الشعور بأن الحياة بلا هدف قد يكون أصعب ما يواجه الإنسان في شيخوخته.
فكرت طويلًا في هذه الجملة، وتأملت من حولي وأنا أقترب من الخامسة والسبعين، فوجدتها من أصدق ما يمكن أن أقوله، وربما من أكثره إيلامًا.
فالإنسان يستطيع أن يحتمل كثيرًا من آلام الجسد، وأن يتكيف مع تراجع بعض قدراته، وأن يتصالح مع تغير صورته في المرآة، لكنه يجد صعوبة أكبر في احتمال شعوره بأنه لم يعد مطلوبًا منه شيء، وأن الأيام لم تعد تحمل له مشروعًا ينتظره، أو حلمًا يسعى إليه، أو إنسانًا يحتاجه، أو معرفة جديدة تثير فضوله.
الخطر الحقيقي في مرور سنين العمر، في تقديري، ليس فقط أن يضعف الجسد، بل أن يضعف الدافع إلى الحياة.
أن يصبح الماضي أكبر من المستقبل.
وأن يتحول الإنسان، من دون أن يشعر، من شخص يعيش حياته إلى شخص يتذكرها.
في الشباب، نعيش غالبًا متجهين إلى الأمام. نريد أن نتعلم، وننجح، ونحب، ونكوّن أسرة، ونبني مستقبلًا، ونثبت ذواتنا، ونحقق أحلامًا بعضها يتحقق وبعضها يتبخر.
ثم تمر السنوات، ويصبح للإنسان تاريخ طويل.
وهنا يكمن فخ خفي.
فقد يبدأ في العيش حول ما حدث بدلًا من التفكير فيما يمكن أن يحدث.
يتحدث عن الوظيفة التي شغلها، والنجاح الذي حققه، والمعارك التي خاضها، والأصدقاء الذين عرفهم، والأماكن التي زارها، والحب الذي عاشه.
ولا عيب في الذكريات؛ فالذاكرة جزء من هويتنا، وهي الخيط الذي يصل حاضرنا بماضينا ويجعلنا نشعر أننا الشخص نفسه عبر الزمن.
لكن المأساة تبدأ عندما تصبح الذاكرة المصدر الوحيد لمعنى الحياة.
فالذاكرة نفسها ليست مضمونة. إنها وظيفة بيولوجية تتغير مع العمر، وقد تتراجع تدريجيًا من دون استئذاننا. فإذا كان الإنسان قد بنى وجوده كله على ما كان، فماذا يبقى له حين يبدأ بعض هذا الماضي في الانزواء؟
لهذا أرى أن الإنسان يحتاج، مهما بلغ عمره، إلى شيء ينتظره في الغد.
مشروع لم يكتمل.
كتاب لم يقرأه.
فكرة لم يفهمها بعد.
مكان لم يزره.
إنسان يريد أن يسعده.
رأي مستعد لأن يغيره إذا اكتشف معرفة جديدة.
وحلم، ولو كان صغيرًا، لم يتحقق بعد.
أنظر إلى أصدقائي وإلى من حولي، وأنظر إلى نفسي، وأجدني أصل إلى تعريف بسيط للحياة:
أن تعيش هو أن تسعى.
أن تشعر.
أن تحب.
أن تناضل.
أن تتألم أحيانًا.
أن تفرح.
أن تشارك.
أن تخطئ وتراجع نفسك.
أن تتعلم شيئًا لم تكن تعرفه بالأمس.
أن يكون هناك صباح تستيقظ فيه لأن أمامك شيئًا تريد أن تفعله، وليس فقط لأنك لم تمت أثناء الليل.
فالوجود البيولوجي وحده ليس الحياة التي أقصدها.
القلب قد ينبض، والرئتان تتنفسان، والإنسان يأكل وينام ويستيقظ، لكن شيئًا جوهريًا قد يكون قد انسحب من داخله إذا فقد الفضول والرغبة والقدرة على المشاركة.
وأخشى أن يكون ذلك شكلًا من أشكال الموت ونحن ما زلنا نتنفس، وندّعي أننا أحياء.
