مصطفي الفقي يكتب: دول المغرب العربى والأزمة الليبية - بوابة الشروق
الثلاثاء 11 أغسطس 2020 8:31 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

مصطفي الفقي يكتب: دول المغرب العربى والأزمة الليبية


نشر في: الإثنين 6 يوليه 2020 - 6:54 م | آخر تحديث: الإثنين 6 يوليه 2020 - 6:54 م

بلدان الشمال الإفريقى بإمكانها الإسهام الفعال فى حل اشتباكات جارتها فهى صاحبة المصلحة الحقيقية بالاستقرار

منذ استقلال الجزائر فى مطلع ستينيات القرن الماضى وهناك حالة استقرار نسبى فى الشمال الإفريقى، ولم يأخذ ذلك الإقليم اهتماما إعلاميا منذ ذلك الحين حتى وقعت أحداث الربيع العربى فى ليبيا وسقوط حكم القذافى، ومنذ ذلك الحين أصبحت المسألة الليبية مطروحة أمام القوى الدولية والإقليمية على السواء، ودخل ذلك الشعب الذى عانى أكثر من أربعين عاما فى ظل حكم ديكتاتورى مضطرب يستحيل التنبؤ بقراراته، أو فهم كثير من تصرفاته فى منحنى خطير، وأصبحت ليبيا فى نظر الطامعين لقمة سائغة بما فيها من نفط، وغاز، وساحل طويل على البحر الأبيض، ومساحات شاسعة من الأراضى؛ لأن ليبيا كانت مملكة فيدرالية تحت حكم آل السنوسى؛ لذلك فإن أطماع كل طرف اتجهت نحو إقليم بذاته خصوصا الأقاليم الثلاثة الرئيسة برقة وطرابلس وفزان فضلا عن أهمية بعض المدن الاستراتيجية مثل سرت ومصراتة، بالإضافة إلى كل من طرابلس وبنى غازى مع تداخل قبلى وعشائرى له تأثيره فى الحياة السياسية ومستقبل البلاد، ولما أطلت دول الجوار على مسرح الأحداث فى ليبيا أدركت أننا أمام قضية شائكة ومشكلة معقدة واحتمالات مفتوحة للصراع بين القوى المختلفة، فسعى إليها الرئيس التركى رجب طيب أردوغان بجسر جوى مفتوح يحمل آلاف المرتزقة من الجماعات الإرهابية وفلول تنظيم داعش ليصنع منهم ركيزة تضعه على مائدة المفاوضات حول مستقبل الدولة الليبية، وهو يستدعى التاريخ العثمانى فى أسوأ مراحله ويريد أن يضع قدما دائمة فى ذلك البلد العربى الإفريقى، وكان لا بد أن تقلق مصر وتونس والجزائر والسودان وغيرها من الدول المحيطة بالقطر الليبى، وكانت مصر أكثرهم قلقا وأشدهم حرصا على وحدة التراب الليبى وسلامة أراضيه، خصوصا أنها تحتفظ بشريط حدودى طويل مع ليبيا يمتد لما يقرب من ألف ومائتى كيلومتر، فضلا عن التداخل القبلى والامتداد السكانى.
ففى مصر خمس محافظات على الأقل من أصول مغاربية، بل وليبية تحديدا، وهى محافظات مرسى مطروح والبحيرة والفيوم والوادى الجديد وغرب المنيا وصولا إلى الحدود السودانية. وأتذكر شخصيا أننى كنت أعيش بمدينة دمنهور فى بناية كبيرة تحتل أربع شقق منها عائلات ليبية، فالتداخل السكانى بين المصريين والليبيين أمر معروف، بل إن مدينة الإسكندرية كانت حاضنة لجاليات ليبية يمتد نشاطها حتى السلوم، كما أن قبائل أولاد على مثّلت نسيجا مشتركا بين الشعبين الليبى والمصرى، أما الجزائر فهى دولة شديدة المراس قوية البأس تنظر إلى ليبيا نظرة القطر الشقيق، وهى بالطبع أقرب إلى الإقليم الغربى من الفيدرالية الليبية، كذلك فإن الشعب التونسى يرتبط بالشعب الليبى بأقوى الأواصر وأشد الصلات ويشترك معهم فى ذلك دول أخرى مثل السودان وتشاد ومالى، أما أن يهبط عليهم ذلك السلطان العثمانى الجديد المعبر عن الحركة الإسلامية المتطرفة فى السنوات الأخيرة، فإن ذلك أمرٌ يبدو وكأنه محاولة لسكب الزيت على النار وإشعال الحرائق صباح مساء.
سياسة حرق المراحل
وإذا كنا نعترف أن المشرق العربى قد شغلنا جميعا بمشكلاته وأزماته وفى مقدمتها القضية العربية الأولى المتمثلة فى المشكلة الفلسطينية بتعقيداتها وملابساتها وتعدد الأطراف فيها، فالشمال العربى الإفريقى قد ساند دائما قضايا المشرق ووقف إلى جانبها، ويجب أن نتذكر أن دولة مثل تونس احتضنت مقر الجامعة العربية لعدة سنوات فى ظل ظروف إقليمية معروفة بعد اتفاقيات كامب ديفيد، كما أنها استضافت القيادة الفلسطينية لسنوات أيضا، كما أن أطول مظاهرة عرفتها المدن المغربية فى السنوات الأخيرة كانت احتجاجا على التدخل الأمريكى بالعراق، فعروبة دول المغرب ليست محل جدال، لذلك فإننا نأسف أن الاتحاد المغاربى ليس له الوجود الذى كنا نتوقعه، وكان يمكن أن يسهم بحل الأزمة الليبية فى إطار ذلك الاتحاد الإقليمى، الذى أدى إلى ضعفه النزاع التقليدى بين الدولتين الشقيقتين الجزائر والمغرب، ولذلك أظن أن الأزمة الليبية كان يمكن أن تحل فى إطار دول الشمال الإفريقى بما فيها مصر، لأنها الدول صاحبة المصلحة الحقيقية فى استقرار تلك الدولة المترامية الأطراف.
