بروفيسور.. لكن إرهابى - يحيى عبد الله - بوابة الشروق
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 7:38 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

بروفيسور.. لكن إرهابى

نشر فى : الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 6:00 م | آخر تحديث : الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 6:00 م

فى السابع عشر من شهر سبتمبر الماضى، ألقت الشرطة الإسرائيلية القبض على بروفيسور للرياضيات بجامعة «بر إيلان»، يُدعى، شحر نفو، يبلغ من العمر 60 عامًا، بتهمة التخطيط لتكوين خلايا إرهابية يهودية بهدف تنفيذ عمليات إرهابية ضد الفلسطينيين داخل إسرائيل وفى الضفة الغربية، انطلاقًا من دوافع أيديولوجية (دينية فى المقام الأول) وشوفينية. لماذا آثرتُ الإشارة إلى مهنته وعمره فى صدر المقال؟ لأن من المفترض أن تشع مهنته العلمية الراقية على سلوكه الإنسانى، وأن تحرضه على التفكير العلمى المحايد، بعيدًا عن أى تحزب شوفينى أو دينى متعصب، وأن تهذب سلوكه، وتحول بينه وبين الهمجية والوحشية؛ ولأن من المفترض أن يجافى عمره الممتد بينه وبين نزق الشباب وتهوره. لكن لا هذا ولا ذاك حالا بينه وبين التفكير الإرهابى. إذ وضع، البروفيسور، المتقدم فى السن، خطة أسماها: "شعب يصنع ترانسفيرًا".

• • •

فكرة «الترانسفير» ليست فكرة جديدة على المجتمع الإسرائيلى؛ وهى كلمة مراوغة تعنى، فى حقيقة الأمر، فى سياق الحالة الفلسطينية الإسرائيلية، الطرد، وليس النقل كما هو المعنى الظاهرى لها. 

فقد نادى بالفكرة وتبناها فى السابق شخصيات إسرائيلية شغلت مناصب رفيعة، منهم، رحفعام زئيفى (1926 - 2001)، الذى كان جنرالًا فى الجيش الإسرائيلى، ووزيرًا للسياحة فى حكومة أريئيل شارون (2001م)، ووزيرًا بلا وزارة فى حكومة يتسحاق شامير(1991ـ 1992) وعضوًا بالكنيست لمدة اثنى عشر عامًا عن حزب «موليدت/وطن» (1988ـ 2001م). نادى زئيف، علانية، باتخاذ خطوات من أجل تشجيع الفلسطينيين بالضفة الغربية وقطاع غزة على الهجرة (طواعية وبموافقتهم بحسب زعمه!) إلى الخارج، وسعى إلى تسويق فكرته داخل الكنيست طوال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى، واقترح إجراء استفتاء شعبى على مسألة «الترانسفير». 

فضلًا عن تبنى الجنرال، المذكور، للفكرة، فقد تبناها حاخام، أيضًا، هو الحاخام، مائير كهنا (1932م - 1990)، الذى كان عضوًا بالكنيست الحادى عشر عن حزب كاخ (أى: كهنا إلى الكنيست) الذى رأسه. رفضت لجنة الأحزاب دخول الحزب انتخابات الكنيست الثانى عشر لاحقًا، بعد أن تبين لها أن أهدافه عنصرية، وبعد إدانته بالقيام بنشاط إرهابى فى إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. 

آمن كهنا بأن الحل الوحيد لإنهاء النزاع الإسرائيلى العربى وللحفاظ على إسرائيل دولة يهودية هو طرد كل السكان الفلسطينيين داخل إسرائيل بالقوة إلى الدول العربية، باستثناء أقلية صغيرة توافق على العيش فى الدولة اليهودية من دون حقوق، محتذيًا النموذج التوراتى فى هذا الشأن: "وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكًا فى أعينكم، ومناخس فى جوانبكم، ويضايقونكم على الأرض التى أنتم ساكنون فيها" (سفر "العدد"، 33، 55). 

