• وتمنح القارئ فرصة النظر إلى الأحداث من زاوية الإنسان العادي
قال المحامي والحقوقي مالك عدلي إن رواية «دماء على خرائط الشرق» أعادت إلى القارئ جوانب من التاريخ افتقدها منذ فترة طويلة، خصوصا تاريخ الناس العاديين، مؤكدا أن الأدب يستطيع أحيانا أن يسد فجوة لا ينجح المؤرخ في الوصول إليها، وهي استعادة أسماء وتجارب الأشخاص الذين عاشوا الأحداث ولم تحفظ كتب التاريخ تفاصيل حياتهم.
وخلال ندوة مناقشة الرواية التي عقدت مساء أمس الثلاثاء في مكتبة ريد سي بمقرها في المعادي، وأدارها الكاتب والناقد عماد العادلي، أشار عدلي إلى وجود محاولات لدى عدد من الكتاب المصريين لتقديم هذا النوع من الكتابة، إلا أن بعض هذه المحاولات ظلت أقرب إلى القراءة التقريرية للتاريخ، ولم تصل دائما إلى المستوى نفسه في المزج بين الحدث التاريخي والعمل الأدبي.
وتحدث عدلي عن تجربته الشخصية في اكتشاف جانب مختلف من سيرة السيد أحمد البدوي، موضحا أنه كان يتعامل معه في البداية باعتباره واحدا من الأولياء، وأن احترام الناس له باعتباره شخصية دينية كان أمرا مفهوما بالنسبة إليه، إلى أن فوجئ بوجود مسلسل إذاعي من إنتاج الإذاعة المصرية تناول سيرة السيد أحمد البدوي وقدمه باعتباره شخصية مقاومة مسلحة، وهو جانب مختلف عما كان يعرفه عنه، الأمر الذي جعله يعيد النظر في الشخصية وفي الروايات المرتبطة بها.
وأوضح عدلي أن هذه التجربة تتصل مباشرة بما تفعله «دماء على خرائط الشرق»، إذ تعيد الرواية اكتشاف جوانب من التاريخ لا تظهر بالضرورة في السرد الرسمي، وتؤكد أن تاريخ الناس العاديين قد يكون الجزء الأهم من التاريخ العمراني والاجتماعي.
وأشار إلى أن بعض المؤرخين حاولوا الاقتراب من هذه المنطقة، مستشهدا بالمؤرخ خالد فهمي، الذي حاول في بعض أعماله أن يروي التاريخ من وجهة نظر المجندين، بدلا من الاكتفاء برواية تاريخ محمد علي من منظور السلطة، إلا أن المشكلة تظل في الوصول إلى أسماء هؤلاء الأشخاص وتفاصيل حياتهم، وهنا يستطيع الأدب أن يعوض هذه الفجوة.
واستعاد عدلي في هذا السياق تجربة الكاتب محمد المنسي قنديل، مشيرا إلى روايتي «يوم غائم في البر الغربي» و«كتيبة سوداء» بوصفهما نموذجا لكتابة أدبية تتحرك وسط أحداث تاريخية حقيقية، وتستعيد أشخاصا وأحداثا من الماضي من خلال حكاية روائية، بحيث لا يكون التاريخ مجرد خلفية للعمل.
وأضاف أن هذا النوع من الكتابة ظل، في تقديره، قليلا في الأدب المصري، رغم وجود تجارب مهمة، معتبرا أن «دماء على خرائط الشرق» تنتمي إلى هذا المسار، لكنها تقدم مساحة واسعة من التاريخ والأحداث والشخصيات، وتربط بين ما يحدث في مناطق مختلفة من العالم.
وأوضح عدلي أن قيمة الرواية لا تتوقف عند استعادة التاريخ، وإنما تكمن أيضا في الطريقة التي تجعل بها الأدب أكثر إنسانية، إذ لا تكتفي بسرد الأحداث، وإنما تنظر إلى الإنسان الذي عاشها، وتكشف كيف يمكن لما يحدث في مكان ما من العالم أن يؤثر في جماعات بشرية تعيش في مكان آخر.
ورأى عدلي أن «دماء على خرائط الشرق» تمثل واحدة من الأعمال الأدبية الكبيرة التي غابت مثيلاتها لفترة، مشيرا إلى صعوبة تقديم أعمال روائية بهذا الحجم في الوقت الراهن، سواء من حيث الجهد الذي تتطلبه الكتابة أو تحديات النشر والتسعير، إلا أن الرواية، في رأيه، تستحق مكانتها لأنها تعيد وصل الأدب بالتاريخ وتمنح القارئ فرصة للنظر إلى الأحداث من زاوية الإنسان العادي.