أما ما نشهده اليوم فهو تعبير عن صراع الأطماع بين القوى المختلفة الساعية إلى استنزاف ثروات ذلك القطر العربى الإفريقى المتوسطى، وتبدو ليبيا موضع اهتمام خاص لدول أوروبية، ربما تتقدمها إيطاليا وفرنسا، فضلا عن ألمانيا وبريطانيا وإسبانيا، ناهيك عن اليونان وقبرص اللتين تراقبان التحركات التركية بقلق وحذر شديدين، ولعلنا نطرح هنا بعض الملاحظات المتعلقة بمستقبل ليبيا التى تعصف بها الرياح السياسية العاتية والأطماع الاقتصادية المتضاربة، ونوجز ذلك فيما يلى:
أولا: إن جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية لم تتمكنا حتى الآن من تحريك الصراع فى اتجاه إيجابى، والسبب ضعف قدرة التنظيم الدولى المعاصر عموما فضلا عن زحام المشكلات فى منطقة شرق المتوسط والساحل الإفريقى المطل على بحيرة الحضارات المسماة بالبحر المتوسط، فأصبح الأمر بكل المعايير جزءا من كل مترابط بحيث أصبح السلم والأمن الدوليين مرتبطان بكثير من العوامل التى لا تقف عند حدود معينة، كما أن سياسة المحاور التى ظهرت على السطح قد أدت هى الأخرى إلى تأجيج الصراع وإشعال نار الفتنة، فهناك محور تركى قطرى مدعوم من بعض الدول الكبرى، وهناك أيضا دور أمريكى ملتبس لا يبدو واضحا حتى الآن، وأظن أن الرئيس الأمريكى وإدارته فى جانب والمؤسسات الدستورية بالولايات المتحدة الأمريكية فى جانب آخر تجاه المسألة الليبية.
ثانيا: أظن أن الاتصالات بين دول شمال إفريقيا لم تصنع أرضية واحدة تمنع التدخل الأجنبى فى تلك الدولة الشقيقة وتدفعها نحو تسوية شاملة تحقق لها الاستقرار وتحول دون السيطرة الأجنبية على مقدراتها. نعم حاول المغاربة فى الصخيرات، وحاول الجزائريون من خلال الدبلوماسية الثنائية، وحاول الأوروبيون فى برلين. ولكن المشكلة المعقدة لا تزال تراوح مكانها بين حكومة الوفاق برئاسة السراج فى الغرب وبين قوى الجيش الوطنى بقيادة المشير حفتر فى الشرق، ولكن التساؤل المثير يدور حول قبول الدول الكبرى بالتدخل التركى فى ليبيا خصوصا أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعترض عليه ولكنها تخشى فقط تزايد التدخل الروسى فى تلك المنطقة.
ثالثا: إن ما جرى على الساحة الدولية جراء وباء كورونا قد ترك أثره فى المشكلات الإقليمية وأدى إلى بطء الوصول إلى قرارات حاسمة ومواقف محددة، بل وصرف الجهود الدولية لعدة شهور بعيدا عن الصراعات القائمة دولية وإقليمية، وعندما رأت الدول المختلفة التعايش مع ذلك الوباء الزائر بدأت المواقف تتضح أكثر، والنوايا تنكشف كما لم يكن ذلك من قبل، ولكننا لا نستطيع أن نغفل أن السبب الرئيس هو التزاحم على الثروة الليبية التى تبدو مطمعا أوروبيا مثلما الخليج مطمع أمريكى، ويجب ألا ننسى أن طيران الأطلنطى هو الذى ضرب ليبيا لإسقاط القذافى وضمان بقاء الدولة فى إطار من تحالفوا للسيطرة على ذلك الامتداد السياسى الكبير.
إننا نثمن هنا دور دول المغرب العربى ومصر فى الأزمة الليبية ونعترف أن دورهم كان إيجابيا فى معظم الأوقات، ولكننا نزعم فى الوقت ذاته أن التدخلات الأجنبية غير المبررة ومنها ما تمارسه البحرية التركية فى شرق المتوسط وعلى شواطئ ليبيا وجسر الطيران الممتد بعناصر من داعش ومجموعات إرهابية سوف تؤدى كلها إلى تأزم الموقف، ما لم يتم الوصول إلى حل ليبى ترتضيه كل الأطراف، خصوصا أن رئيس البرلمان عقيلة صالح قد اتخذ موقفا رافضا للتدخل التركى الذى يضع عمامة السلطان فوق رأسه وعباءة الخليفة حول جسده للتمويه وإيجاد المبرر، بينما لا تزال آلام شعوب المنطقة سواء فى الشرق الأوسط أو البلقان شاهدة على الاستعمار التركى بكل مآسيه ووحشيته التى تحتفظ بها ذاكرة الشعوب وتظل باقية فى وجدان الأمم.

نقلا عن إندبندنت عربية



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك