أيضًا على رسم صورة جدلية و«صادقة» للتاريخ الأمريكى كما يبدو من منظور شاغل البيت الأبيض، مع هؤلاء عرف التاريخ الأمريكى كيف يلتحم بالسينما، وصولًا حتى إلى فيلم بديع يبدو اليوم منسيًا، موضوعه الوحيد طوال ساعتيه ذلك الحوار التليفزيونى المستفيض الذى أجراه الصحافى بروست مع الرئيس نيكسون غداة استقالة هذا الأخير وخروجه المذل من البيت الأبيض!
هل نعنى بهذا أن السينما قالت، من هذا المنظور، كل ما كان فى إمكانها أن تقوله حول هذه الجزئية من التاريخ الأمريكى؟
على الإطلاق، بل هى، وعبر نحو 200 فيلم، معظمها يدخل فى خانة الجيد، عرفت كيف تجابه، من الصرح الأكثر علوًا فى أمريكا، ذلك التاريخ «السينمائى» الآخر الذى عبرت عنه سينما هوليوودية أخرى سادها الغضب فى السبعينيات، وهى تلك التى سوف نعود إليها فى الأسبوع المقبل، فى الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة التى بها «احتفلنا» و«نحتفل»، على طريقتنا طبعًا، بذكرى مرور ربع ألفية على الاستقلال الأمريكى.