• • •

نحن إزاء نموذجين مختلفين، أفرزهما المجتمع الإسرائيلي: نموذج الجنرال رجل الدولة، ونموذج الحاخام رجل الدين. لذا لم يكن مفاجئًا بالنسبة لى أن يفرز هذا المجتمع نموذج الأستاذ الأكاديمى الإرهابى أيضًا. هذا هو النتاج الطبيعى لصيرورة المجتمع الإسرائيلى، وانزياحه نحو اليمين. 

أطلق البروفيسور الإرهابى على خطته كما أشرنا، سابقًا، الاسم: "شعبٌ يصنع ترانسفيرًا"، وهى تسمية لم تأت من فراغ. إذ لو جرى استفتاء بين اليهود داخل إسرائيل على مسألة طرد الفلسطينيين- سواءٌ من هم داخل إسرائيل أو من هم فى الضفة الغربية وغزة- لحصل على نسبة موافقة عالية. 

طبقًا للخطة، التى كشفت عنها صحيفة الاتهام، التى وجهها الادعاء الإسرائيلى إليه، سعى البروفيسور إلى تجنيد 72 إرهابيًا يهوديًا، جرى تقسيمهم إلى 12 مجموعة(6 فى كل واحدة)، يحمل نصفهم، على الأقل، رُخصًا بحمل سلاح، بمن فيهم هو نفسه، مع تسليحهم بأسلحة من مختلف الأنواع، مثل المسدسات، والبنادق ، والفئوس، والمطارق، ووجههم بشن هجمات مباغتة ومتزامنة على مدن يتعايش فيها فلسطينيون ويهود، وعلى بلدات ذات أغلبية فلسطينية، وعلى قرى البدو الفلسطينيين، داخل المناطق الإسرائيلية، وعلى البلدات الفلسطينية بالقدس الشرقية، وداخل الضفة الغربية المحتلة أيضًا، بهدف قتل المئات من الفلسطينيين ودفعهم إلى الهرب من إسرائيل نحو الأردن ولبنان وقطاع غزة. 

وجَّه البروفيسور الإرهابى فى إطار خطته، أفراد المجموعات الإرهابية، إلى ضرورة التعامل بقسوة ووحشية مع الفلسطينيين، بمن فى ذلك النساء والأطفال، قائلًا، بلهجة لا تخلو من عنصرية: "لا تأخذنكم شفقة حتى بنسائهم وأطفالهم (المتوحشين والمقززين)، ولا تتوقفوا أمام توسلاتهم. لتكن قلوبكم قاسية". 

هنا لا بد من الإشارة إلى أن تأثير النص التوراتى يبدو واضحًا فى هذا التوجيه الإرهابى، الذى كتبه: «حين تقترب من مدينة لكى تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستعبد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا، فحاصرها. وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما فى المدينة، كل غنيمتها، فتغنمها لنفسك» (سفر التثنية 20، 10ـ15)؛ ومتى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التى أنت داخل إليها لتمتلكها، وطرد شعوبًا كثيرة من أمامك (...) ودفعهم الرب إلهك أمامك، وضربتهم، فإنك تحرمهم. لا تقطع لهم عهدًا، ولا تشفق عليهم (سفر التثنية، 7، 1ـ 3). 

زعم البروفيسور الإرهابى أمام المحكمة، أنه وضع الخطة «بسبب السابع من أكتوبر 2023»، لكن الشواهد تشير إلى أنه شرع فى التخطيط للأمر فى عام 2021، أى قبل السابع من أكتوبر بعامين، وإلى أنه اتخذ خطوات فعلية عديدة ومتنوعة على طريق تنفيذ خطته، منها، القيام بعمليات استطلاع ومسح مسبق للأماكن المزمع استهدافها، ودراسة أنسب الطرق للوصول إليها، وإعداد وثائق تفصل طرق العمل ومبرراتها، مع محاولة تجنيد نشطاء ليشاركوا فى الهجوم الإرهابى الذى خطط له. اللافت والخطير فى الأمر، أن خطة البروفيسور الإرهابى تضمنت، طبقًا للائحة الاتهام، حصوله على دعم وإسناد يتم تنسيقهما سلفًا مع عناصر يتم تجنيدها من داخل الجيش الإسرائيلى، بما فى ذلك قصف مراكز سكانية فلسطينية بواسطة سلاح الجو الإسرائيلى، وسلاح المدفعية وسلاح المدرعات. 

