ترسخت قناعة لدى الجماعة الإسرائيلية، بأطيافها كافة، باستثناء آحاد، بتأثير من النصوص التوراتية والتلمودية، بأنها جماعة فوق مستوى البشر، مختارة من الرب، من دون سائر الشعوب، وبأن العبقرية سمة أصيلة بها، تصونها العناية الإلهية، وبأنها «نور للأغيار»، نهجها فى الحياة نهجٌ عادل، قويم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن أفرادها بواسل ومغاوير فى الحروب، تواقون للسلام فى الوقت نفسه، وبأن جيشها «الأكثر أخلاقية» فى العالم، كما يقول، بن كسبيت، حتى بعد كل الجرائم التى ارتكبها: «ما يزال جيش (الدفاع) الإسرائيلى الجيش الأكثر أخلاقية فى العالم»، وكما قال مجرم الحرب، نتنياهو، فى خطاب له يوم الإثنين الماضى: «أخلاقية مقاتلينا لا نظير لها»! وبأن ما سواها من البشر أبالسة وشياطين.
تبرز ثنائية الأشرار والشياطين فى مقابل الأخيار والملائكيين، فى قصيدة، «الشيطان»، للشاعر، ناتان ألترمان (1910- 1970م)، أحد أهم الشعراء الإسرائيليين، التى يصف فيها جماعة بنى إسرائيل بأنها أمة مصونة، نهجها عادل، وبأن الأغيار الشياطين، لا يفتأون يكيدون لها.
تقول أبيات القصيدة: «عندئذ قال الشيطان: هذا المصون (أى شعب إسرائيل)/ كيف أنال منه؟/ لديه الشجاعة ومَلَكة الفعل/ تسعفه الحصافة وعدة الحرب/ فقال: لن أسلبه قوته/ ولن ألجمه وأشكمه/ ولن ألقى الرعب فى قلبه/ ولن أوهن عزيمته كما فى السابق /كل ما سأفعله هو أن أوهن عقله/ لكنه نسى أن الحق معه/هكذا تحدث الشيطان/ وبدا وكأن السماء قد شحب لونها رُعبًا/حين رأته ينهض/لتنفيذ مكيدته».
• • •
لذا، بدت الجماعة الإسرائيلية، بقضها وقضيضها، انطلاقًا من هذا التصور الكاذب عن الذات وعن الآخر، فى حالة ذعر وسخط غير مسبوقين على الفيلم الوثائقى، «ضرر عَرَضى»، الذى أخرجه الشابان الإسرائيليان، يوفال أفراهام وراحيل شور، ونال جائزة خاصة فى مهرجان الأفلام الـ83 فى البندقية فى شهر سبتمبر الماضى. عم الذعر والسخط كل أطياف الدولة، بدءًا من رئيس الدولة، حييم هرتسوج، مرورًا بمجرم الحرب، نتنياهو، وليس انتهاءً بزعيم أصغر حزب سياسى، فضلًا عن عموم الصحفيين. يقول الصحفى، بن كسبيت، الذى أيد تغيير القانون الإسرائيلى من أجل رفع دعوى قضائية ضد مخرجيْ الفيلم: «الفيلم قمة فى النفاق، والتجمل، وجلد الذات، والمعاداة الذاتية للسامية»؛ واتهمهما البروفيسور، موشيه كوهين إلياهو، بأنهما التعبير الأبرز عن اليسار الجديد فى إسرائيل (وهى، لعمرى، سُبَّة مشينة الآن فى إسرائيل)، الذى يصفه بأنه يسار «بعد قومى، وغير صهيونى، يريد أن يفكك جزءً من التفوق العسكرى، والتكنولوجى والسياسى لإسرائيل باسم تصحيح الغبن الذى وقع على الشعب الفلسطينى المقموع»؛ واتهمتهما، جئولا إيفن سعر، زوج وزير الخارجية، جدعون سعر، بأنهما يسار مختل ومتطرف: «حين يحاول ممثلون ومنتجون من اليسار المختل والمتطرف توجيه اتهامات متوهمة لمقاتلى جيش (الدفاع) الإسرائيلى وللحكومة، فإنهم هم المتهمون الحقيقيون. متهمون بمسئوليتهم عن السردية الكاذبة التى يشيعونها».
