لقد بينا عبر الأسابيع الماضية أن ظروف الأمة العربية الحالية تستدعى التركيز النضالى فى ساحتين هما إعادة توجيه الاقتصاد العربى المشترك إلى انطلاقات وممارسات جديدة من جهة وإلى إعطاء أولوية إلى الانتقال إلى أنظمة ديموقراطية تراكمية معقولة من جهة أخرى.
سنبدأ اليوم بالحديث عن الساحة الأولى: الاقتصاد. وهو يحتاج، بعد أن بقى لعدة عقود تحت مظلة الأنظمة الرأسمالية العولمية، فكرا وممارسات وخضوعا للخارج وفسادا فى الداخل، أن تكون منطلقاته الأساسية هى الآتية:
- أن يكون اقتصادا عربيا تكامليا مشتركا ذاتيا مستقلا عن أية هيمنة إقليمية أو دولية، وإنما نديا متفاعلا بإيجابية مع أنظمة اقتصادات الآخرين كافة.
- أن يكون جزءا مكمّلا من مشروع التنمية النهضوية العربية الشاملة ويتناسق مع أهدافها ومنطلقاتها القومية العروبية الوحدوية الشاملة. وبالتالى هو أبعد من مجرد النمو الاقتصادى.
- أن يرفض بصورة كلية أن يندمج فى أو يتعاون مع المقترح الأمريكى الصهيونى لبناء السوق الشرق الأوسطية الذى سيكون تحت هيمنتهما فى كل مجال.
- أن يقتنع، فكرا وممارسة، بما أكدته تجارب الحقب السابقة من أن أحد المداخل الرئيسية لإصلاح علل الاقتصادات القطرية العربية هو قيام ذلك النظام الاقتصادى التعاونى المشترك ونجاحه للتمهيد لقيام وحدة اقتصادية عربية مستقبلية.
- الثقة بالشعوب العربية وقدرتها، إن أعطيت الفرصة، على الاعتماد على النفس وعلى حماسها لشعار المصير العربى المشترك ووحدة مسيرته. وأن هكذا تنمية وهكذا اقتصاد، لكى يشبعان الحاجات الأساسية المعيشية المادية والمعنوية للمواطن العربي، يحتاجان إلى قيام حكم رشيد وإلى نضال تغييرى مستمر طويلة الأمد.
- أن استعمال الإدخارات والفوائض المالية، وعلى الأخص البترولية، لا تستعمل فقط لتنمية القطر الذى ينتجها واستثمارها فى الخارج وإنما أيضا تستعمل لاستثمارات تنموية فى كل الأقطار العربية الأخرى التى بحاجة لها، وذلك لتقليل الاعتماد العربى على الخارج الممتلئ بالمؤامرات والانتهازية الإخضاعية.
- أن هكذا تنمية واقتصاد يتطلبان وجود قطاع عام كبير يتناسق ويتعاون مع القطاع الخاص، ويتطلبان وجود قاعدة قانونية وقيم أخلاقية وسلوكية تضبط كلا القطاعين وتبعدانهما عن الفساد والمحسوبية وغياب العدالة الاجتماعية.
- أن هكذا تنمية وهكذا اقتصاد لا يمكن أن يكونا عصرييّن وحديثين وإبداعييّن إلا بوجود قواعد علمية وبحثية ذاتية تنمّى العلوم والتكنولوجيا وتطورهما باستمرار، إذ أن العالم يتجه نحو مزيد من الاعتماد الهائل على العلوم والتكنولوجيا، وعلى الأخص التواصلية.
- أن يكون على رأس قمة تلك المنطلقات، هدف قيام سوق عربية موحدة، خصوصا أن جرت محاولتان جريئتان اقتصاديتان من قبل، الأولى عام 1957 عندما عقدت إتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية، وعندما فشل تحقق تلك الخطوة انعقد فى الأردن عام 1980 مجلس قمة عربى لوضع خطة عربية اقتصادية مشتركة، التى هى الأخرى لم تعمّر طويلا ودمرتها أنانية بعض الدول الغنية خلال ثلاث سنوات.
- أن يكون الالتزام القومى العروبى بالصلابة القيمية الوحدوية التى تجعله قادرا على عدم السماح للخلاف الشديد فى درجة ثراء الأقطار العربية عائقا تبريريا لتأجيل تبنى تلك المنطلقات، وبالتالى نحو وحدة اقتصادية تكاملية أو على الأقل بناء أحد الكتل الاقتصادية الكبرى فى عالمنا المعاصر مشابهة للكتل الأمريكية والأوروبية والآسيوية التى نجح بعضها إلى أبعد الحدود.
وسواء أكانت الجوانب النظرية فى هذه المنطلقات أم كانت الجوانب التطبيقية فإن الاستفادة مما نصح به المفكر العربى الشهير المرحوم د. إسماعيل صبرى من أن العمل العربى المشترك فى كل الحقول يحتاج أن يبدأ بالتقارب لينتقل خلال فترة معقولة إلى التعاون فالتكامل تمهيدا وتوجها للوصول إلى مرحلة التوحيد، الاستفادة من تلك الحكمة واجبة ومطلوبة لضمان النجاح والتحقّق.
إذا اعتمدت الانعطافة الاقتصادية الجديدة من تلك النقاط المحددة فستقود إلى اقتصاد ذاتى جديد محكوم بالقيم الإنسانية، كما سنفصّل فى المقال القادم.
مفكر عربى من البحرين