«أنت تاعب نفسك ليه؟»
ولذلك أريد أن أقول شيئًا للأبناء والأحفاد وكل من يعيش حول إنسان متقدم في العمر:
انتبهوا إلى الكلمات التي تقولونها بحسن نية.
«إنت تاعب نفسك ليه؟»
«كفاية شغل واستريح.»
«ما يصحش تعمل كده في سنك.»
«ما تغامرشي.»
«سيبها للشباب.»
«إنت عملت اللي عليك.»
قد تبدو هذه العبارات محبة وحرصًا، وقد تكون كذلك بالفعل، لكنها أحيانًا تحمل رسالة أخرى لا نقصدها:
لقد انتهى دورك.
والإنسان لا يحتاج في شيخوخته إلى من يذكره كل صباح بأنه أصبح كبيرًا. جسده يفعل ذلك بكفاءة كافية!
ما يحتاجه هو من يحترم قدرته على الاختيار.
أن يقرر متى يعمل ومتى يستريح.
أن يسافر إن استطاع.
أن يحب.
أن يتعلم.
أن يستخدم التكنولوجيا الجديدة.
أن يكتب ويقرأ ويجادل.
أن يبدأ مشروعًا لا يعرف إن كان سيعيش حتى يراه مكتملًا.
فليس مطلوبًا أن يضمن الإنسان الوصول إلى نهاية الطريق حتى يحق له أن يبدأ السير فيه.
أظن أننا ظلمنا مفهوم الراحة حين جعلناها المكافأة الكبرى في نهاية العمر.
نقول للإنسان: تعبت بما يكفي، فاسترح.
ولكن ماذا لو كانت سعادته في العمل؟
ماذا لو كان عقله يرتاح حين يفكر؟
وماذا لو كانت الكتابة أو التدريس أو البحث أو الزراعة أو الرسم أو الموسيقى أو خدمة الآخرين هي التي تمنحه الشعور بأنه حي؟
الراحة حق، ولكنها ليست هدفًا وجوديًا.
وأحيانًا تكون الراحة الزائدة بداية الانطفاء.
الجسد يحتاج إلى الحركة كي يحتفظ بقدرته على الحركة، والعقل يحتاج إلى التحدي كي يظل حاضرًا، والمشاعر تحتاج إلى التواصل كي لا تجف.
وكما تحتاج العضلات إلى التدريب، فإن إرادة الحياة نفسها تحتاج إلى ممارسة.
وأنا على عتبة الخامسة والسبعين، لا أتمنى أن أعود شابًا.
لكل عمر جماله وثمنه، ولا معنى لمحاولة استعادة زمن انتهى.
لكنني أريد شيئًا آخر.
أريد أن أظل قادرًا على الدهشة.
أن أستمع إلى شاب في العشرين فأكتشف أنه يعرف شيئًا لا أعرفه.
أن أقرأ بحثًا علميًا يهدم فكرة كنت مقتنعًا بها، فأملك الشجاعة لأقول: كنت مخطئًا.
أن أتعامل مع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والطب الجديد وتغير المجتمع لا باعتبارها أشياء تهدد عالمي القديم، بل نوافذ تطل على عالم جديد ما زلت جزءًا منه.
فالشيخوخة الحقيقية ربما لا تبدأ عندما يبيض الشعر أو تضعف العضلات، وإنما عندما يقول الإنسان:
«أنا أعرف بما يكفي.»
حينها يغلق باب المستقبل بيده.
أما الفضول فهو، في رأيي، أحد أكثر أشكال الشباب عمقًا.
أريد أن أظل قادرًا على الحب والألم
وقد يبدو غريبًا أن يتمنى الإنسان أن يظل قادرًا على الألم.
لكنني لا أقصد المرض أو المعاناة لذاتها.
أقصد ألا أفقد حساسيتي تجاه الحياة.
أن يؤلمني حزن من أحب.
أن يغضبني الظلم.
أن تفرحني ضحكة حفيد.
أن تهزني الموسيقى.
أن يثيرني الجمال.
أن يقلقني مستقبل بلدي.
أن أظل قادرًا على الحب، لأن نقيض الحب ليس الكراهية دائمًا؛ أحيانًا يكون اللامبالاة.
وأخشى اللامبالاة أكثر مما أخشى الألم.
فالذي يتألم ما زال مرتبطًا بالعالم.
والذي يحب ما زال لديه ما يخسره.
والذي يحلم ما زال لديه مستقبل.
العمر لا يمنحنا الحق في احتكار الحكمة
ومن مزايا التقدم في العمر أن الإنسان يرى مساحات أوسع من الزمن، ويراكم خبرة لا يمكن اختصارها في الكتب.
لكن لهذه الميزة خطرها أيضًا.
فقد تتحول الخبرة إلى غرور، والحكمة إلى وصاية، والذاكرة إلى اعتقاد بأن الماضي كان دائمًا أفضل.
ولذلك فإنني أريد، كلما تقدمت في العمر، أن أتعلم شيئًا يبدو متناقضًا:
أن أثق في خبرتي، ولكن ألا أعبدها.
أن أنصح أبنائي وأحفادي، ولكن أترك لهم حق الاختلاف معي.
أن أحكي لهم ما تعلمته، دون أن أطالبهم بأن يعيشوا حياتي مرة أخرى.
فهم أبناء زمن غير زمني، كما كنت أنا ابن زمن مختلف عن زمن أبي وجدي.
ربما تكون إحدى أجمل هدايا العمر أن يصبح الإنسان جسرًا بين الأجيال، لا حارسًا على بوابة الماضي.
لا أحد يعرف كم بقي له من السنوات، ولا يعرف ذلك أحد في أي عمر.
لكنني أعرف كيف أريد أن أعيشها.
أريد أن أظل قادرًا على الحب والألم.
أن أتعلم الجديد.
أن أتوافق مع متغيرات العلم والمعرفة.
أن أكتب وأفكر وأناقش.
أن أكون حاضرًا في حياة أسرتي، لا مجرد صورة في تاريخها.
وأن أستمر، ما استطعت، في صنع فارق في وطني، حتى لو أصبح هذا الفارق أصغر مما كان في سنوات سابقة.
فالقيمة ليست دائمًا في حجم الأثر، بل في استمرار الرغبة في صنعه.
إنها إرادة إيجابية، لكنها ليست مجرد قرار نتخذه مرة واحدة.
إنها تحتاج إلى ممارسة وتدريب واستمرار.
نحتاج أن ندرب أجسادنا على الحركة، وعقولنا على التعلم، وقلوبنا على الحب، وأرواحنا على الأمل.
وأظن أن علينا، كل صباح، مهما كان عمرنا، أن نجد إجابة عن سؤال صغير:
ما الشيء الذي يستحق أن أنهض من أجله اليوم؟
قد تكون الإجابة مشروعًا كبيرًا.
وقد تكون صفحة نكتبها.
أو كتابًا نقرأه.
أو حفيدًا نستمع إليه.
أو صديقًا نسأل عنه.
أو فكرة نعيد النظر فيها.
أو شجرة نزرعها ونحن نعرف جيدًا أننا قد لا نجلس يومًا في ظلها.
لا يهم.
المهم أن يكون هناك غدٌ داخلنا.
فالحياة لا تُقاس فقط بعدد السنوات التي عبرناها، وإنما بمقدار ما بقي فينا من رغبة في العبور.
وعلى عتبة الخامسة والسبعين، لا أطلب من الحياة أن تعيد إليّ شبابي.
أطلب شيئًا أجمل:
أن تترك لي فضولي.
وقدرتي على الحب.
وشجاعتي على التغيير.
ورغبتي في أن أصنع فرقًا.
فما دام أمام الإنسان شيء يسعى إليه، وإنسان يحبه، وفكرة يتعلمها، وقضية تستحق منه موقفًا، فإنه لم يصبح مجرد ذكرى بعد.
الحياة جميلة، وتستحق ألا نكتفي بأن نبقى فيها…
بل أن نعيشها، ونشعر بها، حتى آخر الطريق.