تأملات فى تحولات الوعى الأمريكى تجاه إسرائيل - عيد محمد - بوابة الشروق
الإثنين 3 أغسطس 2026 6:54 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

تأملات فى تحولات الوعى الأمريكى تجاه إسرائيل

نشر فى : الإثنين 3 أغسطس 2026 - 5:50 م | آخر تحديث : الإثنين 3 أغسطس 2026 - 5:50 م

قبل سنوات عديدة، وبينما كنت أتابع دراستى للدكتوراه فى جامعة جورج واشنطن، حضرت مقررًا عما يُعرف فى الجامعات الأمريكية بـ«الصراع العربى الإسرائيلى». كانت أستاذة المقرر أستاذة زائرة من جامعة تل أبيب، ولم يكن مستغربًا أن تقدم الرواية الإسرائيلية للصراع أو أن تدافع عنها. لكن ما شد انتباهى لم يكن مضمون دفاعها، بل الطريقة التى كانت تطرح بها تلك الرواية باعتبارها أيضًا الرواية الأمريكية. فى كل محاضرة تقريبًا، لم تكن الولايات المتحدة وإسرائيل تُقدَّمان كحليفين تجمعهما مصالح استراتيجية يمكن أن تتغير بتغير الظروف، بل كامتداد طبيعى لبعضهما البعض. كان الحديث يوحى بأن الدفاع عن إسرائيل ليس مجرد خيار فى السياسة الخارجية الأمريكية، وإنما جزء من تعريف أمريكا لنفسها، وكأن البلدين، سياسيًا وأخلاقيًا، جسدان بروح واحدة.


خرجت من تلك القاعة بسؤال ظل يرافقنى لسنوات: هل هذه العلاقة حقيقة تاريخية ثابتة لا تتغير، أم أنها نتاج مرحلة معينة فى تطور المجتمع الأمريكى؟


بعد سنوات عديدة، وجدتنى أستعيد ذلك السؤال وأنا أتابع المقابلة المطولة التى أجراها نائب الرئيس الأمريكى جيه دى فانس مع الإعلامى جو روجان. لم يكن ما أثار اهتمامى هو الجدل الواسع الذى صاحب تصريحاته بشأن جيفرى إبستين، ولا ما طرحه من قناعات حول علاقات إبستين المحتملة بأجهزة استخبارات إسرائيلية، وإنما ما كشفته المقابلة من تحول أعمق فى اللغة السياسية الأمريكية، وفى طبيعة النقاش الذى بات ممكنًا داخل أعلى مستويات السلطة فى واشنطن.


• • •
الخطأ الذى نقع فيه كثيرًا فى العالم العربى هو أننا نتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها دولة تتحدث بصوت واحد، بينما يكشف حقل الدراسات الأمريكية أن أمريكا ليست صوتًا واحدًا، ولا هوية واحدة، ولا حتى رواية واحدة. إنها مجتمع واسع تتنافس داخله رؤى مختلفة حول معنى أمريكا نفسها، وحول دورها فى العالم، وحول القيم التى ينبغى أن تمثلها.


لقد لفتت الباحثة الأمريكية إيمى كابلان الانتباه إلى أن الإمبراطوريات لا تُبنى بالقوة العسكرية وحدها، بل أيضًا بالثقافة، وبالقصص التى ترويها المجتمعات عن نفسها وعن الآخرين. فالصورة التى ترسمها أمة لنفسها تحدد، إلى حد بعيد، الطريقة التى ترى بها العالم وتتعامل معه. ومن هذا المنظور، لا تبدأ السياسة الخارجية فى أروقة وزارات الخارجية، بل تبدأ فى المدارس والجامعات، وفى وسائل الإعلام، وفى الأفلام، وفى الخطاب العام الذى يحدد من هو «نحن»، ومن هو «الآخر».


ولسنوات طويلة، كانت إسرائيل جزءًا من هذه السردية الأمريكية. لم تكن مجرد حليف استراتيجى، بل كانت تُقدَّم فى كثير من الخطابات السياسية والثقافية باعتبارها امتدادًا لقيم الديمقراطية الغربية، ورمزًا لجزء من الهوية السياسية الأمريكية. لكن السرديات، مثل المجتمعات، ليست ثابتة. إنها تتغير حين تتغير الأجيال، وتتبدل مصادر المعرفة، وتتغير الخبرات التى تشكل الوعى العام.


ومن هنا، ربما يمكن فهم التحولات التى شهدها المجتمع الأمريكى خلال العقدين الأخيرين.


• • •
فحين جاء الربيع العربى، انشغل كثيرون بمتابعة ما جرى فى القاهرة وتونس وصنعاء ودمشق. لكن ما لم يحظ بالاهتمام الكافى هو أن تلك اللحظة التاريخية لم تبق داخل الحدود العربية. ففى الفترة نفسها تقريبًا، شهدت الولايات المتحدة حركة «احتلوا وول ستريت»، التى رفعت شعارات مختلفة، لكنها عبّرت عن قلق مشابه تجاه العدالة الاجتماعية، والتمثيل السياسى، واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع.


لم يكن ميدان التحرير وحديقة زوكوتى فى نيويورك المكان نفسه، ولم يكونا يواجهان التحديات ذاتها، لكنهما عبّرا عن حقيقة أعمق: أن الأفكار لم تعد تسافر فى اتجاه واحد من الغرب إلى الشرق، كما كان يُفترض لعقود، بل أصبحت تنتقل فى كل الاتجاهات. صار الناشط الأمريكى يتابع ما يجرى فى القاهرة، كما يتابع الشاب العربى ما يحدث فى نيويورك. وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعى تخلق فضاءً عامًا عابرًا للحدود، تتلاقى فيه التجارب الإنسانية مهما اختلفت سياقاتها.


ومنذ ذلك الوقت، بدأت تظهر ملامح جيل أمريكى مختلف.


جيل لم يتشكل وعيه عبر نشرات الأخبار التقليدية وحدها، بل عبر الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعى، والبث المباشر، والشهادات القادمة من مختلف أنحاء العالم. جيل أصبح أكثر استعدادًا لطرح الأسئلة، وأقل ميلًا إلى التعامل مع المسلمات السياسية بوصفها حقائق نهائية.


وفى هذا السياق، برزت القضية الفلسطينية بصورة مختلفة عما عرفته الأجيال السابقة. فلم تعد بالنسبة إلى كثير من الشباب الأمريكى مجرد ملف فى السياسة الخارجية، بل أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول حقوق الإنسان، والقانون الدولى، واستخدام القوة، وحدود المسئولية الأخلاقية للدول الديمقراطية.


ولا يمكن فهم هذا التحول من دون الالتفات إلى التغيرات العميقة التى شهدها المجتمع الأمريكى نفسه. فالعرب والمسلمون فى الولايات المتحدة لم يعودوا مجرد جاليات مهاجرة تعيش على هامش الحياة العامة، بل أصبحوا جزءًا من نسيجها السياسى والثقافى، يدرسون فى الجامعات، ويعملون فى وسائل الإعلام، ويخوضون الانتخابات، ويشاركون فى مؤسسات المجتمع المدنى، ويقدمون رواياتهم بوصفهم مواطنين أمريكيين، لا مجرد مراقبين من الخارج.


وبالتوازى مع ذلك، لم تعد منصات التواصل الاجتماعى مجرد وسائل لنقل الأخبار، بل أصبحت فضاءات يعاد فيها تشكيل الرأى العام، وتتراجع فيها قدرة المؤسسات التقليدية على احتكار السردية. ولأول مرة منذ عقود، باتت صور الحروب وشهادات المدنيين تصل مباشرة إلى ملايين الأمريكيين، دون المرور بالضرورة عبر الفلاتر التحريرية التى كانت تتحكم فى تدفق المعلومات.


• • •
إن ما يجرى اليوم داخل الولايات المتحدة لا يمكن اختزاله فى خلاف بين سياسيين، أو فى انقسام حزبى بين الجمهوريين والديمقراطيين. إنه يعكس، بدرجة أكبر، صراعًا بين سرديات مختلفة حول معنى أمريكا، ودورها فى العالم، وطبيعة القيم التى تريد أن تمثلها فى القرن الحادى والعشرين.


ولهذا، فإن فهم الولايات المتحدة اليوم يتطلب أكثر من متابعة الانتخابات أو استطلاعات الرأى. إنه يتطلب فهم الحراك الأكاديمى والطلابى داخل الجامعات، والحركات الاجتماعية، والتحولات الديموغرافية، والثقافة الرقمية، والأجيال الجديدة التى تعيد تعريف السياسة خارج الأطر التقليدية.


فالدول لا تتغير فقط بتبدل الرؤساء، بل حين تتغير القصص التى يرويها الناس عن أنفسهم.


وربما يكون التحول الأهم الذى نشهده اليوم ليس تغيرًا فى السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل بقدر ما هو بداية إعادة كتابة إحدى أكثر السرديات تأثيرًا فى التاريخ السياسى الأمريكى الحديث. وعندما تتغير السردية، فإن السياسة لا تلبث أن تلحق بها، وإن كان ذلك ببطء، وبقدر كبير من الجدل والمقاومة.


أستاذ مشارك (حاصل على درجة الدكتوراه فى الدراسات الأمريكية من جامعة جورج واشنطن)

عيد محمد أستاذ مشارك (ودكتور حاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الأمريكية من جامعة جورج واشنطن)
التعليقات