كاهن الرعية الأب بطرس عاقوري: دير مار بطرس وبولس فتح أبوابه منذ اليوم الأول للحرب ومن استقبلهم ليسوا نازحين بل أهل البيت
مواطن لبناني: اضطرنا للمغادرة ليلا بعد سماع دوي الانفجارات والدير استقبلنا بحفاوة غير متوقعة
لبنانية: تجربة النزوح لم تعد حدثا استثنائيا لكثير من العائلات في جنوب لبنان بل حالة متكررة خلال السنوات الأخيرة
في بلدة قطين بقضاء جزين في جنوبي لبنان، يحتضن دير مار بطرس وبولس نازحين من عائلات مسلمة تركت منازلها هربا من القصف الإسرائيلي على المنطقة، في مبادرة إنسانية تعكس روح التضامن في البلد العربي.
ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي الأخير في جنوبي لبنان منذ 2 مارس الماضي، تجد عشرات العائلات نفسها أمام خيارين أحلاهما مر، إما البقاء تحت النار أو الرحيل نحو المجهول.
ومع تزايد الضغط على مراكز الإيواء الرسمية وارتفاع كلفة السكن، برزت مبادرات محلية لسدّ الفجوة، من بينها ما يوفره دير مار بطرس وبولس في جنوبي لبنان من ملاذ إنساني لعائلات مسلمة فرت من مناطق المواجهات.
الأناضول زارت الدير خلال احتفالات "عيد الفصح"، حيث اختلطت أصوات أجراس الكنيسة بضحكات الأطفال النازحين، في مشهد يلخّص حكاية بلد أنهكته الحروب، لكنه لم يفقد قدرته على التضامن.
أصحاب الدار
كاهن الرعية في الدير الأب بطرس عاقوري، قال للأناضول إن الدير فتح أبوابه منذ اليوم الأول للحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، مؤكدًا أن من استقبلهم "ليسوا نازحين بالمعنى التقليدي، بل ضيوف لبنانيون وأهل البيت".
وأوضح أن عدد المقيمين حاليا في الدير يبلغ نحو 39 شخصا، يتوزعون على 6 عائلات، وصلوا تباعًا منذ مطلع مارس الماضي، ويعيشون في أجواء "أقرب إلى الحياة الطبيعية".
ويضيف عاقوري أن المبادرة انطلقت من فكرة جوهرية تتعلق بهوية لبنان المتنوعة، قائلًا: "النبع الذي يشرب منه الإنسان، لا يُسأل عن طائفته أو لونه أو انتمائه، وكذلك يجب أن يكون لبنان".
وشدد على أن الاختلافات السياسية والدينية "لا يجب أن تتحول إلى حواجز إنسانية"، مضيفا: "قد نختلف في السياسة، لكن لا نختلف على إنسانيتنا ولا على انتمائنا لهذا البلد".
وفي حديثه عن الأوضاع العامة، أعرب عاقوري عن أمله في أن تكون الحرب الحالية هي "الختامية"، داعيا إلى "وضع حد لمسار طويل من العنف".
وقال: "لبنان عاش لعقود في دوامة حرب ودمار، وحان الوقت لينعم أبناؤه بالفرح والاستقرار".
هروب تحت النار
المواطن اللبناني محمد مونس (56 عاما)، أب لأربعة أولاد وصاحب محل ألبسة في بلدة دير قانون النهر بقضاء صور، قال إن عائلته اضطرت إلى مغادرة منزلها ليلًا بعد سماع دوي الانفجارات وإطلاق النار.
وأضاف للأناضول: "كنا نائمين قبل أن نستيقظ على أصوات القصف، الأطفال كانوا يبكون، ولم يكن أمامنا سوى جمع بعض الأغراض والخروج سريعا".
وأوضح أن مغادرتهم بدأت قرابة الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل (ت.ج+3)، تزامنًا مع ضربات طالت البلدة، متجهين نحو مدينة صيدا.
وأشار إلى أن الطريق استغرق ساعات طويلة بسبب الازدحام الشديد، حيث وصلوا صيدا بعد ظهر اليوم التالي.
وأضاف أنهم واجهوا صعوبات في إيجاد مأوى، خاصة في ظل ارتفاع كلفة الإيجارات أو عدم توفر أماكن للسكن نتيجة الحرب.
ولفت إلى أنهم تمكنوا في نهاية المطاف من الوصول إلى دير مار بطرس وبولس، حيث جرى استقبالهم "بحفاوة غير متوقعة".
وقال: "شعرنا أن الأبواب لم تُفتح لنا فحسب، بل القلوب أيضًا"، مضيفًا أن القائمين على الدير "وفروا كل الاحتياجات الأساسية، وحرصوا على ألا يشعر المقيمون بأنهم غرباء".
وأكد أن الحياة داخل الدير تسير بشكل طبيعي، بما في ذلك ممارسة الشعائر الدينية، موضحا: "وصلنا خلال شهر رمضان، وأكملنا صيامنا وصلاتنا دون أي عائق".
واعتبر مونس أن ما يجري داخل الدير "يمثل نموذجًا مصغرًا لما يمكن أن يكون عليه لبنان، حيث تسقط كل التصنيفات الطائفية لصالح الهوية الإنسانية والوطنية".
نزوح متكرر
بدورها، قالت دارين عز الدين، وهي لبنانية من البلدة نفسها، إن تجربة النزوح لم تعد حدثًا استثنائيًا لكثير من العائلات في جنوبي لبنان، بل "حالة متكررة خلال السنوات الأخيرة".
وأضافت: "تعبنا من الحروب ومن التهجير المستمر، وبالكاد يستقر الإنسان حتى يضطر للمغادرة مجددًا".
وأشارت إلى أن فقدان الاستقرار "يؤثر على مختلف جوانب الحياة، من العمل إلى التعليم والحياة اليومية".
وأوضحت أنه رغم توفر الاحتياجات الأساسية داخل الدير، فإن "الارتباط بالمنزل والعمل يبقى عنصرًا لا يمكن تعويضه"، معربة عن أملها في "وصول الأوضاع إلى مرحلة من الاستقرار الدائم".
ملاذ مؤقت
أما ليليان، فضلت عدم ذكر اسمها كاملا، وهي من بلدة كفر ملكي بقضاء النبطية، وتقيم مع عائلتها المؤلفة من 11 فردا في الدير، فأكدت أن مغادرتهم كانت "مفاجئة وسريعة"، حيث استيقظوا ليلًا على وقع الإنذارات والقصف.
وقالت: "لم نكن نعرف إلى أين نذهب، كان هدفنا فقط هو الخروج إلى مكان آمن".
وأشارت إلى أن التواصل مع القائمين على الدير شكّل "نقطة تحول" في مسار نزوحهم.
وأضافت: "لو لم يتم التواصل معنا ودعوتنا للمجيء، لما عرفنا ماذا سنفعل أو إلى أين نتجه"، مؤكدة أن الاستضافة "خففت من صدمة النزوح".
ولفتت ليليان إلى أن الشعور بعدم الاستقرار لا يزال قائمًا، حتى في الفترات التي تشهد هدوءا نسبيا، قائلة: "لم نختبر السلام بشكل كامل، فالتوترات مستمرة، وهذا ينعكس على حياتنا".
وأشارت إلى أن المعاملة داخل الدير "قائمة على الاحترام الكامل دون تمييز"، مضيفة: "لا يشعر أحد هنا بوجود فروقات دينية أو طائفية، وهذا ما يعزز الإحساس بالطمأنينة".
ويأتي هذا العدوان ضمن تداعيات الحرب التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، منذ 28 فبراير الماضي، والتي خلفت آلاف القتلى والجرحى، بجانب اغتيالات طالت شخصيات بارزة، في مقدمتها المرشد الأعلى السابق علي خامنئي.
وفي 2 مارس الماضي، دخل حزب الله (حليف إيران) على خط المواجهة ضد العدوان الإسرائيلي، إذ استهدف موقعا عسكريا شمالي إسرائيل، ردا على هجماتها المتواصلة على لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار، واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.
وإجمالا، أسفر العدوان الإسرائيلي الموسع على لبنان منذ 2 مارس الماضي عن 1497 شهيدا و4639 جريحا، وفق آخر بيانات وزارة الصحة اللبنانية.
وتحتل إسرائيل مناطق في جنوب لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ الحرب الأخيرة بين أكتوبر 2023 ونوفمبر 2024.