التعليم العربى فى عصر الذكاء الاصطناعى - العالم يفكر - بوابة الشروق
الخميس 13 أغسطس 2026 8:58 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

التعليم العربى فى عصر الذكاء الاصطناعى

نشر فى : الخميس 13 أغسطس 2026 - 7:50 م | آخر تحديث : الخميس 13 أغسطس 2026 - 7:50 م

لا يمكن النظر إلى اندماج الذكاء الاصطناعى فى منظومات التعليم بوصفه مجرد تحديث تقنى لأدوات الشرح والتلقين، بل هو فى جوهره إعادة تشكيل جذرية لعلاقة المتعلم بالمعرفة، وبناء عليه، لعلاقة المجتمعات بمستقبلها. فالخطاب السائد الذى يختزل هذا التحول فى وعود «التعليم الذكى»، وكذا «التعلم التكيفى»، يخفى وراءه إشكاليات أعمق تتصل ببنية السلطة المعرفية ذاتها: من ينتج المحتوى؟ ومن يصمم الخوارزمية التى تقرر ما يتعلمه التلميذ وما لا يتعلمه؟ ووفق أى منظومة قيمية يعاد رسم خرائط المعرفة؟


الإجابة عن هذه الأسئلة تستلزم، قبل الخوض فى تقنيات الذكاء الاصطناعى وتطبيقاتها، مساءلة التعليم النظامى ذاته الذى يراد تحديثه. فهذا التعليم لم ينشأ فى فراغ، ولم تكن المدرسة الحديثة فى صورتها التى انتشرت عبر العالم العربى والإفريقى والآسيوى فى القرنين التاسع عشر والعشرين سوى أداة استعمارية بامتياز. لم يكن هدفها تحرير عقول المتعلمين، بل تخريج الموظف المتحضر الذى يحسن تلقى الأوامر ويقنع نفسه بأن تلقيها دليل على رقيه.


بهذا المعنى، حين نسأل اليوم عمن يصمم الخوارزمية التى تقرر ما يتعلمه التلميذ العربى، فنحن لا نسأل سؤالًا جديدًا. إنه السؤال ذاته الذى طرحته الحركات الوطنية حين رأت فى المناهج الاستعمارية خريطة معرفية تعيد إنتاج التبعية. والفارق الوحيد أن هذه الخريطة لم تعد مطبوعة فى كتب تحملها حقائب المدارس، بل باتت مضمنة فى نماذج لغوية كبيرة أنتجت بمليارات الدولارات فى وادى السيليكون، وتحمل فى طياتها ما يحمله كل منتج ثقافى من قيم عائدة إلى من أنتجه، وأولوياته وحدود تصوره للعالم.


وتكشف النتائج الأخيرة لتقرير "منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية" حول التعليم الرقمى 2026 عن مفارقة جوهرية؛ إذ يؤكد التقرير أن الذكاء الاصطناعى التوليدى قادرٌ على تحسين أداء المهام بشكل ملحوظ، لكنه فى الوقت ذاته قد يقوض عملية التعلم العميق إذا استخدم من دون تصميم بيداغوجى مدروس. والبيداغوجيا كلمةٌ يونانية مركبة من Pais أى الطفل، وAgogos أى القائد، ومعناها الحرفى "قيادة الطفل نحو المعرفة"، وتستخدم اليوم للدلالة على فلسفة التعليم وطرائق بنائه؛ وهى بالضبط القيادة التى لا تتقنها الخوارزمية مهما بلغت كفاءتها. وتجسد هذه المعضلة دراسةٌ ميدانيةٌ على نحو ألف تلميذ فى الثانوية فى تركيا استشهد بها التقرير، أجريت فى مادة الرياضيات؛ إذ أظهرت أن التلاميذ الذين استخدموا أنموذج GPT-4 بواجهته المعيارية حسنوا أداءهم بنسبة 48%، فيما ارتفع هذا التحسن إلى 127% حين استخدمت نسخة مصممة خصيصًا لدعم التعلم، لا لتقديم الإجابات مباشرة. غير أن التلاميذ فى كلتا الحالتين حين أزيلت الأداة أدوا بشكل أسوأ بنسبة 17% مقارنة بأقرانهم الذين درسوا من دون ذكاء اصطناعى، ولا تبدو هذه المفارقة عرضية بقدر ما تمثل التناقض البنيوى بين منطق الكفاءة الذى تسعى إليه التقنية ومنطق الفهم الذى يقتضيه التعليم الحقيقي؛ فالأنظمة الذكية تستطيع أن تجيب عن السؤال نيابة عن التلميذ، لكنها لا تستطيع أن تعلمه كيف يطرح السؤال ابتداء، وهنا يكمن الفارق الحاسم.


عطفًا على ذلك، تزداد هذه المعضلة تعقيدًا حين ندرك حجم التحول الجارى؛ فوفقًا لتقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادى العالمى، يتوقع أن تتغير 39% من المهارات الأساسية المطلوبة فى سوق العمل بحلول عام 2030، وأن 59 من كل 100 عامل سيحتاجون إلى تدريب وإعادة تأهيل. هذه الأرقام تعنى أن المنظومات التعليمية التى لا تعيد هيكلة نفسها اليوم ستنتج غدا أجيالا منفصلة عن الواقع الاقتصادى والمعرفى الجديد. ويضاف إلى ذلك ما يكشفه تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعى 2025 الصادر عن جامعة ستانفورد، من أن 81% من معلمى علوم الحاسوب فى الولايات المتحدة يرون ضرورة تضمين الذكاء الاصطناعى فى مناهجهم، لكن أقل من نصفهم يشعرون بأنهم مؤهلون لتدريسه. فإذا كان هذا هو حال دولة تقود الابتكار العالمى فى هذا المجال، فكيف يكون الوضع فى عالمنا العربى الذى يعانى أصلًا من أزمات هيكلية متراكمة فى منظومته التعليمية؟

 

الأنموذج البنكى الرقمى


لعل فهم هذه الإشكالية يتطلب تجاوز الأدوات التحليلية التقنية واللجوء إلى إطار نظرى من حقل الفلسفة التربوية. وفى هذا السياق، يبدو مفهوم «التعليم البنكى» الذى طرحه المفكر البرازيلى باولو فريرى فى كتابه الرائد «بيداجوجيا المقهورين» ذا أهمية استثنائية. فقد وصف فريرى النظام التعليمى التقليدى بأنه يعمل وفق "نموذج بنكي"؛ حيث يقتصر دور المعلم على «إيداع» المعلومات فى عقول التلاميذ السلبيين، تمامًا كما تودع الأموال فى خزائن البنوك، دون أن يكون للمتعلم دور نقدى أو تحويلى فى هذه العملية. وقد أشارت اليونسكو فى تقريرها حول مستقبل التعليم فى عصر الذكاء الاصطناعى 2025 إلى هذا الأنموذج الفريرى صراحة، محذرة من خطر أن يعيد الذكاء الاصطناعى إنتاج «التعليم البنكى» فى ثوب رقمى أكثر إغراء.


إلى ذلك، فإن إسقاط هذا الإطار التحليلى على واقع تعامل عالمنا العربى مع الذكاء الاصطناعى فى التعليم يكشف عن مشهد مقلق. فالاعتماد على منصات تعليمية ذكية مستوردة، دون تكييفها مع السياقات الثقافية والمعرفية المحلية، يحول التلميذ العربى إلى "متلق مزدوج"؛ يتلقى المعرفة الجاهزة من الآلة، والمنظومة القيمية الكامنة فيها من المجتمع الذى أنتجها. والأخطر هنا أن "التعليم البنكى الرقمي" لا يكتفى بتكريس السلبية، بل يضفى عليها شرعية "الحداثة" و"الكفاءة"، فيتحول التلميذ من متلق صامت فى الفصل التقليدى إلى متلق صامت أمام الشاشة، دون أن يتغير جوهر العلاقة المعرفية. وهكذا، يتعمق ما سبق أن سميناه فى سياقات مغايرة بالاغتراب الخوارزمى؛ حيث يتعطل الوعى النقدى لمصلحة الامتثال الآلى.


يتخذ هذا التحدى أبعادا أكثر حدة فى ضوء الأرقام الفعلية. فقد كشف تقرير للبنك الدولى حول المهارات الرقمية فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عن أن نحو 70% من الرؤساء التنفيذيين فى المنطقة يعتبرون نقص المهارات الرقمية تهديدا رئيسا لأعمالهم، بينما يتطلب 23% من الوظائف الرقمية المعلنة مهارات مختصة فى الذكاء الاصطناعى، وفى هذا السياق، يتضح أن الفجوة بين المعروض التعليمى والمطلوب الاقتصادى ليست مجرد خلل وظيفى، بل هى تعبيرٌ صارخ عن فشل بنيوى فى منظومات تعليمية لا تزال تراوح بين التلقين التقليدى والاستيراد التقنى غير المدروس.


• • •
إن ما نحتاجه يتعدى مسألة إدخال الذكاء الاصطناعى إلى الفصول الدراسية، وذلك فى اتجاه بناء ما يمكن تسميته "بيداغوجيا عربية نقدية" تستلهم روح فريرى فى التحرر من "التعليم البنكي" وتترجمها فى سياقنا الرقمى المعاصر. بيداغوجيا تعلم التلميذ كيف يساءل الخوارزمية لا أن يمتثل لها، وكيف ينتج المعرفة، لا أن يستهلكها، وكيف يوظف الأداة من دون أن توظفه. هذا يستدعى بدوره ثورة حقيقية فى مناهج إعداد المعلمين، وتكوين جيل من المعلمين الرقميين النقديين القادرين على الجمع بين الكفاءة التقنية والوعى التربوى العميق، وبين فهم الخوارزميات وفهم السياقات الحضارية التى تعمل فيها؛ وذلك فى ضوء الاهتمام المتنامى عالميا بالنماذج اللغوية الكبيرة LLMs، ووكلاء الذكاء الاصطناعى AI Agents، ومؤخرا ما يدعى بنماذج العالم World Models التى تجسد الذكاء المادى.


إجمالا، فإن الدعوة إلى هذه البيداغوجيا، مهما بلغت من الرصانة النظرية، تظل معلقة فى الهواء ما لم نجب عن سؤال أكثر إلحاحًا: كيف تنشأ هذه البيداغوجيا، وفى أى مؤسسات، وضد مقاومة من؟

 

رامز صلاح
مؤسسة الفكر العربى

النص الأصلى:

التعليقات