عبارة نسمعها كثيرًا هذه الأيام، ونسمع ونقرأ كثيرًا عن الدورات التدريبية لتعليم والتدريب على التفكير خارج الصندوق.
هذا النمط من التفكير أصبح علمًا يُدرَّس.. ولو سألت نفسك ما الداعى إليه، وما الغرض من تهافت الناس على الدورات التدريبية حول هذا الشأن، لأدركت كم نحن بحاجة إلى أن نفكر خارج الصندوق.. لكثرة مشكلاتنا التى تحتاج إلى شىء من الصبر والبصيرة. معنى التفكير خارج الصندوق يعرفه كل إنسان، ولكن ربما لا يستطيع صياغة معناه بالشكل الدقيق.
والمقصود بالتفكير خارج الصندوق أى الخروج عن نمط التفكير بالطريقة التقليدية. إن حل أى مشكلة يأتى بطريقتين: إما بالخبرة المكتسبة، وهى نتاج محاولات سابقة لمشكلة مشابهة، وقد تُوِّجت بالنجاح، وأحيانًا كثيرة بالفشل، أو بالابتكار؛ حيث نجد أن أكثر مديرى الشركات والمؤسسات لديهم الحلول التقليدية، مع أن الابتكار قد يكون مجازفة، ولكنه حل إبداعى ناجم عن التفكير والإحاطة بأبعاد المشكلة من جذورها، ثم التفكير بصوت عالٍ فى خطوات الحل، ومشاركة الآخرين فيه.
لنعد قليلًا إلى الوراء.. فقد عجز رواد وكالة ناسا الفضائية الأمريكية عند وصولهم إلى القمر عن الكتابة بالقلم الأزرق وهم على سطح القمر، وذلك لانعدام الجاذبية، فخصصوا مئات آلاف الدولارات للبحث، واستطاعوا ابتكار قلم خاص للكتابة بتكلفة باهظة، بينما استطاع علماء الفضاء الروس حل المعضلة بطريقة أخرى بسيطة، فاستخدموا القلم الرصاص، والأمر سهل وميسّر وبلا تكلفة تُذكر.. لماذا؟ لأنهم فكروا خارج الصندوق.
قد لا يكون هناك ما هو أفضل من ترسيخ مبادئ التفكير خارج الصندوق فى عقول الأطفال الصغار، فهناك بعض الوسائل والطرق التى قد تساعدك فى تنشئة مفكر صغير على التفكير خارج الصندوق. مثلًا، دع الطفل يلعب. قد تبدو هذه النصيحة بديهية وغريبة فى هذا الموضوع، ولكنها بالغة الأهمية لتحفيز التفكير، فالأطفال الصغار يحتاجون إلى قضاء بعض الوقت الممتع فى اللعب؛ لأن هذا يحفزهم على استخدام أيديهم وعقولهم وأبصارهم بشكل مستمر، ويسمح لهم بتطوير العديد من المهارات الأساسية. ولا بد من التحاور مع الطفل عن طريق توجيه الأسئلة له، مثل: ما الذى حصل برأيك؟ كيف تعتقد أن ذلك قد حصل؟ لِمَ قررت اختيار هذا الشىء؟ ماذا لاحظت فى هذا الشىء؟ عندما يتعلم الطفل طرق التفكير الإبداعى فى عمر صغير، فهو سيستمر بذلك ويقوم بتطوير ذلك مع مرور الوقت، لتصبح مهارة ناضجة يستفيد منها فى كافة مجالات الحياة العملية. وعندما تدرب طفلك على التفكير خارج الصندوق، سوف يصبح أكثر استعدادًا لتحديات الحياة. ولنكن صرحاء، أنشطتنا الكنسية، خاصة الشبابية، تحتاج إلى فكر خارج الصندوق لجذبهم إلى الكنيسة وأنشطتها، ولتكون فى تجدد مستمر.
عندما نتقن مهارة التفكير خارج الصندوق، سنكتسب مرونة عالية، ونصبح أكثر قدرة على تجاوز المشكلات والمجىء بأفكار مميزة فى الحياة العملية والحياة عمومًا، ونحن.. أما حان الوقت لكى نفكر خارج الصندوق؟
إن التفكير خارج الصندوق ليس مجرد مهارة نتعلمها، بل هو طريقة مختلفة فى النظر إلى الحياة، وشجاعة فى مواجهة المألوف، وقدرة على اكتشاف حلول لم نكن نراها من قبل. فكم من مشكلة استعصت علينا لأننا أصررنا على التفكير بالطريقة نفسها! وكم من فكرة بسيطة استطاعت أن تصنع تغييرًا كبيرًا! نحن بحاجة إلى أن نمنح عقولنا مساحة للتجديد، وأن نتعلم كيف نرى الأمور من زوايا مختلفة، سواء فى حياتنا أو فى مؤسساتنا أو فى أنشطتنا، فالتجديد لا يعنى أن نتخلى عن ثوابتنا، بل أن نبحث عن طرق أكثر إبداعًا للتعبير عنها والوصول بها إلى الآخرين.