التجربة المصرية فى إضعاف الدولة - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الخميس 25 فبراير 2021 4:37 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد السماح بعدم حضور الطلاب في المدارس.. كولي أمر:

التجربة المصرية فى إضعاف الدولة

نشر فى : الأحد 20 أغسطس 2017 - 9:40 م | آخر تحديث : الأحد 20 أغسطس 2017 - 9:40 م

الدولة المصرية دولة قادرة، ولكنها تفتقد الفاعلية. أممت قناة السويس وأدارتها بكفاءة، ونفذت فى بداية ستينيات القرن الماضى خطة للتصنيع حققت أهدافها، وشيدت السد العالى، وشنت حرب أكتوبر التى ألحقت فى بدايتها هزيمة مهينة بالعدو الإسرائيلى، وقاومت موجات الإرهاب فى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى وانتصرت عليها، ودعت إلى توسيع قناة السويس وأتمت ذلك فى عام واحد. ومع ذلك لم تنجح فى بلوغ أهداف أخرى لا تقل أهمية مثل محو الأمية الذى كان شعارا لأول حكومة منتخبة فى مصر المستقلة، ولا فى إصلاح الجهاز الحكومى، وهو ما شرعت فيه بعد ذلك بسنوات، وهى الآن تخفق إخفاقا صارخا فى النهوض بالتعليم وبالمؤسسات الصحية، وطبعا فى تأمين سفر عامة المواطنين برا فى السكك الحديدية أو على الطرق.
كما تحصل الجانب الأكبر من إيراداتها من خلال الضرائب غير المباشرة التى يدفعها محدودو الدخل من المواطنين بينما تفرض أدنى معدلات الضريبة على الدخل فى العالم فى الضرائب المباشرة التى هى مؤشر حقيقى على قوة الدولة،. كما فشلت فشلا ذريعا فى الحد من الاعتداء على الأراضى الزراعية.
ما هو سر هذا التناقض بين القدرة والفاعلية، بين امتلاك جيش يقال إنه واحد من أكبر عشرة جيوش فى العالم، وجهاز شرطى يتجاوز فى حجمه القوات المسلحة، وبيروقراطية تغطى بمكاتبها كل أرجاء الوطن وكل الأنشطة الجارية فيه، وبين الفشل فى إلزام المواطنين باتباع شروط البناء فى المدن والريف، أو باحترام قواعد المرور، التى يصل انتهاكها إلى حدود لا تعرفها أى دولة فى العالم، متقدمة أو متخلفة، مثل ركن السيارات ساعات طويلة على الكبارى للتمتع بنسمات النيل طوال الليل، مصحوبا بتناول أقداح الشاى أو بعض السندويتشات ممن يكتسبون قوتهم على أرصفة الكبارى وعلى مسمع ومشهد رجال الشرطة؟
ما هو سر التناقض بين القوة الصلدة التى تملكها الدولة المصرية وبين افتقادها للقوة الناعمة فى مواجهة مواطنيها، أى أن تتمكن من إقناعهم باتباع القواعد التى سنتها لهم؟ اقتربت مقالة الكاتب منذ أسبوعين على صفحات الشروق من تقديم بعض الإجابة على هذه المسألة بتوصيف الدولة فى مصر بأنها تملك خصيصة واحدة منقوصة لقوة الدولة، وهى استقلالها فى صنع قراراتها وإنفاذها فى مواجهة قوى المجتمع، وهى خصيصة منقوصة لأن هذا الاستقلال النسبى معقود لواحدة فقط من مؤسساتها، وهى المؤسسة العسكرية، ولكن تفتقده مؤسسات الدولة الأخرى خصوصا المؤسستان التشريعية والقضائية، وذلك لصالح المؤسسة الأولى. كما تفتقد الدولة فى مصر الخصيصة الثانية، وهى أن يكون هذا الاستقلال مصحوبا برضاء المجتمع. وقد أعرب المواطنون المنتظمون فى جمعيات ونقابات عن رفضهم للكثير من سياسات الدولة، ولا يجد أغلبية المواطنين سبيلا للتعبير عن مواقفهم، وفسر رئيس الدولة هذا الصمت من جانبهم فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية على أنه علامة على الرضا.
***
ويطرح هذا المقال أسبابا لافتقاد الفاعلية من جانب الدولة المصرية مسترشدا بكتابات العلوم السياسية. إذ تقدم هذه الكتابات تفسيرا لفاعلية الدولة يقوم على عدد من الخصائص التى يجب أن تتوافر فى أجهزتها منها حصانتها فى مواجهة المجتمع، أى كونها تشكل حائطا مصمتا فى مواجهة قوى اجتماعية أو طوائفية تريد النفاذ إليها ودفعها لتبنى مصالحها الضيقة، ومنها كذلك تماسك أجهزة الدولة فى مواجهة القوى الاجتماعية، وتعدد أساليب أجهزة الدولة فى سعيها لإنفاذ إرادتها. وليتذكر القراء أن تلك هى خصائص الدولة القوية، أى التى تستقل بصنع سياساتها على أساس تفضيلاتها هى وإنفاذها وتحظى فى الوقت ذاته بتأييد قوى المجتمع. وليس هناك تناقض بين استقلال أجهزة الدولة بصنع سياساتها وإنفاذها وتمتعها فى ذات الوقت بتأييد المجتمع، لأن سياسات الدولة يجب أن تكون ترجمة لمشروع قومى تصوغه أجهزة الدولة على نحو تلتقى معه كل القوى الاجتماعية المكونة للدولة وتجد فيه على الأقل بعض مصالحها، ومن ثم يكون عمل الدولة لتحقيق هذا المشروع هو سبيلها أيضا لكسب الشرعية.

الحصانة الانتقائية

الشرط الأول لفاعلية الدولة هو أن تتمتع بالحصانة فى مواجهة المجتمع. فلا يستطيع أصحاب المصالح الخاصة النفاذ إلى داخل جهاز الدولة لترويضه ودفعه لتحقيق مصالحهم. لماذا؟. لأن جهاز الدولة يعمل وفقا لقواعده، وهى قواعد عامة مجردة هدفها تحقيق المصلحة العامة وتعزيز كفاءة هذا الجهاز فى أداء عمله وكذلك فى كسب الشرعية من المواطنين. تجد هذه القواعد مصدرها فى دستور الدولة وقوانينها ولوائح الأجهزة الحكومية والمقبولة عموما من جميع المواطنين. ومن ثم فلا مناص لمن يريد أمرا من الدولة أن يلتزم بهذه القواعد. لا يمكن القول بأن الدولة فى مصر لا توجد بها مثل هذه القواعد، ولكنها تفتقد المصداقية، فهناك أمثلة كثيرة فى القضايا المحالة للمحاكم وفى التاريخ التشريعى لمصر والخلفية الاجتماعية لمن نجحوا فى الانضمام إلى أجهزة الدولة، وخصوصا تلك التى تغدق على العاملين بها امتيازات لا يتمتع بها العاملون فى أجهزة الدولة الأخرى ولا الأغلبية الساحقة من المواطنين، على أن حصانة الدولة انتقائية بامتياز. هى حائط أصم فى مواجهة الأغلبية، ولكنه حافل بالثقوب فى مواجهة مواطنين آخرين.
ما هى أسباب هذه الحصانة الانتقائية؟ الواقع أن أجهزة الدولة ذاتها هى التى تسهم فى إضعاف فاعليتها وتدعو المواطنين إلى التشكك كثيرا فى عدالة ونزاهة القواعد القانونية التى يجب أن تتمسك بها فى مواجهة المجتمع وتكسبها الشرعية. المصدر الأول لهذه القواعد هو الدستور، وقد استهزأت جميع حكومات مصر بالدستور، سواء فى العهد الملكى أو العهد الجمهورى. أوقف العمل بدستور 1923 مرتين وهو الدستور الذى ارتضاه الحزب الذى كان بلا شك يمثل أغلبية المصريين لأن هذا الدستور كان يشكل قيدا على ممارسات الملك رأس البلاد الذى كان يرفض أن ينازعه فى السلطة أحد لا البرلمان المنتخب، ولا الحكومة المنبثقة عن هذا البرلمان، وألغى الضباط الأحرار عندما كان على رأسهم اللواء محمد نجيب العمل بهذا الدستور فى 16 يناير 1953 وحلت محله وثائق عديدة كلها كرست تركيز السلطة فى يد رئيس الدولة. وعدل السادات دستور 1971 ليمدد لنفسه فى رئاسة البلاد، وحذا مبارك حذوه. وعندما حاول دستور 2014 إشراك مجلس النواب فى تشكيل الحكومة وإقالتها أو إقالة بعض أعضائها، وشدد على اقتصار رئاسة البلاد على مدتين لا تتجاوزان ثمانى سنوات، نهض أعضاء من السلطة التشريعية وصحفيون معروفون بالدعوة إلى تعديل الدستور بحجة أنه يقيد من سلطات رئيس الجمهورية على الرغم من أن رئيس الجمهورية لم يواجه أى عقبة دستورية فى تنفيذ ما يريد سواء فى مجالات السياسة الداخلية وفى مقدمتها الاقتصاد أو السياسة الخارجية أو حتى تشكيل مجلس الوزراء وتعديله.
***
السبب الثانى لافتقاد الحصانة يأتى كذلك من جانب أجهزة الدولة ذاتها. صحيح أن المقصود بالحصانة هو أن تكون فى مواجهة قوى المجتمع، ولكن أجهزة الدولة ذاتها تستخدم مواقعها لتحويل الدولة لكنز لا يفنى لامتيازاتها، وقد انتهزت الظروف التى سادت مصر بعد يوليو 2003 لتكرس مواقعها.
وفقا لدستور 2014 لابد من موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على أى قوانين تتعلق بالقوات المسلحة، وميزانية القوات المسلحة تطرح على مجلس النواب كرقم واحد، ورئيس الدولة عليه أن يحظى بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على من يختاره وزيرا للدفاع والذى يجب أن يكون واحدا من الضباط العاملين. وموافقة المجلس الأعلى للشرطة والمجلس الأعلى للقضاء ضرورية قبل الموافقة على أى قانون يتعلق بهذين الجهازين، وهناك رسوم خاصة بالشرطة وبالقضاء يجب أن يدفعهما المواطن الذى يحتاج أيا من خدماتهما على الرغم من أن الضرائب التى يدفعها المواطنون تسهم فى تمويل نشاط كل هذه الأجهزة. ولن أستفيض فى الحديث عن امتيازات أعضاء هذه الأجهزة فهى أمر معروف، وقد يكون له ما يبرره فى الظروف التى تمر بها البلاد. ولكن تطويع الدستور والقوانين لخدمة مصالح فئوية يكشف عن انهيار حصانة الدولة أمام بعض أجهزتها وخدمة لمصالح فئوية. أضف إلى ذلك الانطباع السائد بأن الالتحاق بهذه الأجهزة قاصر على أبناء من يعملون بها، وهو ما دافع عنه علنا وزير سابق للعدل.
السبب الثالث لافتقاد حصانة أجهزة الدولة هو المكانة النسبية المتدنية للقانون فى مواجهة العرف فى الثقافة السياسية المصرية. لا يرى كثيرون من المواطنين أن قواعد القانون يجب أن تكون شرطا لالتحاق أبنائهم وبناتهم بأجهزة الدولة حتى ولو افتقدوا شروط التعيين فى هذه الأجهزة أو فى تعلية مبانيهم على غير ما تقتضى قواعد البناء أو البناء على أرض زراعية. العرف يقضى بمجاملة الأقارب، أو الجيران، سكان المنطقة التى يتم فيها تشييد مشروع عام أو خاص، مثل المحطة النووية فى الضبعة أو ميناء سفاجا. فى هاتين الحالتين وجدنا قبائل الضبعة والبحر الأحمر تحاصر الموقعين مطالبة أن تكون الأولوية فى التعيين فى هذين المشروعين لأبناء وبنات المنطقة المجاورة بصرف النظر عن اعتبارات الكفاءة وحاجة العمل. كما أن التقاليد المرعية وغير الرسمية فى جهاز الدولة هى توريث الوظائف للأبناء أيا كانت مؤهلاتهم.
***

غياب التماسك الداخلى والتعويل على الإذعان:

ويضعف من فاعلية جهاز الدولة فى مصر افتقاد التماسك داخله، والخلاف حول قانون الاستثمار داخل مجلس الوزراء مثالٌ على ذلك، واعتراض الهيئات القضائية على تعديل قوانينها ليكون رئيس الدولة هو من يملك سلطة تعيين رؤسائها مثالٌ آخر على ذلك. كما يضعف من هذه الفاعلية تعويل الحكومة على أسلوب واحد فى التعامل مع المواطنين، وهو القهر الإدارى أو السياسى أو الأمنى، ووقوفها عاجزة عن اتباع أسلوب الحوار أو تقديم الحوافز لإنفاذ سياساتها. ولنا فى تعامل الحكومة مع منظمات المجتمع المدنى فى موضوع قانون الجمعيات مثال، وفى عجز الحكومة عن حل قضية سكان جزيرة الوراق مثال آخر.
الحديث عن أسباب افتقاد الدولة المصرية لفاعليتها حديث ذو شجون. ولا يعرف كاتب هذه السطور إن كان له صدى لدى من يخصهم الأمر.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات