الحروب الحديثة وآثارها على التضخم والصناعة النفطية - قضايا اقتصادية - بوابة الشروق
الأربعاء 9 سبتمبر 2026 8:17 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

الحروب الحديثة وآثارها على التضخم والصناعة النفطية

نشر فى : الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 7:10 م

نشرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية مقالا للكاتب العراقى وليد خدورى، يوضح فيه أثر الحروب والصراعات الحديثة على أسعار النفط والطاقة، وتبايُن هذا التأثير على التضخم والاستقرار الاقتصادى العالمى.. نعرض من المقال ما يلى:

ثمة سؤال يتردد عند المواطنين شرقًا وغربًا عند اندلاع الحروب الحديثة.. ما هو السعر الأعلى الذى ستستقر عليه أسعار النفط، وما تأثيره السعرى على الاستقرار الاقتصادى والتضخم؟

معروف أن النفط هو السلعة الاقتصادية الأوسع المتعامل بها عالميًا؛ كما أنه سلعة مشاركة فى معظم أوجه الحياة الاقتصادية العالمية.

وتكمن أهمية النفط فى كونه مصدرًا رئيسًا للطاقة ووقودًا أساسيًا لقطاع النقل؛ ما يجعل تقلبات أسعاره تمتد إلى تكلفة شحن البضائع بين القارات، ومن ثم إلى أسعار السلع والخدمات المتداولة فى الأسواق العالمية، سواء المصدّرة أو المستوردة.

لذلك؛ كثيرًا ما يُعزى ارتفاع الأسعار فى الأسواق إلى النفط عند اندلاع الحروب الحديثة، وهو تفسير يحمل قدرًا من الصحة، وإن كان يتعرض أحيانًا للمبالغة. غير أن تأثير النفط فى الأسعار لا يكون متساويًا فى كل حرب؛ إذ تختلف طبيعة الصدمات ومدى انتشارها من نزاع إلى آخر، كما تتباين سرعة انتقالها إلى التضخم بين منطقة وأخرى، تبعًا لدرجة الاعتماد على النفط ومصادر الطاقة البديلة وطبيعة سلاسل الإمداد.

ونأخذ هنا، على سبيل المثال، حربين شهد عام 2026 تداعياتهما على الاقتصاد العالمى: الحرب بين إيران والولايات المتحدة، واستمرار الحرب الروسية ــ الأوكرانية. ورغم الفوارق الواسعة بين النزاعين من حيث أطرافهما وطبيعتهما ومسرحهما الجغرافى، فإن كليهما يجرى فى بيئة دولية معقدة تتداخل فيها مصالح قوى كبرى، وتمتد تداعياتهما إلى أسواق الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمى.

وفى كلتا الحالتين، تبرز الصين بوصفها قوة كبرى ثالثة تحاول كل من الولايات المتحدة وروسيا الحفاظ على مساحة للتقارب معها؛ نظرًا إلى ثقلها الاقتصادى والجيوسياسى المتزايد. وفى الوقت الذى تنشغل فيه بكين بترسيخ تحول اقتصادى وتاريخى واسع فى مسار اقتصادها، فإنها تحرص على تجنب الانخراط المباشر فى النزاعات العسكرية الكبرى، وتفضل إدارة خلافاتها الدولية ضمن حدود لا تعرقل أولوياتها الاقتصادية والتنموية.

نبدأ بالحرب الروسية ــ الأوكرانية، التى اندلعت فى أواخر فبراير 2022. وأوكرانيا، وهى دولة صناعية كبرى كانت جزءًا من الاتحاد السوفييتى، تتمتع بموقع مهم فى شبكة نقل الطاقة الروسية إلى أوروبا؛ إذ تمر عبر أراضيها خطوط رئيسية لنقل النفط الروسى إلى الأسواق الأوروبية.

