كأن الأرض لا يكفيها ما يحدثه أهلها من دمار بسبب حروبهم التى لا تنتهى، والتى ظلت مستعرة منذ قتل قابيل أخاه هابيل، وأخرج عفريت القتل والعنف من القمقم ولم يقدر أحد على إعادته إلى محبسه، فها هى الآن تتعرض لخطر داهم يأتى من حيث لا تحتسب، من الفضاء الخارجى!
كشف علماء الفضاء والفلك من خلال المراصد والتليسكوبات والحسابات الفلكية الدقيقة عن مذنب يبلغ طوله ٤٠٠ متر، ويقدر وزنه بـ٦٠ مليون طن يقترب من الأرض بسرعة تبلغ ١٣ ألف كيلومتر فى الساعة، ليصل إلى أقرب نقطة من الأرض وهى مسافة ٣٢ كيلومترًا فى يوم ٢٩ أبريل ١٩٢٩.
ورغم أن الحسابات العلمية التى أجريت بواسطة أجهزة الكمبيوتر فائقة القدرة طمأنتنا بأنه لن يضرب الأرض إلا أن الأمر يظل مثيرًا للقلق لأن المسافة التى تفصله عن الأرض هى المسافة التى يدور فى فلكها الأقمار الصناعية التى أطلقناها منذ بداية عصر الفضاء.
وبالنظر إلى القدرة التدميرية الهائلة لهذا المذنب التى تعادل القوة التدميرية لمائة ألف ميجا طن من الـTNT ويترك فجوة فى الأرض اتساعها 5 كيلومترات يتفحم كل ما بها تاركًا دمارًا شديدًا يمتد لمسافة مئات الكيلو مترات فقد أطلق عليه علماء الفلك اسم Apophis، وهو اسم الثعبان الأسطورى الذى يتبع مركب الشمس التى يركبها الفرعون المتوفى لتحمّله إلى مملكة السماء وتعكس التسمية احترام علماء الفلك والفضاء للحضارة المصرية القديمة وإنجازاتها العلمية فى مجال الفلك.
• • •
لم تكن هذه المرة الأولى التى يشعر فيها البشر بالتهديد من السماء ويظل الوعى العلمى البشرى يفكر فيما وقع قبل ظهور البشر على الأرض منذ ٦٦ مليون سنة عندما ضرب مذنب يبلغ طوله ١٥ مترًا شبه جزيرة يوكاتان Yukatan فى المكسيك، وخلف فجوة فى الأرض بلغ قطرها ١٥٠ كيلومترًا، وتسبب الدمار الذى نتج عنه والسحابة الترابية التى حجبت أشعة الشمس وغيرت المناخ على الأرض فى انقراض الديناصورات والعديد من المخلوقات الأخرى.
وهناك أيضا حالات أخرى من اصطدام المذنبات شاهدها البشر لعل أهمها: حادث تونجوسكا Tanguska الذى وقع فى روسيا عندما دوى انفجار هائل يوم ٣٠ يونيو ١٩٠٨ بلغت قوته ألف مرة قوة انفجار قنبلتى هيروشيما وناجازاكى معا، أدى إلى دمار كامل لمساحة قدرها ألفا كيلومتر مربع وتفحم ٨٠ مليون شجرة، ومن المفارقات أنه رغم هذا الكم الهائل من الدمار فلم يقتل فى هذه الحادثة إلا ثلاثة أشخاص، لأنها منطقة نائية منعزلة تكاد تخلو من السكان وتأخرت الدراسات العلمية للحادث، بسبب انشغال روسيا بتداعيات حربها الكارثية مع اليابان، ثم الثورة البلشفية، والحرب الأهلية فلم يصل إلى المنطقة العلماء إلا فى عام ١٩٢٧، وأظهرت الدراسات أن الحادث سببه انفجار مذنب يبلغ طوله ٦٠ مترًا أثناء دخوله الغلاف الجوى للأرض على ارتفاع ما بين ٥ و١٠ كيلومترات.
ولعل المقاربة بين المذنب «أبوفيس» الذى يبلغ طوله حولى ٤٠٠ متر، ومذنب تانجوسكا الذى لا يتجاوز طوله ٦٠ مترًا يوضح لنا مدى الدمار الذى نجت منه الأرض.
• • •
لعل نجاة الأرض من كارثة دمار هائل كان يمكن أن يصيبها لو انحرف المذنب جزءًا من درجة أثناء رحلته فى الفضاء تجعلنا نتنبه إلى الأخطار التى تحيط بكوكبنا فى جوار فضائى يغص بالمذنبات والكويكبات التى يمكن أن تتجه إلى الأرض، بسبب تغيرات فى جاذبية الكواكب والأفلاك حولنا، وأول تراكم للأجسام الفضائية فى مجموعتنا الشمسية هو حزام الكويكبات Asteroid Belt الذى يفصل بين الكواكب الصخرية الصغيرة عطارد والزهرة والأرض والمريخ وبين الكواكب الغازية العملاقة المشترى وزحل وأورانوس ونبتون، ويتكون من حوالى مليون كويكب تتراوح فى أحجامها بين أحجار صغيرة إلى كتل صخرية يبلغ قطرها كيلو متر إلى كويكبات يبلغ طولها ٢٠٠ كيلومتر.
وهناك أيضًا حزام كويبر Kuiper belt الذى يحيط بالمجموعة الشمسية وهو أكبر مائة مرة من حزام الكويكبات، ومكوناته أكبر، وقد أخرج علماء الفلك بلوتو من قائمة الكواكب وأدخلته ضمن حزام كويبر، إضافة إلى ذلك سحابة أورت Oort Cloud التى تضم بلايين من الأجسام الجليدية التى تحوى ركامًا فضائيًا قد يشكل خطرًا على الأرض.
وبالنظر إلى وعى الفلكيين وعلماء الفضاء بجسامة الأخطار المحيطة بالأرض دشنت وكالة ناسا للفضاء بمشاركة جامعة جونز هوبكنز الأمريكية برنامج Double Asteroid Redirection Test، المعروف اختصارًا بـDART.
نتج عن البرنامج مركبة قوية البنية تتحمل التصادم سرعتها عالية وتبلغ ٢٤ ألف كيلومتر فى الساعة تصحبها مركبة أصغر لتصوير وتسجيل التجربة لدراسة نتيجتها، وحققت التجربة نتيجة تاريخية يوم ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٢ عندما اصطدمت المركبة DART بالكويكب Dimorphos الذى يبلغ حجمه حجم استاد رياضى كبير وحولت مساره بنجاح.
تستخدم هذه التقانة أسلوب لاعب البلياردو الذى يطرق الكرة بزاوية لتوجيه مسارها، ويحتاج الأمر إلى دراسة لتكوين الجسم المستهدف، وهل يتحمل الصدمة دون أن يتفتت ويتناثر ركامه فيسبب أضرارًا كبيرة؟ يحتاج ذلك إلى رحلة المركبة NEAR Shoemaker التى نجحت فى أن تكون أول مركبة فضائية تهبط على مذنب فى الفضاء حين هبطت على المذنب Eros 433 يوم ١٢ فبراير ٢٠٠١، وهو يسير بسرعة ٥٥ ألف كيلومتر فى الساعة على بعد ٣١٥ مليون كيلومتر من الأرض.
• • •
إنجازات علمية هائلة ومبهرة تجرى فى الفضاء لعلها تطمئنا على مستقبل كوكب الأرض، وأنها لن تروح ضحية حادث تصادم مدوٍ مثل حوادث التصادم التى تقع على طرقنا السريعة، لكنها على قدر ما تطمئنا فإنها تثير القلق. فما أدرانا أن الذى يملك القدرة على تحويل مسار مذنب بعيدًا عن الأرض لن يستخدم هذه القدرة على توجيه مذنب لضرب بلد آخر فى صراع أو خلاف معه.
هذه هى قدرة العلم والتكنولوجيا القادرة على تأميننا وتهديدنا فى آن واحد، فلنعد أنفسنا للحاق بركب العلم والتكنولوجيا عسى أن يكون فى ذلك نجاتنا.
عضو المجمع العلمى المصرى