مع هيكل.. - معتمر أمين - بوابة الشروق
الجمعة 25 سبتمبر 2026 8:59 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

مع هيكل..

نشر فى : الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 7:00 م

فى 23 سبتمبر من هذا العام التقت ثلاث ذكريات: ميلاد رجل، وعشرون عاما على مؤسسة تحمل اسمه، وعشر سنوات على غيابه. ثلاثة أرقام تبدو متباعدة، لكنها فى الحقيقة فصول من قصة واحدة.
كان الوقت صباحا، والقاهرة لم تستيقظ بعد. فى ساعة كهذه كان الأستاذ يبدأ يومه، والصحف مرصوصة على المقعد الخلفى للسيارة، وعيناه تمران على العناوين كما يمر قائد على صفوف جنوده قبل المعركة. فهيكل لم يكن يقرأ الخبر، بل كان يقرأ ما وراءه.


 • • •


ولنعد قليلا إلى الوراء. عام 1942، والحرب العالمية تشتعل على حدود مصر الغربية. شاب فى التاسعة عشرة يعمل فى صحيفة «الإيجبشيان جازيت»، ويُرسَل لتغطية معارك العلمين. لم يكن يعرف يومها أنه لن يغادر ساحات المعارك أبدا، وأن الساحات ستتغير فقط: من الصحراء إلى مكاتب الرؤساء، ومن خطوط النار إلى أرشيفات الوثائق، ومن صفحات الجرائد إلى شاشات التلفزيون.
ثم كانت المحطة التى صنعت الصحفى: محمد التابعى. عنده فى «آخر ساعة» تعلّم أن الخبر حكاية، وأن الحكاية تُروى بإيقاع، وأن القارئ لا يُقنع بالمعلومة وحدها، بل بالمشهد الذى يحيط بها. ومن التابعى أخذ هيكل الحِرفة، ثم أضاف إليها ما لم يكن لأحد قبله: الوثيقة.


فى عام 1957 دخل الأهرام، فجعل منه فى سنوات قليلة أهم منبر صحفى فى العالم العربى. ومن نافذته أطل كل يوم جمعة بمقاله «بصراحة»، الذى صار موعدا ينتظره الناس من المحيط إلى الخليج. وفى الطابق السادس جمع ما لم يجمعه أحد من قبل: نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ولويس عوض، ويوسف إدريس، وبنت الشاطئ، وآخرين. عقول مختلفة وأمزجة لا تلتقى عادة، لكنها التقت هناك تحت سقف واحد. وكان ذلك أول الدروس: أن الاختلاف ليس خطرا على الفكرة، بل هو شرط حياتها.


وكان للأستاذ موهبة أخرى لا تقل خطرا عن الوثيقة: الكلمة التى تصنع المعنى. ففى يونيو 1967، والبلاد تحت وقع صدمة لم تعرف مثلها، كان على أحد أن يجد اسما لما حدث، والاسم فى السياسة ليس وصفا، بل موقف. فجاءت كلمة «النكسة» فى خطاب التنحى الذى صاغه هيكل. والنكسة فى أصل اللغة عودة المرض بعد التعافى، أى عارض يمكن النهوض منه. رأى فيها محبوه إنقاذا لروح أمة كانت على حافة الانهيار، ورأى فيها منتقدوه تلطيفا لهزيمة تستحق أن تُسمّى باسمها. لكن الفريقين اتفقا على أن الكلمة عاشت، وما زالت فى لغة الناس إلى اليوم. وحتى عناوين كتبه كانت تختصر عصورا كاملة فى كلمتين: «سنوات الغليان»، و«الانفجار»، و«خريف الغضب».


ثم جاء فبراير 1974. قرار واحد أخرجه من الأهرام. عُرض عليه منصب رفيع فاعتذر عنه، واختار أن يخرج من السلطة. وظن كثيرون أن الرجل انتهى، لكن ما حدث كان العكس. خرج إلى مكتبه الخاص المطل على النيل، ومن هناك كتب للعالم كله، فتُرجمت كتبه إلى لغات عديدة، وصار اسمه مرجعا فى جامعات الغرب ومراكز أبحاثه. ولم يوقفه التحقيق، ولا حملات الهجوم، ولا حتى زنزانة سبتمبر 1981. وهنا يولد الدرس الثانى: أن السلطة قد تمنح النفوذ، لكنها لا تمنح التأثير، والتأثير هو ما بقى.


ذلك المكتب على النيل يستحق أن نتوقف عنده. كانت أبوابه مفتوحة لكل الأطياف. يدخله الوزير ويخرج، ثم يجلس بعده معارض على المقعد نفسه. يأتيه الناصرى والليبرالى، اليسارى والإسلامى، الصحفى الشاب والسياسى المخضرم، فيجد كل منهم ما جاء يبحث عنه: معلومة، أو قراءة، أو سؤالا يعيد ترتيب الأسئلة. لم يكن هيكل محايدا، فقد كانت له انحيازاته المعلنة، لكنه كان يؤمن بأن الحوار لا يحتاج إلى الاتفاق، بل إلى الاحترام.


وفى عام 2003 أعلن ما سمّاه «استئذانا فى الانصراف»، وقد بلغ الثمانين. وظن الناس مرة أخرى أن الرحلة انتهت، ومرة أخرى لم تنته. عاد من نافذة لم يتوقعها أحد: الشاشة. جلس أمام الكاميرا كما يجلس أمام صديق، وبدأ يحكى، فلم يكن برنامج «مع هيكل» حديثا عن التاريخ بقدر ما كان دعوة للدخول إليه. وحين قال نجيب محفوظ مازحا إنه سعيد لأن هيكل لا يكتب الأدب، وإلا لجلس الأدباء فى بيوتهم، لم يكن يمزح تماما.


وأنا واحد ممن وقعوا فى أسر هذه الحكاية، وقد جاءنى ذلك مصادفة. كان أول ما قرأته للأستاذ فى مجلة «وجهات نظر»: مقدمة لقصة عن الملكة نازلى، والدة الملك فاروق، كتبها أستاذه محمد التابعى. أخذنى أسلوب هيكل الرشيق فى السرد، وقدرته على صياغة أهم جوانب الموضوع، حتى ترك القارئ مستعدا لاستقبال ما كتبه التابعى. ومن تلك اللحظة صرت أبحث عن كل ما كتب، فهو ليس كتابة عابرة، بل رحلة عبر نافذة من الزمن نطل منها على مشهد بكل معانيه وأعماقه. وهو يتفوق على الذكاء الاصطناعى، فلا يجمع المعلومة فحسب، وإنما عاشها حتى امتزجت بوجدانه، فنضجت تحليلا لا تبلغه كتابات كثيرة نقرؤها اليوم. ولما فرغت من كتبه، ظللت أتابعه على الشاشة طويلا، ثم كان اللقاء الأول بعد حين.


• • •


لكن ما أتوقف عنده هو كتاب «أكتوبر 73: السلاح والسياسة»، لمفارقة حدثت فى سنوات الجامعة. كنا فى محاضرة عن حرب أكتوبر، ودهشت حين أشار المتحدث إلى أن الحرب انتهت بما يشبه التعادل. اشتبكت معه، فإذا به يفاجئنى بمعلومات لم أكن أعرف تفاصيلها: عن حصار الجيش الثالث ثم مفاوضات الكيلو 101 التى رتبت إمداده وتبادل الأسرى. انتهت المحاضرة، وبقيت فى ذهنى أسئلة مفتوحة، حتى وصلت إلى كتاب الأستاذ «السلاح والسياسة»، ففهمت ما جرى. فهمت أن الأستاذ لم يكن يكتب نشيد نصر، بل كان يفصل بين ما حققه السلاح وما صنعته السياسة بعده. السلاح عبر واقتحم، وتمكن من كسر غطرسة القوة. أما ما جاء بعد ذلك من حسابات، فقد وضعه هيكل تحت مجهره بلا مجاملة. وفهمت أيضا لماذا تحرص إسرائيل على تصوير الحرب كأنها انتصار لها، كما تفعل مع روايات كثيرة. لكن الثابت أن العبور هو ما مهّد لسلام امتد نصف قرن. فلو كانت انتصرت، فلماذا أعادت الأرض؟ ولو كانت تملك التفوق، فلماذا فشلت الآن فى تهجير الفلسطينيين من غزة؟


أما مؤسسة هيكل، فقد وُلدت من سؤال شغل الأستاذ طويلا: من يحمل الراية؟ فجاءت مؤسسته لا متحفا لاسمه، بل ورشة يتعلم فيها الصحفيون أن الخبر أمانة، وأن الكلمة إذا خرجت لا تعود. عشرون عاما على تأسيسها، وعشر سنوات على رحيله، ومع ذلك يتكرر فى كل 23 سبتمبر المشهد نفسه: يجلس اليمين إلى جوار اليسار، ويصافح الرسمى المعارض، ويلتقى من لا يجمعهم مكان آخر. كأن المكتب المطل على النيل لم يُغلق، بل اتسعت جدرانه. ذلك أعظم ما تركه الأستاذ: مساحة يُصغى فيها المختلفون بعضهم إلى بعض.

باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

معتمر أمين باحث في مجال السياسة والعلاقات الدولية
التعليقات