وخلال السنوات التى سبقت الحرب، سعت كييف إلى زيادة رسوم العبور التى تتقاضاها مقابل نقل النفط الروسى إلى أوروبا، وهو ما عارضته موسكو بشدة. ولم يكن الخلاف يتعلق برسوم العبور وحدها، بل ارتبط أيضًا بمسألة أسعار الطاقة داخل البلدين؛ إذ كانت روسيا قد أبقت أسعار النفط والوقود للمستهلكين المحليين عند مستويات مدعومة نسبيًا بعد انهيار النظام الشيوعى؛ ولذلك رأت موسكو أن أى خفض إضافى فى رسوم العبور قد يمنح أوكرانيا، بصورة غير مباشرة، ميزة سعرية مقارنة بالمستهلك الروسى.

واستمر هذا الخلاف حول رسوم العبور وأسعار الطاقة لسنوات، ليصبح واحدًا من ملفات التوتر الاقتصادى المتراكمة بين البلدين قبل اندلاع الحرب.

ولمحدودية نطاق الصراع فى أوروبا الشرقية، كانت آثار الحرب محدودة نفطيًا، فى حين تأثرت أسعار الغاز فى السوق الأوروبية، خصوصًا خلال فصلى الشتاء البارد والصيف الحار. واستطاعت الدول الأوروبية تقليص الضغوط الطاقوية عليها باللجوء إلى الطاقات المستدامة، ولا سيما أن لديها طاقة نووية واسعة، خصوصًا فى فرنسا، التى صدّرت الكهرباء إلى الدول الأوروبية المجاورة للمساعدة فى توليد الكهرباء.

ضغطت الحرب الأوكرانية والمقاطعة الأوروبية للنفط الروسى على أوروبا لبدء التفكير فى مصادر غازية جديدة. فحتى نشوب حرب أوكرانيا، كان معظم تصدير الغاز إلى أوروبا يتم عبر طريقين: الغاز المسال المشحون على ناقلات متخصصة إلى الدول الأوروبية الجنوبية، فى حين كانت روسيا تزود دول أوروبا الشمالية بالغاز عبر شبكة الأنابيب الضخمة. وكانت دول أوروبا الجنوبية تستورد الغاز أيضًا عبر أنابيب تمر تحت البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى الغاز المصدر من قطر ودول بحر قزوين، وطبعًا الغاز الروسى.

وتتبلور الآن صيغة جديدة لمصادر الطاقة فى السوق الأوروبية، ويأتى فى مقدمتها زيادة الاعتماد على الغاز، وبالذات من خلال توسيع مصادره لتشمل قطر، وروسيا، وأمريكا الشمالية، أى الولايات المتحدة وكندا، وشمال إفريقيا، وبحر قزوين، وإيران، وشرق وغرب إفريقيا.

ويبقى السؤال الأهم أمام أوروبا مستقبلًا، بعد انتهاء حرب أوكرانيا: هل سيحل الغاز كمصدر الطاقة الرئيس لأوروبا؟ والجواب على ذلك يبدو واضحًا تقريبًا، بالذات بعد محاولة أوروبا إنهاء استخدام الفحم.

لكن تبقى أمام أوروبا أسئلة ملحة: هل يمكن فعلًا إنهاء المقاطعة بعد حرب أوكرانيا؟ وهل ستستطيع أوروبا التغاضى عن الكميات الضخمة من الغاز المسال التى جرى تجهيزها للتصدير من أمريكا الشمالية، الولايات المتحدة وكندا؟

ومن المتوقع، فى ظل الاعتماد الأوروبى الواسع على الغاز بديلًا للفحم، أن تنشب منافسة اقتصادية بين روسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى.

من جهة أخرى، فإن حرب إيران بدأت تتحول إلى معركة مضيق هرمز، مع العلم أن الأهداف الرئيسة للهجوم الأمريكى ــ الإسرائيلى كانت أبعد من المضيق.

لكن يبقى من الطبيعى استمرار الضغوط على أسواق النفط وارتفاع معدلات التضخم.

فكما هو معروف من خلال التجارب الحديثة، فإن بداية الحرب ليست كنهايتها، وما تجربة العراق إلا شاهد حى على ذلك لا يزال ماثلًا أمامنا.

النص الأصلى:

https://tinyurl.com/tbbb3phn

قضايا اقتصادية القضايا الاقتصادية العالمية والدولية والمحلية
التعليقات