كان دائما الاعتقاد السائد أن لا علاج قاطعا للإنفلونزا الموسمية، إذ إن الفيروسات لن تجدي معها المضادات الحيوية، حتى بدأت أدوية مضادات الفيروسات في الظهور أوائل التسعينيات. خمسة أدوية مضادة للفيروسات كانت البداية، حتى ارتفع العدد إلى ثلاثين في بداية الألفية، ليصل اليوم إلى أكثر من مائة دواء تستخدم لمكافحة الأمراض الفيروسية، ومنها مختلف فيروسات كورونا التي استشرى خطرها في زماننا.
تعمل مضادات الفيروسات بصورة مختلفة عن المضادات الحيوية التي تكافح الأمراض البكتيرية، ففيها الكثير من الخصوصية، فليس هناك ما يطلق عليه مضاد للفيروسات واسع الانتشار.
وفي محاولة لفهم آلية عمل مضادات الفيروسات، يجب إدراك عنصرين أساسيين:
الأول: مكونات تركيب هيكل الفيروس.
الثاني: الخطوات التي يحتاج الفيروس إلى القيام بها لنجاح التكاثر في الخلية الحية بجسم الشخص المصاب.
وفي غالبية الفيروسات يتكون هيكل الفيروس من مكونين رئيسيين:
1- المادة الجينية، التي تحمل الصفات الوراثية للفيروس في مكوناته وسلوكياته.
2- الغلاف البروتيني، المكون من وحدات بروتينية متراصة تشكل صورة للشكل العام للفيروس. ويعمل هذا الغلاف على حماية الحمض النووي الفيروسي، وعلى التعرف على الخلايا في جسم الإنسان، وإتمام عملية الالتصاق بها، ونجاح دخول الفيروس أو حمضه النووي إليها لتبدأ معركة المرض.
وهناك بعض الحقائق الثابتة في علم الميكروبات عن الفيروسات وسلوكياتها في إحداث المرض، تعتمد عليها الأدوية في محاولة القضاء على الفيروس بكل الوسائل المتاحة لها:
1- لا تعتبر الفيروسات كائنات حية، بل هي «كيانات». وتفتقر هذه الكيانات إلى العناصر الأساسية للحياة، فلا يمكن مقارنتها بالكائنات الحية المستقلة التي تعيش وتتكاثر اعتمادا على ذاتها.
2- الحقيقة الثابتة هي احتياج الفيروسات إلى البحث عن حياة نشيطة تمكنها من التكاثر بسرعة لإحداث المرض عند العدوى بها.
3- الوسيلة الوحيدة لحياة الفيروسات هي بحثها عن خلايا حية يمكنها اختراقها للتكاثر فيها، وهي «الخلايا المضيفة» التي تتطفل عليها وتدخلها لتبدأ عمليات التكاثر.
4- هناك أنواع من الفيروسات لا تبدأ نشاطها بسرعة حينما تنجح في اختراق الخلايا، بل تكمن فيها في شكل خامل لأيام أو شهور، وربما سنوات، وفي لحظة محددة تنشط وتبدأ في التكاثر حتى تصل إلى مداها، وقد تعاود الخمول مرة أخرى، فتسكن وتظل في الخلايا كامنة.
وتجعل تلك الملابسات المختلفة من أصعب الأمور إنتاج دواء قاطع يمكنه القضاء على الفيروس. لذا تحاول الأدوية مهاجمة الفيروس في نقاط كثيرة تعد نقاط ضعف، لكنها لا يمكنها القضاء عليه بصورة فعالة، كما يحدث في حالة البكتيريا، التي تعد كائنات دقيقة حية لها دورة حياة، وكل نقاط ضعفها متاحة بصورة واضحة وجلية.
والأدوية المتاحة حاليا لا يمكن استخدامها لكل الفيروسات، بل كلها حتى الآن تحتاج إلى اختيارات دقيقة تتيح لها إصابة الهدف الذي صنعت من أجله، ففيها خصوصية؛ فمنها ما يصيب الغلاف البروتيني، ومنها ما يصيب المادة الوراثية بصورة تسمح بتفتيتها، الأمر الذي يوقف عملية التكاثر.
على أن الأدوية تصنع أيضا لفيروسات بعينها، إذ لا يمكنها تحقيق أي نجاح إلا إذا استخدمت بصورة فعالة.
لذا فإن نتائج مضادات الفيروسات تختلف، وقد تخيب الآمال في مواقف كثيرة، لكنها بالطبع تنجح في أكثر الأحيان في صد هجمات الفيروسات وإيقاف عملية تكاثرها، الأمر الذي معه تخف الأعراض حتى تنتهي فترة المرض بسلام.