ترامب ‏يخذل ‏حلفاءه وشركاءه إرضاءً لإسرائيل - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الثلاثاء 31 مارس 2026 9:19 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

ترامب ‏يخذل ‏حلفاءه وشركاءه إرضاءً لإسرائيل

نشر فى : الثلاثاء 31 مارس 2026 - 7:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 31 مارس 2026 - 7:50 م

يعد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب حالة فريدة بين جميع الرؤساء الأمريكيين سواء من حيث مستوى أدائهم الذى كان يعتمد، فى أغلب إن لم يكن كل الأحوال، على الدراسات ومراكز الأبحاث قبل اتخاذ القرارات الحاسمة سواء على المستوى الأمريكى الداخلى أو الخارجى، بينما يعتمد ترامب على تصوراته وخياله وآراء مجموعة الأصدقاء والمقربين الذين اختارهم بنفسه فى كل المناصب الرسمية خارج كل قواعد اختيار الكفاءات خاصة للمناصب السيادية. كما اتسمت علاقاته مع كل الدول الحليفة والشريكة بنزعة شخصية انفرادية تتسم بالارتجال وعدم الثبات على قرارات معينة وخذلانه كل حلفاء وشركاء الولايات المتحدة الأمريكية.


‏قد تكون الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، والتى شنت وسط مفاوضات أمريكية إيرانية غير مباشرة وصفها الوسطاء بأنها كانت تحقق نتائج إيجابية تشى بإمكانية التوصل لاتفاق، واتفق المتفاوضون على استمرارها، وفجأة بدأ العدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران فى ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ دون اكتراث بما يترتب عليه من أضرار وخسائر بالغة لدول الخليج العربية ودول الشرق الأوسط والعالم كله. فمن البديهيات أن أى حرب فى منطقة الخليج، خاصة مع إيران التى يمتد إقليمها البرى والبحرى على كل الضفة الشرقية للخليج، سيؤدى إلى اضطراب غير مسبوق فى إمدادات البترول والغاز من هذه المنطقة والتى تمثل نحو ٢٠٪؜ من إجمالى الاستهلاك العالمى كما تؤثر بدرجة عالية على السياحة وتكاليف النقل والتأمين، مع سيطرة حالة من عدم اليقين إزاء متى تنتهى هذه الحرب.


• • •
‏عندما زار الرئيس ترامب فى الفترة من ١٣-١٦ مايو ٢٠٢٦ كل من السعودية وقطر والإمارات العربية، وكانت أول جولة خارجية له بعد توليه الرئاسة الأمريكية الثانية فى ٢٠ يناير ٢٠٢٥، أدلى خلالها بتصريحات أهم ما جاء فيها أنه سيعمل على إنهاء النزاعات لا إشعالها، ولن يتردد فى استخدام القوة إذا لزم الأمر للدفاع عن الولايات المتحدة أو شركائها. وقال إنه لم يسبق له أن جمع ما بين ٣,٥ إلى ٤ تريليونات دولار أمريكى خلال أربعة أو خمسة أيام فقط من الدول العربية الثلاث التى زارها. وقال إن واشنطن تقترب من التوصل إلى اتفاق نووى مع إيران، حيث تجرى مفاوضات جادة معها وقتئذ، وأنه يرى معالجة المشكلة مع إيران بطريقة ذكية، وليست خشنة، والعمل على تجنب المزيد من التوتر فى المنطقة. وفى ١٣ يونيو ٢٠٢٥، أعطى ترامب الضوء الأخضر لإسرائيل لشن هجوم على إيران، شاركت معها القوات الأمريكية فى آخر يومين أعقبها إعلان وقف الحرب فى ٢٤ يونيو ٢٠٢٥.


وقد أقنع ترامب دول الخليج العربية أن الحرب الإسرائيلية الأمريكية الثانية على إيران، والتى بدأت فى ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، ستكون حاسمة وقاصمة وسريعة، أخذًا بما أقنعه به نتنياهو من أن اغتيال المرشد الأعلى ومجموعة كبيرة من القادة الإيرانيين، وتدمير العديد من المصانع والمراكز والمواقع الإيرانية المهمة سيؤدى إلى ثورة شعبية وتغيير النظام واستسلام إيران. ولم يعط ترامب ونتنياهو أى اهتمام لتحذيرات إيران بأنها إذا تم أى اعتداء أمريكى عليها فإنها ستقصف إسرائيل وكل القواعد والمصالح الأمريكية فى المنطقة بالصواريخ والطائرات المسيرة، ولن تستثنى أى دولة يشن منها عدوان على إيران، وأبلغت بذلك الدول الخليجية العربية، والأمين العام للأمم المتحدة. ولم يأخذ ترامب ونتنياهو فى اعتبارهما عدة أمور بالغة الأهمية سواء من أن إيران منتجة للأسلحة الثقيلة والصواريخ والطائرات المسيرة، وأن تجربة الهجوم عليها فى يونيو ٢٠٢٥ جعلها تتخذ جميع الاحتياطات توقعًا لهجوم جديد فى أى وقت من منطلق عدم الثقة التامة لا فى ترامب ولا فى إسرائيل. يضاف إلى ذلك تاثير القومية الفارسية والمذهب الشيعى، والرفض المطلق لأى عدوان على سيادة إيران واستقلالها وقتل المرشد الأعلى، ما أدى إلى التفاف الشعب الإيرانى حول قيادته، بما فيه معظم المعارضين للنظام فى مواجهة تهديد وجودى. وأصبح ترامب وفقا لكلمته المفضلة «فى ورطة رائعة» وخذلان غير مسبوق لحلفائه وشركائه من الدول العربية الخليجية والعراق والأردن.


• • •
‏لم يشرك ترامب حلفاءه الأوروبيين بالرأى والمشورة بما لديهم من خبرات عريضة بالتعامل مع دول الشرق الأوسط وإيران، وما لديهم من مصالح حيوية واستراتيجية مع دول المنطقة، وانساق ترامب وراء نتنياهو فى تكثيف الحشود العسكرية والتصعيد بالرغم من تحذيرات أغلبية الخبراء الأمريكيين والأوروبيين من المخاطر الجسيمة التى تترتب على شن حرب على إيران. ولم يعبأ ترامب بأى من هذه التحذيرات وشن مع إسرائيل الحرب على إيران، وهو ما أدى إلى أزمة طاقة فى أوروبا والعالم نتيجة ارتفاع أسعار البترول والغاز، حيث ارتفع سعر برميل البترول من نحو ٦٨ دولارا أمريكيا إلى نحو ١٠٠ دولار أمريكى خلال أيام، إلى جانب نقص فى الإمدادات، وتأثر سلاسل الإمداد فى معظم المواد الأخرى، واضطراب الأوضاع الاقتصادية العالمية. وعندما وجد ترامب نفسه فى ورطة كبيرة ومأزق هل يستمر فى الحرب أم يوقفها طالب أعضاء حلف الناتو بمساعدته فى ضمان حرية الملاحة فى مضيق هرمز، ولكنهم لم يستجيبوا وأبدوا تحفظات خشية أن يورطهم ذلك بالمشاركة فى الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، خاصة بعد أن أعلنت إيران أكثر من مرة أن حرية الملاحة فى مضيق هرمز مكفولة للجميع ما عدا الولايات المتحدة وإسرائيل والدول التى تساعدهما، وأن المطلوب من الدول الأخرى إخطار السلطات الإيرانية ببيانات سفنها مع دفع رسوم المرور من المضيق. وهذا وقد وصف ترامب دول الناتو بأنهم «جبناء» وادعى بأنه قد يتوصل لاتفاق بإدارة أمريكية إيرانية لمضيق هرمز مقابل رسوم، دون أن يوضح ما هو السند القانونى وكيف يمكن تحقيق ذلك.


ويعمل ترامب على إجراء مفاوضات غير مباشرة مع إيران تحت القصف الجوى للتوصل لاتفاق شامل لكل المطالب الأمريكية، وهو ما ترفضه إيران وتطالب بأن على المعتدين عليها وقف عدوانهم، وعليهم دفع التعويضات عن الخسائر التى لحقت بها، مع تقديم الضمانات بعدم تكرار العدوان عليها بين الحين والآخر، مع التمسك بحقها فى تخصيب اليورانيوم للاستخدام السلمى وفقا لاتفاقية منع الانتشار النووى الموقعة عليها. والخلاف المكتوم مستمر بين ترامب ونتنياهو بشأن إنهاء الحرب، حيث يريد نتنياهو الاستمرار فى الحرب حتى يتم تدمير جميع القدرات الإيرانية وإضعاف نظام الحكم فيها لأقصى درجة حتى يمكن أن يسقط بعد انتهاء الحرب.


‏• • •
لم يقتصر خذلان ترامب لحلفائه وشركائه فى الخارج، بل امتد إلى عمق الداخل الأمريكى على المستوى الشعبى؛ حيث ترى أغلبية الرأى العام الأمريكى أن الحرب على إيران لا مبرر قويا لها وإنما هى استجابة إلى إلحاح نتنياهو وخدمة لمصالح إسرائيل على حساب المصالح الأمريكية والحلفاء، وأن المواطن الأمريكى يتحمل تكلفة مزدوجة ممثلة فى تكاليف الحرب وتوابعها الاقتصادية، وارتفاع الأسعار فى السوق الأمريكية، وإلحاق أضرار جسيمة للسمعة والمصداقية الأمريكية فى الشرق الأوسط والعالم. وتشير استطلاعات الرأى الأمريكية إلى أن الحزب الجمهورى سيخسر الأغلبية فى الكونجرس الأمريكى فى انتخابات التجديد النصفى لأعضائه فى نوفمبر ٢٠٢٦، سواء فى المجلسين أو على الأقل فى مجلس الشيوخ، وفى عدد من حكام الولايات الذين سيعاد انتخابهم.


‏إن أسوأ ما فى الحروب خطأ الحسابات وعدم الاعتماد على دراسات شاملة وجيدة لكل المعطيات لدى كل من الأطراف المتحاربة. وقد أخطأ كل من نتنياهو وترامب بالاعتماد على تصورات معينة عن إسقاط نظام الحكم الإيرانى بعد تدمير القدرات العسكرية، واغتيال قادتها وفى مقدمتهم المرشد الأعلى. ولكن لم تحقق الحرب هذه الأهداف، رغم ما أصاب إيران من خسائر وأضرار جسيمة، لم تثنها عن الاستمرار فى الحرب وترفض الاستسلام وتنفيذ مطالب تفرض عليها بالقوة كما كان يتوقع ترامب ونتنياهو.


مساعد وزير الخارجية الأسبق

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات