لماذا ينتفض الأمريكيون ضد تشييد مراكز البيانات؟ - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الخميس 8 أكتوبر 2026 8:45 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

لماذا ينتفض الأمريكيون ضد تشييد مراكز البيانات؟

نشر فى : الخميس 8 أكتوبر 2026 - 7:40 م | آخر تحديث : الخميس 8 أكتوبر 2026 - 7:40 م

يبتعد بيتى الواقع داخل واشنطن 25 دقيقة بالسيارة عن مقاطعة لودون (Loudoun) بولاية فيرجينيا المجاورة؛ حيث يوجد أكبر تجمع لمراكز البيانات (Data Center) فى العالم. وتحتضن المقاطعة، التى تزيد مساحتها قليلًا على مساحة حى مصر الجديدة بالقاهرة، ما يقرب من 250 مركزًا للبيانات. وتشير تقديرات مهنية متخصصة إلى وجود ما يقرب من 12 ألف مركز للبيانات حول العالم، تمتلك الولايات المتحدة ما يقرب من نصف هذا العدد، وتأتى ولاية فيرجينيا فى مقدمة الولايات الأمريكية بما يقرب من 600 مركز للبيانات، تليها ولاية تكساس بما يقرب من 450 مركزًا، ثم كاليفورنيا بـ300 مركز.


وعلى مدى السنوات الأخيرة، لم يكترث المواطنون الأمريكيون عمومًا بأنشطة بناء مراكز البيانات بالقرب من أماكن سكنهم، إلا أن الأمر اختلف بصورة كبيرة منذ بداية عام 2026 مع انفجار ثورة الذكاء الاصطناعى، وبدء حمى تشييد المزيد من هذه المراكز، وازداد النقاش سخونة مع قرب انتخابات الكونجرس المقرر لها الثالث من نوفمبر المقبل. وأشار استطلاع حديث لمنظمة جالوب إلى أن 70% من الأمريكيين يعارضون بناء مركز بيانات ذكاء اصطناعى جديد فى مناطقهم.


• • •
تنفق كبريات شركات التكنولوجيا مليارات الدولارات على إنشاء مراكز البيانات التى تعد بمثابة العمود الفقرى لآليات وتطبيقات وتشغيل منظومة الذكاء الاصطناعى. وتستهلك هذه المراكز كميات ضخمة من الكهرباء ومصادر الطاقة الأخرى، والمياه، وتسبب ضجيجًا سمعيًا لا يمكن تجاهله. كذلك تتمتع تصميمات مراكز البيانات بالقبح، فهى مبانٍ ضخمة جامدة بدون نوافذ، وتخلو من أى ديكورات أو جماليات مما يسبب ضجيجًا بصريًا لا يمكن تجاهله. ويجمع الخوفُ من انخفاض أسعار العقارات فى المناطق القريبة من مراكز البيانات الناخبين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، كما يخشى المواطنون من ارتفاع تكلفة استهلاكهم للكهرباء والمياه بسبب وجود هذه المراكز فى مناطقهم.


وفى الثالث من نوفمبر، سيقرر ملايين الناخبين الأمريكيين فى العديد من الولايات الأمريكية مصير ومستقبل هذه المراكز؛ حيث تدرس عدة ولايات وعدد من المقاطعات والمدن فرض حظر كامل على تشييد مراكز البيانات على أراضيها.


وتمثل ولاية أوهايو أكثر الحالات سخونة من خلال السباق على مقعد مجلس الشيوخ بها، إذ أنفق المرشح الديمقراطى شيرود براون أكثر من 3.5 مليون دولار فى إعلانات تليفزيونية تصف السيناتور الجمهورى المنافس جون هوستد بأنه «دمية فى يد مراكز البيانات»، مستشهدًا بسجله السابق المشجع لتشييد مراكز بيانات على أراضى ولاية أوهايو عندما كان نائبًا لحاكم الولاية. وترد حملة هوستد بأن مراكز البيانات مفيدة ويجب أن تبقى قرارًا محليًا عند مستوى المقاطعات، وألا تفرضه الحكومة الفيدرالية أو سلطات الولايات.


لم يقتصر الأمر على أوهايو، إذ تستعر الحملة الانتخابية فى ولايات بنسلفانيا وتكساس وويسكونسن مرتكزة على قضية تشييد مراكز البيانات وما يرافقها من منح تسهيلات وإعفاءات ضريبية لمشيدى هذه المراكز من شركات ضخمة، منها أمازون ومايكروسوفت وجوجل.


• • •
صاغ الكثير من مرشحى الحزب الديمقراطى القضية على أن المواطنين من دافعى الضرائب يدعمون احتياجات بعض أغنى شركات التكنولوجيا فى العالم، ويطالبون بأن تتحمل شركات التكنولوجيا كامل تكلفة توصيل شبكات الكهرباء والطرق والمياه لمناطق هذه المراكز، بل يذهب بعضهم لمطالبة هذه الشركات بتوليد الكهرباء بأنفسهم أو دفعهم لاستخدام أهداف الطاقة النظيفة فى بعض الولايات.


ويعرف الحزب الديمقراطى انقسامًا بين تيار تقدمى يريد حظر البناء، وبين تيار وسطى يروج لأن وجود هذه المراكز يعنى المزيد من الوظائف، والمزيد من الضرائب، وأن ذلك يدعم نقابات العمال التى تشيد هذه المراكز.


وفى المقابل، يواجه الجمهوريون انقسامًا داخليًا أكثر حدة من الديمقراطيين، إذ جعل الرئيس دونالد ترامب التوسع فى بناء مراكز البيانات محور رؤيته للهيمنة الأمريكية فى الذكاء الاصطناعى، واصفًا مراكز البيانات بأنها بيضة من ذهب، وحذر من أن الصين ستكون سعيدة بهذه الحملة ضد تشييد مراكز البيانات على الأراضى الأمريكية. وحذر رئيس مجلس النواب مايك جونسون من أن الحظر الواسع لتشييد مراكز البيانات سيكون خطرًا على الأمن القومى الأمريكى، فى الوقت الذى يسعى فيه حكام ولايات جمهورية الهوى -مثل أركنساس وكانساس وكنتاكي- لجذب الشركات الضخمة لتشييد مراكز بيانات على أراضيها. ويضع ذلك الكثير من المرشحين الجمهوريين فى مأزق، إذ تتردد القاعدة الريفية والشعبوية للحزب الجمهورى فى قبول بناء مراكز بيانات على أراضيهم، فى الوقت الذى يشجع فيه ترامب التوسع فى تشييد المزيد من هذه المراكز.


• • •
فى يوليو 2025، أصدر البيت الأبيض الأمر التنفيذى رقم 14318 لتسريع التصاريح الفيدرالية لبناء مراكز البيانات الضخمة التى لا تقل تكلفة بنائها عن 500 مليون دولار. ووقع ترامب أمرًا تنفيذيًا جديدًا فى ديسمبر الماضى للحد من قدرة الولايات على تقييد أو تنظيم الذكاء الاصطناعى، ولم يتمكن من تقييد قدرة الولايات فيما يتعلق بتشييد المراكز؛ لأن تقسيم الأراضى واستخدامها يخص الولايات والسلطات المحلية فى المقاطعات والمدن.


وقبل شهور، أصبحت ولاية نيويورك أول ولاية تفرض حظرًا لبناء مراكز بيانات جديدة على مستوى الولاية لمدة عام واحد. ويبحث الكونجرس سن قانون لحماية السيطرة المحلية على حقوق تشييد مراكز البيانات.


• • •
ولا يعرف أحد مصير النقاش المجتمعى المتعلق ببناء مراكز البيانات مع الانتخابات القادمة، ولا يريد أحد أن تخضع الولايات للسلطة الفيدرالية، ولا يريد أحد أن يحظر البناء بصورة كاملة. يدرك الأمريكيون أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعى واقع جديد وذات أهمية استراتيجية، وإذا لم يتم بناؤها على الأراضى الأمريكية، فستنتقل للبناء فى مناطق أخرى.


ويبحث الأمريكيون عن تسوية مقبولة ترتكز على وضع معايير واضحة وشفافة لاحتياجات هذه المراكز واستهلاكها من الطاقة والمياه والبنية التحتية والطرق وإجراءات السلامة، على أن تتحملها شركات التكنولوجيا، مع ترك قرارات تحديد الموقع بيد الولايات والمقاطعات.

 

كاتب صحفى متخصص فى الشئون الأمريكية يكتب من واشنطن

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات