مصر أمام عالم يتغير جذريًا - نبيل الهادي - بوابة الشروق
السبت 4 أبريل 2026 7:15 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

مصر أمام عالم يتغير جذريًا

نشر فى : الخميس 2 أبريل 2026 - 7:35 م | آخر تحديث : الخميس 2 أبريل 2026 - 7:35 م

هل نتجه الآن للعيش فى عالم مختلف كليًا عما كنا عليه قبل شهرين من الآن، كما يعتقد بعض المفكرين؟ بعضهم يجادل بأن طرق عيشنا السابقة ربما لن تعود أبدًا إلى ما كانت عليه. ولأننا ما زلنا فى بداية هذا الزلزال الكبير، ربما يجادل البعض بأن هذا ليس صحيحًا. على كل حال، نحتاج إلى التفكير بجدية فى هذه اللحظة الخطيرة علينا فى مصر، كما هى على الآخرين فى العالم.
طرح الدارس والمهتم بقضايا البيئة الأمريكى نيت هيجينز، فى الرابع والعشرين من مارس، من خلال مقال يسجل البودكاست الخاص به، الذى يحمل عنوان «التبسيط العظيم»، ويتناول بالأساس المأزق الإنسانى الحالى. ويستضيف نيت، منذ سنوات عديدة، العديد من العلماء والفلاسفة والناشطين، وقد عنون المقال الأخير بـ«الأسئلة غير المريحة». ولأن النسبة الأكبر من مستمعى هذا البودكاست هى من خارج الولايات المتحدة، لأن الموضوعات التى يغطيها تشمل همًا عامًا للعديد من البشر فى أنحاء الكوكب، رأيت أن أنقل تلك الأسئلة، لأنها ربما تسهم فى تشكيل أرضية لنقاش لاحق.
• • •
أول سؤال يطرحه هو عن الاستقرار مقابل النمو، وفيه يتناول وضعنا خلال معظم حيواتنا، حيث أصبح الوضع القياسى فى مجتمعاتنا هو النمو والتوسع وطلب المزيد من كل شىء. لكن ماذا سيحدث لو تغير هذا الواقع وتحول السؤال إلى: ما القدر الذى سننمو به؟ وهل يمكن أن نظل مستقرين؟
سؤال نيت هيجنز هنا هو: إذا كان المجتمع فى بلدك يتجه من «النمو» إلى «الاستقرار» كهدف رئيسى، فما التأثيرات التى سيحدثها ذلك على حياتنا وخططنا؟ وماذا ستريد أن يكون محميًا أولًا؟ وما الذى ستكون راغبًا فى التخلى عنه؟
ثانى سؤال هو عن تدرج المعاناة، حيث ينسى الناس فى الأوقات المستقرة الفارق الطفيف بين الحياة "العادية" وبين الحياة المبنية على الخوف. وعندما تتهدد المنظومات الحاكمة لتلك الحياة، يظهر تدرج بين الذين لديهم هامش يبقيهم هادئين، وهؤلاء الذين لا يملكون هامشًا. وهذه الفئة الأخيرة تختبر المستقبل أولًا، ليس لأنهم أضعف، ولكن لأنهم أقرب للحافة. حتى وإن كانت المسببات تتعلق بالمنظومة ككل، فإن المعاناة لا تتوزع بالتساوى، وغالبًا ستكون أقل مساواة فى التوزيع مستقبلًا، وهو ما يطرح سؤالًا أخلاقيًا غير مريح: ما مسئولياتك تجاه الناس الذين يختبرون المستقبل قبلك؟ ومن خلال إطار أوسع، ما مسئولياتك تجاه المنظومات البيئية والكائنات الأخرى؟
ثالث سؤال هو عن قضية المعنى، حيث يظن العديد من الناس أن الكارثة التى نعيشها تقنية بالأساس: الطاقة، المناخ، والاقتصاد. لكن هناك مستوى آخر؛ يعيش العديد من الناس حياة مريحة، لكن ربما بلا معنى. متصلين بصورة كبيرة بالعالم (عن طريق الإنترنت وشبكات التواصل)، ولكنهم فى الوقت نفسه فى وحدة. يتسلون (فى معظم الوقت)، لكنهم لا يرتاحون. وعندما يتآكل المعنى والغاية، تنفتح مجالات خصبة للإدمان والهروب والنزعات السلطوية. المعنى هو فى الحقيقة عامل اتزان للمجتمعات، وليس رفاهية. والسؤال هو: إذا كان بوسعك أن تقوم بتصميم حياتك لتوليد معنى، فما الذى ستقوم به أولًا؟
رابع سؤال هو عن حجم الدولة، وفيه يناقش ما طوره بناءً على محاورات مع ريد ميلوى ونانسى ماكويليامز، وما أصبح يشعر بأنه حقيقى بصورة متزايدة: أن الناس، أفرادًا وجماعات صغيرة، غالبًا ما يكونون أفضل حالًا من الجماعات الأكبر. وهذا ليس لأن الأفراد قديسون، ولكن بسبب أن المقياس الصغير نفسه يغير من الحوافز التى نرثها من خلال السلوك المتوارث. عندما نتحرك من مقياس القرية إلى مقياس الأمة، لا تكون النتيجة فقط عددًا أكبر من السكان، ولكن منظومة اجتماعية جديدة تكافئ الظهور واليقين والصراع والفوز. وهذه المنظومة تولد تأثيرًا عندما يكون هناك عدد صغير من الشخصيات القوية بصورة غير طبيعية وذات عقليات استراتيجية يمكنها تسيير الإشارة أكثر بكثير مما يسمح به عددها. وبالتالى فإن (الشخص) المتوسط يتم سحبه بعيدًا عن السلوك الوسطى.
والسؤال يمكن بلورته كالتالي: إذا كانت بلد ما تُقاس بأكبر المخرجات، فما مسئولية المواطن العادى عن الإشارات والرسائل التى ترسلها دولهم للعالم (هو هنا يركز على بلده الولايات المتحدة)؟ وأين تنتهى أو تقف تلك المسئولية؟ إذا كان العصر القادم ليس عصرًا للتمدد ولكن للاستقرار، فماذا يجب على الولايات المتحدة أن تعرف؟
خامس سؤال هو عن تشعب وانقسام الذكاء الاصطناعى، وهو انقسام بسيط موجود بين الناس الذين أصبحوا متفوقين فى استخدام أدواته، والذين يستخدمونه بسطحية (أو لا يستخدمونه على الإطلاق). وهذا يحدث أمام أعيننا، وسيصبح هذا الانقسام أهم مما يعتقد الكثيرون.
مراكز البيانات، والرقائق، وتدريب النماذج لها شهية كبيرة لاستهلاك الكهرباء والماء وتطوير شبكات الطاقة. وفى بيئة اقتصادية محكمة، فإن تلك المدخلات سوف تتوقف عن كونها أشياء مجردة، وستبدأ بالظهور فى صورة فواتير أعلى للخدمات، ومعدلات أعلى، وشجار محلى على مواقع مراكز البيانات، وإحساس عام بأن وحشًا كبيرًا يتم إطعامه فى خلفية حياة الناس اليومية.
يخلق هذا وضعًا مربكًا فى العام وما بعده: التقنية التى تزداد فى عدم شعبيتها، لكنها ما تزال تتمدد، والجمهور الذى سيبدأ فى ربط الذكاء الاصطناعى مع تكاليف الحياة اليومية فى المنزل. ويصبح السؤال: ماذا سيحدث عندما تصبح تقنية ما يبغضها الكثير من الناس مدعومة ماليًا من عامة الناس من خلال فواتير منزلية عالية؟ وفى عالم محدود الطاقة والمياه، ما القاعدة الأخلاقية لتخصيص الموارد النادرة للذكاء الاصطناعى مقابل احتياجات المنزل والخدمات الأساسية؟
سادس سؤال هو عما يسمى بـ«شتاء الذكاء الاصطناعى» (حين ينخفض الطلب عليه لفترة معينة)، والذى من الممكن أن يحدث خلال الأعوام القليلة المقبلة. وهذا لن يكون انهيارًا لقدرات الذكاء الاصطناعى، لكنه بمثابة إعادة تشغيل للضجيج والتقديرات المحيطة به، لأن العالم المادى سيكون غير قادر على مجاراة المقياس السريع للمضاربات المالية.