كانت حالة السخط على الفيلم عارمة لأنه هدم، ببساطة، التصور الذى عشش فى عقول الإسرائيليين عن ذواتهم، وعرَّى أكاذيبهم فيما يخص ما يُسمَّى «طهارة السلاح» و«الكود الأخلاقى»، وغيرهما من المسميات، وثبَّت السردية الفلسطينية، التى اقتنع بها العالم، بعد حرب الإبادة على غزة، وأظهر الجندى الإسرائيلى، وآمريه من المستويين العسكرى، والسياسى، عن حق، فى صورة وحوش غير آدمية، متعطشة للدم.
اتُّهم مخرجا الفيلم بأنهما «خونة»، وطالبت أصوات بسحب الجنسية منهما (نتنياهو ووزير الثقافة، ميكى زوهر) أو عدم السماح لهما بالعودة إلى إسرائيل؛ وجرت مظاهرات لنشطاء يمينيين أمام منزل أحدهما، رددوا، خلالها، عبارات: «الموت للخونة»، وقال أحدهم: «عندما يعودان إلى البلاد يجب أن يحاكما وأن يشنقا على المقصلة، ويجب طرد أسرتيهما وإغلاق منزليهما».
يفسر، ناداف فيمان، مدير عام المنظمة الحقوقية الإسرائيلية، «كسر الصمت»، سبب هجوم المستويين السياسى والعسكرى، خاصة، على الفيلم ومخرجيْه بأنه «يستهدف، فى المقام الأول، تخويف الجنود أنفسهم، الذين يفكرون فى التحدث عما حصل، لأن حديثهم يهدد كبار الضباط، الذين أصدروا الأوامر، ويهدد الساسة الذين رسموا السياسات، وقرروا أن يجوعوا الفلسطينيين، فطلبوا من الجنود ألا يسمحوا للمساعدات بأن تدخل شمال القطاع، وقرروا أن يبيدوا، فتلقى الجنود فى الميدان أوامر بتدمير مربعات سكنية كاملة، وقرروا أن لا أبرياء فى غزة، فأرسلوا الطيارين للتنفيذ»، مشيرًا إلى أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين الأبرياء ماتوا كضرر عرضى للقتال فى غزة.
• • •
يعرض الفيلم شهادات 24 جنديًا وضابطًا من وحدة الاستخبارات 8200 ومن هيئة الاستخبارات عن مراحل المصادقة على قتل المدنيين الأبرياء بالجملة فى قطاع غزة بمن فى ذلك النساء والأطفال، وعن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعى فى ذلك.
يعرِّف، عيران رولنيك، مصطلح: «ضرر عرضى»، بأنه تصريح بقتل جملة من المدنيين «من أجل قتل هدف واحد»؛ مشيرًا إلى أنه قد جرت المصادقة، خلال الحرب، عن ضرر عرضى يجيز قتل 200، و300 حتى 500 مدنى دفعة واحدة. وسط طوفان السخط وسيل الاتهمات، كانت الشهادات التى أدلى بها عشرات من الجنود والضباط لمنظمة كسر الصمت، مطابقة تمامًا لشهادات الفيلم، إذ يؤكد، ناداف فيمان، أنه تحدث خلال السنوات الثلاث الماضية مع عشرات من الجنود والجنديات، ومع ضباط ومع قادة غرف هجومية، ومع مشغلى مسيرات، ومع مدفعجية، ومع جنود شاركوا فى المناورة البرية، ومع جنود أقاموا فى جباليا. بعضهم حكى أشياء لم أستطع تصديقها. لم أصدق حين حكى لى جنود أنهم أمروا باستخدام الفلسطينيين دروعًا بشرية. لم أرغب فى تصديق شهادات من غرف الهجوم عن «الضرر العَرَضى»، الذى سمح بمحو أسر فلسطينية بأكملها.
لا يكشف الفيلم، إذًا، سرًا، ولا يمكن لأحد التشكيك فى أنه قد جرى، خلال حرب الإبادة على غزة، قتل جماعى متعمد لنساء وأطفال ومسنين. فى الواقع، لا يتحمل المستوى العسكرى والسياسى وحدهما فقط المسئولية عن هذا القتل المتعمد وبالجملة للمدنيين، وإنما يتحمل مسئوليته الحاخامات الإسرائيليون، أيضًا، الذين وفروا (شرعية) دينية له. فقد جمع، درور جرينبلوم، وهو مؤرخ وباحث فى الصهيونية الدينية، فى كتابه: "عصر معجزة: تعليق حاخامات من التيار الحريدى القومى على السابع من أكتوبر"، مجموعة كاشفة للغاية من تصريحاتهم عن الحرب.