وقد أشارت صحيفة الاتهام إلى أن البروفيسور الإرهابى حاول ضم عسكريين سابقين، وعاملين فى حقل الإعلام، وأكاديميين، محسوبين على التيار اليمينى، إلى تنظيمه الإرهابى. 

• • •

الواقع، أن عملية طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية تجرى على قدم وساق، فى ظل الحكومة اليمينية الحالية، حيث يجرى، بالفعل، اقتلاع جماعى ومستمر للفلسطينيين من بيوتهم، لكنه لا يحظى باهتمام عام. (افتتاحية هاآرتس 13/10/2026). 

وطبقًا لإحصائيات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 33 ألفًا من سكان مخيمات جنين، وطولكرم، ونور الشمس ما يزالون غير قادرين على العودة إلى بيوتهم منذ عملية السور الحديدى، التى شنها الجيش الإسرائيلى على الضفة الغربية فى بداية يناير 2025. وقد وصفت رابطة حقوق المواطن ما حدث فى هذه المخيمات بأنه موجة الاقتلاع الأكبر فى الضفة الغربية منذ عام 1967. 

تجرى عمليات الطرد الجماعى للفلسطينيين من الضفة الغربية، تحت سمع وبصر الجيش الإسرائيلى، الذى لم يسمح للسكان الذين طردوا من بيوتهم، خلال الحملة العسكرية المذكورة، بشهادة السكان أنفسهم، حتى بعد أن استنفدت الحملة العسكرية أغراضها، بالعودة إليها، بل إنه أعلن عن ذلك، صراحة، بحسب افتتاحية «هاآرتس».

من ناحية أخرى، هدم الجيش أيضًا بيوتًا فى مخيمات الفلسطينيين، ومن ثم لم يعد لجزء من السكان مكان يعودون إليه. كما أعلن وزير الحرب، يسرائيل كاتس، قبل أكثر من عام ونصف العام، أنه ليس فى نية إسرائيل السماح لسكان المخيمات الفلسطينية فى الضفة الغربية المحتلة بالعودة إلى بيوتهم. 

فى المقابل، تثير محاولات إسرائيل منع نشاط وكالة غوث وتشغيل اللاجئين - الأونروا - الريبة فى أن الأمر يتعلق ربما بجزء من إرادة أكبر لمحو مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. نحن، إذًا، أمام سياسة حكومية ممنهجة، تجد صداها لدى متطرفين من مختلف المستويات، ولسنا بصدد ظاهرة فردية منعزلة. إن عدم السماح لسكان المخيمات بالعودة إلى ديارهم يمثل "ترانسفيرًا"، هو فى حكم القانون الدولى جريمة حرب. 

صحيح، أن الجامعة، التى يعمل بها هذا البروفيسور الإرهابى تبرأت منه، وأدانت ما نُسب إليه من أفعال وأوقفته عن العمل على الفور حتى استيفاء إجراءات التقاضى، لكنها تغاضت، بالقطع، عن نواياه، وعن أبعاد شخصيته الملغزة، التى وصفها طلابه، بحسب، تامار حداد، بأنها «غريبة، ومنزوية، ومتجافية، وفظة». 

لم يبد البروفيسور الإرهابى خلال جلسة المحاكمة الأخيرة، أى ندم على ما فعل، وأصر على أنه يتحمل مسئولية ما خطط له من أعمال إرهابية، قائلًا للمحكمة: «لقد اقترح علىّ محامىّ أن أمثل دور المجنون لأن ذلك من شأنه أن يخفف من عقوبتى، لكننى أتمتع بكامل قواى العقلية وأصر على أفعالى». 

تشير الأمثلة العنيفة السابقة: الجنرال والحاخام والبروفيسور، بما لا يرقى إليه أدنى شك، إلى أن قتل الفلسطينى، خاصة، أو محاولة طرده من أرضه، باتا اتجاهًا عامًا مستحوذًا على العقلية الجمعية الإسرائيلية. لم يعد قتله والتخلص منه درءًا لخطر محتمل، كما كان فى السابق، وإنما صار طريقة تفكير لدى السواد الأعظم من الإسرائيليين. 


أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة

 

 

يحيى عبد الله أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة
التعليقات