الرقائق، ومراكز البيانات، وترقية الشبكات، والنحاس، والمياه، وحفنة من المعادن النادرة، ستشكل عنق زجاجة. إذا حدثت إعادة التشغيل، فربما ستكون واحدة من آخر الفرص لتشكيل القواعد والمقاييس والبنية التحتية قبل الانطلاقة القادمة. ويمكن صياغة السؤال هنا: لو تم تقليل التمويل للذكاء الاصطناعى وقل الاهتمام به، ماذا يجب أن نفعل خلال هذا التوقف لتحسين المخرج بعيد المدى؟ وما مطبات التهدئة التى ستضعها قبل الانفجار القادم فى استخدامه؟
السؤال السابع هو عن النقاء مقابل الفعالية. فخلال التاريخ، كان الفاعلون الملتزمون بالتراكم والسيطرة والمكسب يستخدمون الأدوات المتاحة، وسيستخدمونها مبكرًا وبلا هوادة، مما يعنى أن الضبط سيكون نوعًا غريبًا من العيوب. بقول آخر، الاختيار الأخلاقى سيبدو أقل فعالية. بصورة أوسع، تظهر مشكلة التنسيق. إذا قرر عدد كبير من الناس المهتمين بالمستقبل القابل للعيش عدم استخدام أقوى أدوات التنسيق، سيصبح السؤال المهم ما إذا كانوا ما زالوا قادرين على التواصل والتنظيم وأن يكونوا فعالين فى عالم يتغير سريعًا. ويصبح السؤال: أين يقع الخط الفاصل بين النزاهة ونزع السلاح الشخصى؟ عندما تستخدم السلطة كل أداة، هل تتعلم أن تمارس مع التحفظ (أو خيار آخر مخفٍ)؟ ما قواعد الاشتباك لاستخدام الأدوات والوسائل القوية دون أن تصبح ما (كنت وما زلت) تعارضه؟
• • •
انتهى مؤتمر المناخ فى بيليم البرازيلية فى نوفمبر من العام الماضى بخيبة أمل كبيرة لعلماء المناخ والناشطين والمهتمين من أمثالى، لأن القمة كان من المفترض أن تعلن بداية انتهاء الاعتماد على الوقود الأحفورى، لأنه بدون ذلك فإن مستقبل الحضارة البشرية فى خطر. للأسف، انتصرت المصالح المرتبطة بشركات النفط، وتم فعليًا وضع البشرية على مسار لا يمكن لها النجاة معه.
جاءت هذه الحرب غير القانونية والشريرة على إيران لتشمل، فى إحدى تبعاتها، انتهاء عصر الاعتماد على النفط فى الاقتصاد العالمى. ما زال الناس يدركون شيئًا فشيئًا فداحة اعتمادنا على النفط، ليس فقط فى إنتاج الطاقة، لكن أيضًا فى إنتاج الغذاء، وفى إنتاج الأدوية ووسائل العلاج، وغير ذلك كثيرًا. ولا شك أن هذا التخلى سيكون مؤلمًا لنسبة كبيرة من البشرية، لكنه ربما يحمل معه أيضًا إمكانية لبناء مستقبل آخر.
ليست هناك حلول واضحة بمعنى خطوات محددة ذات نتائج معروفة، وربما لن يكون، لكن هناك مسارات واستجابات قد تكون قادرة على تخفيف المعاناة والمساهمة فى إنقاذ البشر والطبيعة. ولحسن الحظ، فإننا نعمل على تطوير مساراتنا واستجاباتنا المحلية خلال السنوات العشر الماضية.

التعليقات