وهو تيار، بالمناسبة، يؤكد، كما يقول، يائير شيلج، فى كتابه: "الحردليم (الحريديون القوميون)، تاريخ، أيديولوجيا، حضور"، على ما أسماه "مركزية شعب إسرائيل وعلى كونه مفضلًا على شعوب العالم كافة؛ ويعارض أى تسوية سياسية مع الفلسطينيين تتعلق بالأرض، لأن الأرض كلها، من البحر إلى النهر، فى مفهومه، هى أرض إسرائيل".
من بين هذه التصريحات الموثقة، التى يشيب لها الولدان، دعوة صريحة، من الحاخام، نوعم فيدر، بإبادة الفلسطينيين فى غزة عن بكرة أبيهم: "أبيدوهم إبادة تامة"، وتشبيه الحاخام، تامير المليح، لأعمال القتل والإبادة والاحتلال بأنها واجب دينى سامٍ: "فلتبيدوا، فلتحتلوا، فلتسحقوا- هكذا تكون الرفعة، هكذا يكون السمو الروحي"، ودعوة الحاخام، يوسف كلنر، إلى تسوية قطاع غزة بالكامل بالأرض: "من المفترض أن تكون غزة متنزها قوميًا، بعد أن يسويها سلاح الجو بالأرض"، وسخرية الحاخام، إلياهو زينى، من حديث البعض فى إسرائيل أو فى العالم عن ضرورة مراعاة قوانين الحرب بما فى ذلك الجانب الأخلاقى والإنسانى، وعدم إلحاق الأذى بالمدنيين فى الحرب: "(كل كلام من قبيل): إجراءات إنسانية، هو خللٌ أخلاقى. كان اهتمامكم الأساس والمرَضى ألا تمسوا الأبرياء، وغير المتورطين فقط (فى القتال)، وسائر المسميات الكاذبة والمخزية"، وعدم تورع الحاخام، أفراهام فاسرمان، عن الدعوة إلى حرق غزة كلها: «فلننتقم من الأغيار.. فلنحرق غزة قبل دخول جنودنا»، وقول الحاخام، إيلى سادان: «لا تمييز (بين مدنى وغير مدنى).. أنت تحارب ضد كل الشعب»، ودعوة الحاخام، إلياهو مالى، إلى قتل حتى الأطفال الرضع، وهو القتل الذى أباحه كتاب «شريعة الملك»، استنادًا إلى آراء فقهية يهودية معتبرة: «فلتقتلوا كل من فى غزة، بمن فى ذلك الأطفال الرضع أيضًا»، وبيان للحاخامات، دوف ليئور، وإلياكيم لفانون، ودافيد حاى هكوهين، وإلياهو زينى، وشموئيل إلياهو، ودافيد بندل وآخرين، يحتذى مقولة داود، الواردة بصيغتين مختلفتين فى سفريْ، المزامير، وصموئيل الثانى، عن وجوب ملاحقة الأعداء وإبادتهم: "لا يجب أخذ السكان المدنيين للعدو فى الاعتبار.. «أتبع أعدائى فأدركهم، ولا أرجع حتى أفنيهم» (مزامير 18، 38). وبصيغة أخرى: «أَلْحَق أعدائى فأهلكهم ولا أرجع حتى أفنيهم» (صموئيل الثانى 22، 38).
كيف يمكن، إذا، لإسرائيل أن تعترض على اتهامات موجهة إليها، بالأدلة والبراهين، وبشهادات من أهلها، بأنها ارتكبت وترتكب إبادة جماعية ضد المدنيين العزل؟ كيف تتواقح، وتزعم أن هذه الاتهامات الموثقة (معاداة للسامية) فى الوقت الذى توقر فيه حاخامات كبار يدعون للإبادة، وتوفر لهم مساحة للتحريض عليها؟ السؤال الذى يطرح نفسه: ماذا لو أن شيخًا من الشيوخ فى أى بلد إسلامى تفوه بربع ما تفوه به أحد هؤلاء الحاخامات؟! لو فعل، لا سمح الله، لقامت الدنيا ولم تقعد، ولجرى التشنيع به من قبل وسائل الإعلام المتصهينة، ولأقيمت عليه الحجة ولعزل من منصبه، لو كان ذا منصب.
أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة