لا يمر «الأستاذ» محمد حسنين هيكل على المشهد فى طلاته القليلة، إلا ويحفز بما يطرحه العقول، أو يثير غبارا يبقى بعد أن يمر، ويفتح مناطق جدل ربما كنت تعرفها وتشاهدها، لكن الفارق أن «الأستاذ» يمنحك توصيفا دقيقا لما قد تراه عاديا، فإذا به متعمق فى تفاصيل دقيقة يبدو عرضها وكأنك أضأت «مصباحا» كان مغلقا فى العقول.
وفى مقدمة حواره المنشور فى صحيفة الأهرام، التى انفرد فيها بطرح رؤاه قبل أن يشتبك مع محاوريه فى حلقة ثانية تنشر اليوم، طرح «الأستاذ» العديد من الأفكار حول الحالة المصرية متحدثا عن الأوهام والفرص والتحديات التى تحوط بالنموذج الثورى المصرى بتفاعلاته ومكوناته، ما بين إدارة وشباب ثائر وشارع، كل غارق فى وهمه الذى يعتقد.
لكن ربما وسط كل ما يستحق التعليق والنقاش فى طرحه، أضاءت أمام عينى نقطتان، الأولى عنوان يحيلك إلى الحلقة التالية يقول فيه الأستاذ : «كان خطأ.. ترك مهمة إدارة المرحلة الانتقالية فى يد المجلس العسكرى وحده» وربما هو يجدد الإشارة إلى طرحه السابق الذى أثار جدلا كبيرا قبل الثورة بتشكيل مجلس انتقالى «أمناء الدولة والدستور» بمشاركة مدنية وعسكرية، وهو طرح كان يمثل جسر انتقال هادئا لمواجهة فراغ أو للعبور لمرحلة جديدة تدريجيا دون خصومة مع النظام القديم.
لكن يجدر بنا أن ننتظر لنقرأ اليوم رؤيته الكاملة تحت هذا العنوان الدقيق والمتعمق، لكن الرجل الغارق فى صناعة الصحافة والإعلام وهمومها، وضع يده على إشكاليات جديدة حول الإعلام المصرى، تتجاوز الجدل القائم حول الصحف القومية والإعلام الحكومى، لتنفذ إلى الإعلام الخاص الذى صار القاطرة الحقيقية لصياغة المزاج العام.
الرجل الكبير وهو يمنحك إشارات دون أسماء حول «اجتماعات فى لندن» لترتيب أوضاع رجال الأعمال الذين يمتلكون مؤسسات إعلامية خاصة فى مصر، أولا يضعك أمام فارق هائل بين «روبرت مردوك» إمبراطور الإعلام الشهير، والذى تمثل تجربته نموذجا يحاول ملاك وسائل الإعلام فى مصر التشبه به، وبين هؤلاء جميعا، فالرجل «مردوك» رجل إعلام ونشر بالأساس، وليس لديه مصالح خارج هذه الصناعة، ولا محفظة استثمارية واسعة ومتعددة الأنشطة تخلق له مصالح فى كل الأسواق وليس فقط سوق النشر والإعلام والترويج، وتضطره لخدمة هذه المصالح باستخدام منابره الإعلامية، أو تصبح مصالحه قيد على الممارسة المهنية فى هذه المنابر، أو نقطة ضعف يمكن لسلطة مستاءة من خطاب إعلامى منسوب لمؤسساته أن تصطاده منها، كذلك لا يملك الرجل طموحا سياسيا واضحا، يجعله طرفا فى واقع سياسى بتفاعلاته التى تظهر فى إعلامه أيضا.
يتحدث الرجل كذلك عن «احتكارات الإعلانات» وعن 3 كيانات على الأكثر، تملك سوق الإعلانات وبين يديها مفاتيح النجاح والفشل لأى وسيلة إعلامية، وهو هنا يوصف واقع نعرفه بكل مخاوفه، إلى جانب ملاحظاته على أنماط الملكية والتدخل وحقيقة «استقلال» المؤسسات الخاصة، وهى كلها إشكاليات لابد من الاستمرار فى طرحها، ليس لإحباط التجارب الخاصة ولا لإعاقة الاستثمارات الجديدة والقديمة فى الإعلام، لكن لخلق إطارات مؤسسية وقانونية جديدة، تضمن حقوق جميع الأطراف، وأولها حق المجتمع فى أن يعرف كل شىء، من حقائق الملكية ومفرداتها، ومسارات التمويل والتشغيل، وحتى السياسات التحريرية والإعلانية.
مستقبل الإعلام الخاص فى مصر مازال واعدا، لكنه مرهون بآليات ضبط جديدة، تقاوم الاحتكار، والاستغلال، وتوجيه المصالح، هذا حديث سبق أن قلته وأنا كنت ومازلت ابن «الإعلام الخاص»، لكن كما قلت لك يتحدث الأستاذ هيكل كما نتحدث، لكنه يضىء مزيدا من المصابيح المظلمة فى العقول..!