شهدت الولايات المتحدة يوم الثلاثاء الماضى، ٣ نوفمبر، انتخابات التجديد النصفى للكونجرس، والتى انتهت بانتصار كبير للحزب الديمقراطى، بعد أن نجح فى انتزاع السيطرة على مجلسى النواب والشيوخ من الحزب الجمهورى. وحتى صباح الجمعة ٦ نوفمبر، ضمن الديمقراطيون ٥٤ مقعدًا فى مجلس الشيوخ، مقابل ٤٤ للجمهوريين، مع استمرار فرز الأصوات فى ولايتى ألاسكا وميسيسيبى. وفى مجلس النواب، انتزع الديمقراطيون أكثر من ٤٠ دائرة كانت تحت سيطرة الجمهوريين، ليضمنوا الأغلبية بعد عامين من سيطرة الجمهوريين على البيت الأبيض ومجلسى الكونجرس. ولم تتوقف المكاسب عند السلطة التشريعية الفيدرالية، بل امتدت إلى انتخابات حكام الولايات، حيث حقق الديمقراطيون انتصارات لافتة فى ولايات محافظة، مثل تكساس وأوهايو وأيوا.
• • •
تبدو هذه النتائج استثنائية لعدة أسباب. أولها أن الحزب الديمقراطى لم يكتفِ بالفوز فى الولايات المتأرجحة، بل حقق انتصارات فى ولايات ظلت معاقل للجمهوريين لعقود طويلة. ففى تكساس، فاز الديمقراطى جيمس تالاريكو بمقعد مجلس الشيوخ، ليصبح أول ديمقراطى يفوز بهذا المقعد منذ عام ١٩٨٨. وفى كانساس، فاز آدم هاميلتون ليصبح أول ديمقراطى يمثل الولاية فى مجلس الشيوخ منذ عام ١٩٣٢. كما انتزع الديمقراطيون مقاعد جمهورية فى كارولاينا الشمالية وأوهايو وأيوا ومين وكارولاينا الجنوبية. أما فى ميشيجان، فقد فاز الطبيب الأمريكى من أصل مصرى عبد الرحمن السيد، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ فى التاريخ الأمريكى، وهو انتصار له دلالات مهمة تتعلق بالتمثيل السياسى للأقليات، ولا سيما المسلمين والعرب، وبالتغيرات داخل الحزب الديمقراطى نفسه.
لكن لماذا حدث هذا التحول الكبير؟ الإجابة الأولى تتعلق بالاقتصاد، وتحديدًا بتكاليف المعيشة. فالمواطن الأمريكى الذى صوّت لترامب قبل عامين على أمل خفض الأسعار وتحسين أوضاعه الاقتصادية وجد نفسه أمام استمرار الضغوط المعيشية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتداعيات السياسات التجارية للإدارة. أما الإجابة الثانية فتتعلق بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتى تحولت من قضية خارجية إلى قضية داخلية، بعدما انعكست تكاليفها على أسعار الوقود والسلع، وأثارت تساؤلات متزايدة حول أهداف الحرب ومدتها وجدواها. وقد أقر ترامب نفسه بتأثير الحرب على نتائج الانتخابات، فيما اعتبر نائبه جى دى فانس أنها كانت أحد الأسباب الرئيسية للهزيمة الجمهورية.
هناك ثلاث دلالات سياسية أساسية لهذه النتائج. أولها أن ترامب سيقضى العامين الأخيرين من ولايته الثانية فى مواجهة كونجرس يسيطر عليه الديمقراطيون، وهو ما سيحد من قدرته على تمرير التشريعات، ويمنح المعارضة سلطة أكبر فى مراقبة الإدارة والتحقيق فى قراراتها. وثانيها أن الحزب الجمهورى سيواجه نقاشًا داخليًا بشأن مستقبل التيار المرتبط بترامب، أو «الترامبية»، ومدى قدرته على الاحتفاظ بتأييد الناخبين بعد انتهاء ولايته. أما الدلالة الثالثة، فتتعلق بالحزب الديمقراطى نفسه، الذى نجح فى الانتخابات من خلال تحالف واسع ضم مرشحين تقدميين وآخرين معتدلين، لكنه لا يزال مطالبًا بتقديم برنامج سياسى واقتصادى متماسك استعدادًا لانتخابات الرئاسة عام ٢٠٢٨.
• • •
وبالنسبة للشرق الأوسط، فإن نتائج الانتخابات قد تمثل بداية مرحلة مختلفة فى العلاقة بين الولايات المتحدة والمنطقة، لكن حجم التغيير سيتوقف على التوازن بين الرئيس والكونجرس. فالرئيس الأمريكى يحتفظ بصلاحيات تنفيذية واسعة فى إدارة السياسة الخارجية والعمليات العسكرية، بينما يملك الكونجرس صلاحيات تتعلق بالتشريع والتمويل والرقابة والتعيينات. ومن ثم، فإن سيطرة الديمقراطيين على المجلسين تعنى زيادة القيود السياسية والمؤسسية على إدارة ترامب، دون أن تؤدى بالضرورة إلى تغيير فورى فى السياسة الأمريكية.
تأتى الحرب على إيران فى مقدمة الملفات التى قد تتأثر بهذا التحول. فقد تعرضت الإدارة لانتقادات بسبب تكاليف الحرب وتداعياتها الإقليمية والاقتصادية، ومن المتوقع أن يستخدم الديمقراطيون سلطاتهم الجديدة للمطالبة بمزيد من المعلومات حول أهداف العمليات العسكرية، وحجم الإنفاق، والنتائج التى تسعى واشنطن إلى تحقيقها. وقد يؤدى ذلك إلى زيادة الضغوط باتجاه التسوية الدبلوماسية، وإن كان احتمال التصعيد العسكرى سيظل قائمًا نتيجة استمرار صلاحيات الرئيس بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة.
أما العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، فتواجه بدورها مرحلة من المراجعة السياسية. فقد أظهرت الانتخابات تقدم مرشحين ديمقراطيين ينتقدون الدعم العسكرى غير المشروط لإسرائيل، ويطالبون بموقف أكثر وضوحًا تجاه حقوق الفلسطينيين. ويكتسب فوز عبد الرحمن السيد فى ميشيجان أهمية خاصة فى هذا السياق، نظرًا إلى مواقفه من الحرب فى غزة والمساعدات العسكرية لإسرائيل، فضلًا عن فوزه رغم الحملات التى استهدفته بسبب هويته الدينية ومواقفه السياسية. ومع ذلك، فإن الحزب الديمقراطى ليس كتلة واحدة فى هذا الملف، إذ لا تزال داخله تيارات تدافع عن العلاقات الاستراتيجية التقليدية مع إسرائيل، وأخرى تطالب بإعادة النظر فى طبيعة هذه العلاقات.
أما دول الخليج، فقد تواجه زيادة فى الرقابة البرلمانية على صفقات السلاح والعلاقات الأمنية والاستثمارات المرتبطة بإدارة ترامب. لكن استمرار الحرب فى المنطقة يجعل التعاون الأمنى مع هذه الدول جزءًا مهمًا من الحسابات الاستراتيجية الأمريكية. ولذلك، فمن المرجح أن نشهد نقاشًا أكثر حدة حول طبيعة هذا التعاون وشروطه، دون افتراض تراجع أهميته بالنسبة للولايات المتحدة.
• • •
نصل هنا إلى مصر، وهى ربما الحالة التى تكشف بوضوح تعقيدات العلاقة بين السياسة الداخلية الأمريكية ومصالح واشنطن الإقليمية. فالعلاقات المصرية الأمريكية تقوم منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام ١٩٧٩ على مجموعة من المصالح المشتركة، تشمل التعاون العسكرى، وأمن الملاحة فى قناة السويس، والاستقرار الإقليمى، والوساطة فى الصراع الفلسطينى الإسرائيلى. وقد حافظت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، الجمهورية والديمقراطية، على هذه العلاقة رغم الخلافات المتكررة حول ملف حقوق الإنسان والحريات السياسية فى مصر.
الملف الأول الذى قد يتأثر بنتائج الانتخابات هو المساعدات الأمريكية. فقد خصصت الولايات المتحدة لمصر فى السنة المالية ٢٠٢٦ مساعدات إجمالية تبلغ نحو ١٫٥ مليار دولار. ويرتبط الإفراج عن جزء من هذه الأموال بشروط تتعلق بحقوق الإنسان، مع وجود صلاحيات تسمح للإدارة الأمريكية بتجاوز بعض هذه الشروط لأسباب تتعلق بالأمن القومى. وفى سبتمبر الماضى، استخدم وزير الخارجية ماركو روبيو هذه الصلاحية للإعفاء من شروط حقوق الإنسان على ٣٢٠ مليون دولار من مساعدات سنة مالية سابقة، مبررًا القرار بأهمية الدور المصرى فى التعامل مع تداعيات الحرب على إيران.
ومع انتقال السيطرة على الكونجرس للديمقراطيين، يمكن توقع زيادة الضغوط المتعلقة بهذا الملف، خصوصًا من خلال لجان المخصصات والعلاقات الخارجية. وقد تتسع المطالبات بربط المساعدات بتحسين أوضاع حقوق الإنسان، بما يشمل قضايا الحبس الاحتياطى والسجناء السياسيين وحرية الصحافة والمجتمع المدنى. لكن التوازنات داخل الحزب الديمقراطى، وأهمية مصر بالنسبة للمصالح الأمنية الأمريكية، سيظلان عاملين مؤثرين فى تحديد السياسات الفعلية.
الملف الثانى يتعلق بالعلاقة بين الرئيسين عبد الفتاح السيسى ودونالد ترامب. فقد اتسمت هذه العلاقة بالتعاون فى القضايا الأمنية والإقليمية، خاصة ملف غزة، وهو تعاون يُتوقع أن يستمر خلال العامين المقبلين. لكن القاهرة ستتعامل مع واقع مؤسسى جديد، يتمثل فى وجود رئيس جمهورى وكونجرس ديمقراطى، بما يجعل إدارة العلاقات مع المؤسسات التشريعية الأمريكية أكثر أهمية. ومن هنا، فإن تنويع قنوات التواصل مع القيادات الديمقراطية ورؤساء اللجان البرلمانية سيصبح ضرورة دبلوماسية، خاصة فى الملفات التى تتطلب موافقة الكونجرس أو تمويله.
أما الملف الثالث فيتعلق بالقضية الفلسطينية. فمصر كانت ولا تزال طرفًا رئيسيًا فى جهود الوساطة المتعلقة بغزة، وتكتسب هذه الأهمية أبعادًا جديدة مع صعود تيارات داخل الحزب الديمقراطى، وأصوات أخرى داخل الحزب الجمهورى، تطالب بإعادة تقييم الموقف الأمريكى من إسرائيل. وقد يتيح ذلك للقاهرة فرصًا لتوسيع التنسيق مع أعضاء الكونجرس بشأن المساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار، وترتيبات الأمن والحوكمة فى القطاع.
وهناك أيضًا البعد الاقتصادى، الذى قد يكون الأكثر تأثيرًا على حياة المصريين. فاستمرار الحرب فى إيران والتوترات فى البحر الأحمر يفرض ضغوطًا على أسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية، ويؤثر بصورة مباشرة على الاقتصاد المصرى وإيرادات قناة السويس. وإذا ساهمت نتائج الانتخابات فى دفع الإدارة الأمريكية نحو التهدئة الإقليمية، فقد تستفيد مصر من انخفاض تكاليف الطاقة وتحسن حركة الملاحة. أما استمرار التصعيد، فسيعنى استمرار الضغوط الاقتصادية، بغض النظر عن الحزب الذى يسيطر على الكونجرس.
• • •
فى النهاية، تكشف الانتخابات الأمريكية الأخيرة عن حقيقة مهمة، وهى أن المؤسسات السياسية قادرة على إعادة توزيع السلطة ومحاسبة الحكومات من خلال العملية الانتخابية، حتى فى ظل الاستقطاب الحاد والخلافات السياسية العميقة. وهى مسألة تستحق التأمل فى السياق المصرى؛ حيث يظل بناء مؤسسات سياسية قوية، وتوسيع المشاركة العامة، وضمان المنافسة الانتخابية الحقيقية، من الشروط الأساسية لتسليم سلس وآمن للسلطة، بالإضافة إلى تحسين الأداء الحكومى وتعزيز ثقة المواطنين فى الدولة.
أما على مستوى العلاقات المصرية الأمريكية، فإن نتائج الانتخابات تفتح مرحلة قد تجمع بين استمرار التعاون الاستراتيجى وزيادة الخلافات السياسية. ولن تتحدد طبيعة هذه المرحلة من خلال الانتماء الحزبى لأعضاء الكونجرس وحده، وإنما من خلال قدرة القاهرة على إدارة علاقاتها مع المؤسسات الأمريكية المختلفة، والتعامل مع التغيرات الإقليمية، وتقديم رؤية واضحة لمصالحها وأولوياتها. فالتغير فى واشنطن قد يخلق فرصًا وضغوطًا جديدة، لكن الاستفادة من الأولى والتعامل مع الثانية يعتمدان فى النهاية على السياسات التى تتبناها مصر نفسها.
أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر