فى يوم ٢٦ من شهر يونيو الماضى، أعلن المركز الأوروبى للأبحاث النووية Centre Européen de Recherche Nucléaire، المعروف باسمه المختصر CERN، إغلاق المعجل التصادمى الكبير Large Hadron Collider (LHC) حتى عام ٢٠٣٠، لأعمال الصيانة والتطوير، لرفع كفاءته وقدراته.
ولعل قطاعًا كبيرًا من الجمهور فى مصر لم يسمع عن هذا الخبر، الذى أثار انتباه العالم، وانطلقت معه إشاعات من إعلام الإثارة والصحف الصفراء، تروج بأن الإغلاق تم بسبب الخطر الذى يمثله المعجل على كوكب الأرض، وأن الأبحاث التى تُجرى فيه تسعى إلى خلق ثقب أسود يمكن أن يدمر كوكبنا تمامًا!
ولأن الغرب يمتلك إعلامًا علميًا منتشرًا ومحترمًا، يحرره نخبة من العلماء المتخصصين، ويتناوله كوادر معدة إعدادًا جيدًا من المراسلين العلميين، فقد تم تفنيد هذه المزاعم التى يروجها المتربحون من الإثارة، وعرض الأمر بأسلوب علمى حرفى سليم.
أما نحن، حيث اختفى الإعلام العلمى من حياتنا، فلم نسمع شيئًا عن إغلاق المعجل، بل إن القطاع الأكبر من الجمهور لا يعلم أصلًا ما هو المعجل التصادمى الكبير، أو يعلم شيئًا عن وظيفته أو أهميته.
أتطلع أن أسد الثغرة فى إعلامنا، المتمثلة فى الإعلام العلمى، راجيًا ألا يعتبر ذلك تطلعًا أو تطفلًا على أهل العلم.
• • •
نشأت فكرة سيرن أثناء الاجتماع الحكومى لليونسكو فى باريس فى ديسمبر ١٩٥١، بإنشاء مركز أوروبى للأبحاث النووية، بموافقة ١٢ دولة، هى: بلجيكا، والدنمارك، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، والنرويج، والسويد، وبريطانيا، ويوغوسلافيا، وتم إشهاره بعد سنتين.
وجاء إشهاره بعد فترة قصيرة من نهاية الحرب العالمية الثانية، التى انتهت باستخدام القنابل الذرية لأول مرة فى التاريخ، الأمر الذى سبب صدمة فى العالم، وقلقًا شديدًا على مستقبل البشرية، فى وجود أداة يمكن أن تدمر الكوكب وتقضى على البشرية.
حرص إعلان إنشاء سيرن على ذكر أن أبحاثه لا تتطرق إلى الجانب العسكرى لاستخدام الذرة، وأن تكون كل الأبحاث متاحة للعلماء والباحثين، ومنشورة فى الدوريات العلمية.
نشط سيرن منذ البداية فى أبحاثه، وطور العديد من الأدوات التى تدعم هذه الأبحاث معمليًا، منها تطوير المعجل الخطى Linear Accelerator وجهاز Synchrocyclotron، ثم توجت جهوده ببناء المعجل التصادمى الكبير Large Hadron Collider، وهو مشروع عملاق بلغت تكلفة بنائه ٤,٧٥ مليار دولار، وتبلغ مصاريف تشغيله السنوية ٢٥ مليون دولار، واستغرق العمل فى بنائه عشر سنوات، من عام ١٩٩٨ حتى عام ٢٠٠٨.
والمعجل عبارة عن نفق يبلغ طوله ٢٧ كيلومترًا، يمثل حلقة تمتد على عمق ١٥٠ مترًا تحت الأرض بين فرنسا وسويسرا، ويبلغ قطر النفق ٣,٨ متر، وشارك فى تصميمه، ويشارك فى إدارته، ١٠٠٠٠ عالم من جميع أنحاء العالم، ومن أكثر من ١٠٠ جامعة.
ويتم داخل النفق إطلاق الجزيئات بسرعات فائقة فى اتجاهات عكسية، فتتهشم عند الاصطدام، بما يمكن العلماء من دراسة مكوناتها والتعرف على خصائصها.
وبعد إطلاق الجزيئات يقوم الجهاز بتعظيم سرعتها، ومن ثم مسمى المعجل أو المسرع Accelerator، لتصل إلى سرعة قريبة من سرعة الضوء، ويتم ذلك عن طريق سلسلة من المغناطيسات يبلغ عددها عشرة آلاف مغناطيس، وتعد هذه المغناطيسات، فى حد ذاتها، أعجوبة علمية، فأسلاك اللفائف الكهربائية Coils مصنوعة من التيتانيوم المغطى بالنحاس، ويستخدم فى تبريدها ٩٦ طنًا من الهيليوم السائل، لتبريدها إلى درجة ٢٧١,٢٥ درجة مئوية تحت الصفر، أو أعلى من الصفر المطلق Absolute Zero بأقل من درجتين، أو بحسب القياس العلمى إلى ١,٩٤ درجة كلفن، مما يجعل الأسلاك موصلًا فائقًا Superconductor. ومن المفارقات أن الحرارة التى تتحقق عند اصطدام الجزيئات وتهشمها تصل إلى ٥,٥ تريليون درجة مئوية، أى إن المعجل تتحقق داخله أعلى درجة حرارة يولدها البشر، وكذلك أدنى درجة برودة قدروا على تحقيقها.
• • •
تتولى أجهزة رصد دقيقة تسجيل وتحليل البيانات التى تنجم عن تحطم الجزيئات عند تصادمها، ويحتاج التسجيل إلى أجهزة ذات دقة متناهية، فبعض ما ينتج عن الاصطدام لا يتجاوز مدة حياته واحدًا على ألف من الثانية، وتتيح هذه المعلومات فهم تكوين وتشكيل المواد، وتتيح القدرة على تشكيلها وهندستها. وقد مكنت قدرة LHC الفائقة على الرصد من التأكيد المعملى لوجود الجزىء المعروف بـ بوزون هيجز (Higgs Boson)، الذى اقترحه العالم البريطانى بيتر هيجز بناءً على حسابات نظرية فى سنة ١٩٦٢، إلا أنه تعذر تأكيد وجوده معمليًا حتى تم ذلك فى عام ٢٠١٢ فى المعجل التصادمى الكبير، بعد نصف قرن من الزمان، وقد مد الله فى عمر العالم الكبير ليرى تحقيق نظريته، وحصل على جائزة نوبل فى الفيزياء عام ٢٠١٣.
ويستهلك LHC ٢٠٠ ميجاوات من الكهرباء، أى يقارب ما تولده محطة السد العالى من الطاقة الكهربائية.
أتاح الإعلام العلمى الواعى تفنيد ما يروج له الباحثون عن الترند والشهرة من خزعبلات، وأوضحوا أنها ليست المرة الأولى التى يغلق فيها المعجل، بل سبق ذلك إغلاقه فى الفترة من ٢٠١٢ إلى ٢٠١٥، ومن الفترة من ٢٠١٨ إلى ٢٠٢٢، من أجل أعمال الصيانة والتطوير ورفع القدرات.
حرصت على التعليق على خبر علمى خطير أهمله إعلامنا، للأسف، بسبب انعدام الإعلام العلمى من حياتنا، وحرصت على إعطاء نبذة عن التكنولوجيا الفائقة والمبهرة التى توجد فى هذا المشروع العظيم. ولعلى أشير فى الختام إلى بلاد حصلت على صفة المراقب والمتابع، منها البرازيل، وشيلى، والهند، ومن إقليمنا تركيا، وبالطبع إسرائيل، وللأسف خلت القائمة من مصر والدول العربية.