إبراهيم المعلم في حوار شامل عن الثقافة والرياضة: الذكاء الاصطناعي يفيد الثقافة والمعرفة والنشر والمكتبات والتعليم - بوابة الشروق
الجمعة 7 أغسطس 2026 7:09 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

إبراهيم المعلم في حوار شامل عن الثقافة والرياضة: الذكاء الاصطناعي يفيد الثقافة والمعرفة والنشر والمكتبات والتعليم

تصوير - إسلام صفوت
تصوير - إسلام صفوت
حوار ــ سامح سامى وأعدته للنشر ــ شيماء شناوى
نشر في: الجمعة 7 أغسطس 2026 - 6:10 م | آخر تحديث: الجمعة 7 أغسطس 2026 - 6:30 م

- لماذا نحاسب الثقافة في العالم على فشل الاقتصاد والسياسة؟
- أحلم بمكتبات كبرى في مصر تليق بالقاهرة كأعظم مدن العالم
- بدأنا في دار الشروق التفكير بشكل عملي في تطبيق الـ AI، ولدينا مستشارون لتدريب العاملين
- «إعلان كوالالمبور» يؤكد أن حريات التعبير والقراءة والنشر حقوق غير قابلة للمساومة
- الريادة لا تُطلب بل تُمارس.. والهوية المصرية متجذرة في الوجدان العربي وفي المصريين بالخارج
- معظم الناشرين في العالم كانوا يشجعون المنتخب المصري.. ولفت انتباههم تشجيع المصريين بما يحمله من انتماء وثقافة وحضارة متجذرة
- رسائل حسام حسن الإنسانية تخطف أنظار العالم واتحاد الناشرين.. وأعجبني جدا حديثه بما فيه من رؤية حقيقية للمثقف


المهندس إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة مجموعة الشروق، علامة فارقة في تاريخ صناعة النشر، ليس فقط على المستوى المحلي، بل العربي والدولي، بصفته أول مصري وعربي وإفريقي يشارك في أروقة اتحاد الناشرين الدولي، وخاض معارك كبرى دفاعا عن حرية النشر وحقوق الملكية الفكرية.

في هذا الحوار الشامل، يناقش إبراهيم المعلم ملفات كثيرة تخص الثقافة، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والقوة الناعمة لمصر، ويمتد ليقرأ المشهد الرياضي كجزء أصيل من ريادة مصر الثقافية، مشيرا إلى إعجابه الشديد بحديث المدير الفني للمنتخب حسام حسن، لأنه «عكس الرؤية الحقيقية للمثقف بأدواته المختلفة.. لا سيما عندما انتقل إلى القضية الإنسانية الكبرى، وهي معاناة الأطفال».

وأكد المعلم في الحوار أن الكتاب يعيش أفضل فتراته منذ اختراع الطباعة، وأن أي وسيلة تكنولوجية جديدة تُضاف إلى الوسائل الموجودة، ولا تلغي ما سبقها، وأن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة تفيد الثقافة والمعرفة والنشر والمكتبات والتعليم، وليس بديلا عن المؤلف، وقال إنه يحلم بتأسيس مكتبات كبرى تليق بالقاهرة كأعظم مدن العالم.

وإلى نص الحوار الذي أُجري بحضور عماد الدين حسين، رئيس تحرير «الشروق».

● شاركت مؤخرا في المؤتمر العالمي لاتحاد الناشرين الدولي.. ما أبرز الرؤى أو النتائج التي خرج بها المؤتمر؟

- المؤتمر كان مختلفا، لأنه شهد الاحتفال بمرور 130 عاما على تأسيس اتحاد الناشرين الدولي. أول اجتماع للاتحاد عُقد عام 1896 في باريس، وفي هذا الاجتماع تحددت الركيزتان الأساسيتان اللتان ما زالتا حتى اليوم أساس عمل الاتحاد، وهما: حرية النشر، وحقوق الملكية الفكرية.

وحرية النشر هي الأساس، ومنها تتفرع أمور كثيرة، لكنها في النهاية مفهوم متكامل؛ لأنها تشمل حرية الوصول إلى المعلومات، وحرية تداول الكتب، وحرية استيراد وتصدير الكتب، وسلامة الناشر والكاتب، وكل أطراف عملية النشر.

أما حقوق الملكية الفكرية فهي باب واسع جدا، وليست مجرد حماية للحقوق؛ لأن تطبيقها يحقق حالة من الازدهار، ويشجع على المشاركة العالمية في الإبداع والتأليف والمعرفة.

والمؤتمر خرج بـ«إعلان كوالالمبور»، وهو بيان مهم جدا، لأنه بيان اتحاد الناشرين في العالم، يتكلم عن واجباتنا، ومسئولياتنا، ورؤيتنا للمستقبل.

وتضمن «إعلان كوالالمبور» ثماني نقاط جوهرية، كان أبرزها وأكثرها لفتا للانتباه هو الدفاع عن الذكاء الاصطناعي، ومناقشة أبعاده في وقت يسيطر فيه القلق على العالم تجاه هذه الثورة التكنولوجية الجديدة بما تحمله من إيجابيات وسلبيات وفرص ما زلنا نكتشفها، ولا بد من الإشارة هنا إلى الحضور المصري البارز في المؤتمر بوجود الناشر أحمد رشاد في اللجنة التنفيذية للاتحاد، ومشاركة الناشر شريف بكر في لجنة إعداد برنامج المؤتمر.

* الثورة الحقيقية في المعرفة والديمقراطية

● كيف يخدم الذكاء الاصطناعي صناعة النشر؟

- لسنا بالضرورة بحاجة إلى ربط كل المفاهيم بوسيلة واحدة. فالكتاب والنشر موجودان قبل اختراع الطباعة، وحتى «كتاب الموتى» ظل يُعرف بهذا الاسم، رغم أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك ورق ولا مطابع، ولا الكتاب بشكله الحالي، فالوسيلة تتغير مع الزمن، لكن المحتوى يظل هو المحتوى.

* ازدهار الكتاب الورقي

● كيف رأى المؤتمر مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي؟

- طُرحت في المؤتمر رؤية قدمها ماركوس دويل، الرئيس الأسبق لمجموعة «بنجوين راندوم هاوس» العالمية، وهو يرى أن الكتاب يعيش أفضل فتراته منذ اختراع الطباعة، وأن كل الوسائل الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، أسهمت في ازدهاره؛ ففي التأليف أصبح لدى الكاتب أدوات أفضل للبحث، واليوم يمكن إنجاز بحث في عشر دقائق، بينما كان يستغرق سابقا شهرين أو ثلاثة، كما أصبح الوصول إلى المعلومات أسهل بكثير.

وكذلك شهدت صناعة الطباعة تطورا هائلا مع دخول التكنولوجيا الحديثة والأنظمة الإلكترونية ووسائل الاتصال، فأصبحت مختلفة تماما عما كانت عليه.

وأتذكر في بداية حياتي حين عملت صحفيا رياضيا في جريدة الأهرام، كان الشغل كله بالرصاص؛ أكتب، ثم أنزل إلى المطبعة، وكانت الكتب تُصف بالرصاص، وكان العمال يشربون اللبن لحماية أنفسهم من التسمم، وبعد الانتهاء من الطباعة كان الرصاص يُفك ويُصهر ليُستخدم من جديد، لكن التطور الذي شهدته حياتنا في صناعة الطباعة، سواء للكتب أو الصحف، من حينها وحتى الآن، مهول.

وكان التصور وقتها أن المستقبل سيكون 80% كتبا إلكترونية و20% كتبا ورقية، لكن ما حدث كان مختلفا. فأكثر دولة انتشارا للنشر الإلكتروني هي الولايات المتحدة، ومع ذلك فإن الكتاب الإلكتروني، بكل أشكاله المقروءة والمسموعة، لم يتجاوز نحو 20%، بينما ظل نحو 80% من القراءة للكتاب الورقي.

وفي مصر النسبة أقل بكثير، ولا توجد إحصائية رسمية، وإنما هو تقدير يستند إلى واقع السوق، ومنذ عام 2000 حتى 2025 لم يتراجع الكتاب الورقي، بل زاد، كما زاد الكتاب بصفة عامة، وكتب الأطفال، والكتاب المدرسي.

ولما جاءت جائحة كورونا، ارتفعت معدلات القراءة في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين وكوريا بنسب كبيرة جدا، حتى إن المطابع لم تكن قادرة على مواكبة حجم الطلب، وكانت معظم هذه الزيادة في الكتاب الورقي، لأن الناس وهي قاعدة في البيت رجعت تقرأ أكثر.

* «إعلان كوالالمبور».. ثورة الذكاء الاصطناعي وتحديات حماية الإبداع

● ما أبرز المبادئ التي أكد عليها اتحاد الناشرين الدولي في بيانه الختامي؟

- أكد البيان مجددا أن حرية التعبير، وحرية القراءة، وحرية النشر، حقوق غير قابلة للمساومة، وتعهد بمقاومة الرقابة، ودعم الناشرين الذين يتعرضون للاضطهاد، وتعزيز مبادرات التضامن العالمي، لأن المعرفة والثقافة حق لكل إنسان.

كما شدد على أهمية تطوير منظومات القراءة، وبالطبع كان الذكاء الاصطناعي من أبرز الإضافات الجديدة في البيان، إلى جانب التأكيد على أن الدفاع عن حرية النشر مسئولية يومية تقع على عاتق الناشرين.

وأتذكر أننا عندما كنا في الأرجنتين والمكسيك، كان ناشرو أمريكا اللاتينية يعترضون بشدة على تدخل بعض وزارات التربية والتعليم في محتوى الكتب المدرسية، لأنهم يرون أن ذلك يتعارض مع الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والإبداع، والابتكار، ويفتح الباب أمام الاحتكار الحكومي. 

إبراهيم المعلم خلال حواره مع سامح سامى بحضور عماد الدين حسين.. تصوير - إسلام صفوت

● إذن أنت متفائل بتأثير الذكاء الاصطناعي على صناعة النشر؟

- متفائل جدا. أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيفيد الثقافة، والمعرفة، وحركة النشر، والإبداع، والتأليف، وسيثري الكتاب، ويساعد المكتبات، كما سيساعد التعليم.

أما تأثيره المباشر في خفض تكاليف النشر وأسعار الكتب فما زال غير معروف، لكن المؤكد أنه سيسهم في تحسين الاقتصاد.

وأرى أننا أصبحنا أحيانا نحاسب الثقافة على الفشل في السياسة والاقتصاد، بينما الحقيقة أن جزءا من الفشل السياسي والاقتصادي قد يكون سببه عدم الاهتمام بالثقافة، وعدم منحها حقها ودورها. فلو كانت الثقافة مزدهرة، والتعليم ـ وهو جزء من الثقافة ـ يحقق المطلوب، لوصلنا إلى مجتمع أكثر قدرة على اختيار الأكفأ.

واليوم ظهر في العالم مصطلح «كاكيستوكراسي» (Kakistocracy)، ويقصد به أن يصل إلى الحكم الأسوأ والأقل كفاءة، فيصبح الأجهل هو الذي يقود المجتمع.

* المنطقة الفاصلة بين الإبداع البشري وبين ما ينتجه الذكاء الاصطناعي

● إلى أي مدى يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في التأليف والنشر؟

- في الكثير، كمراجعة الكتب، وكشف الملاحظات، وتحديد المشكلات، لكن في النهاية الذي يناقش هذه الملاحظات إنسان، والقرار النهائي يظل للإنسان.

وفي المؤتمر كان هناك تأكيد على أهمية أن يتعلم الناس استخدام الذكاء الاصطناعي، ويفهموا إمكانياته وحدوده، إلى جانب استمرار البحث عن وسائل تقلل أخطاءه، وتضع حلولا للمشكلات المرتبطة به، وإن كانت هذه التقنيات تحتاج إلى تكلفة مرتفعة، ومستويات من الإمكانات لا تتوافر بسهولة في كثير من الدول النامية.

ولا ننكر أنه أصبح هناك مؤلفون يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في التأليف، والبحث، والمراجعة، والتدقيق. وأذكر أن أحد الشعراء أخبرني أنه أرسل ديوانه إلى أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي، وطلب منه أن ينقده، وبالفعل قدم له تحليلا دقيقا، وملاحظات مفيدة.

لكن التحدي الحقيقي بالنسبة للناشر، عندما يصله نص، هو أن يعرف حجم تدخل الذكاء الاصطناعي فيه، حتى يضمن أن الإبداع في الأساس هو إبداع المؤلف. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع المعلومات، ويقدم مسودات متكاملة، لكن يبقى السؤال: أين تبدأ المنطقة الفاصلة بين الإبداع البشري وبين ما ينتجه الذكاء الاصطناعي؟

وده من أهم الأسئلة المطروحة حاليا. فلو أن مؤلفا كتب جزءا من عمله بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي، هل يُعد ذلك مقبولا؟ بالفعل هناك مؤلفون اعترفوا بأنهم استخدموه كأداة في كتابة القصص، وما زال النقاش مستمرا حول الحدود التي يمكن قبولها في هذا الاستخدام.

* عدد المكتبات في العالم يزداد
 
● هل فعلا هذا أفضل وقت للكتاب رغم انتشار الذكاء الاصطناعي؟

- أنا دائما أقول إن هذا أفضل وقت للكتاب، لسببين أو ثلاثة. أولا، لأن التقنيات الجديدة، ومنها الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية، أصبحت تدعم إنتاج المحتوى، ولا تقضي عليه. وثانيا، لأن هناك ظاهرة حقيقية نراها على أرض الواقع، وهي أن عدد المكتبات في العالم يزداد، وليس العكس كما كان يتوقع كثيرون قبل سنوات. ومؤخرا زرنا مكتبة The Library، التي تضم نحو 350 ألف كتاب، وتقع في مدينة كوتشينج الماليزية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 800 ألف نسمة.

● هل تميز المكتبات التي زرتها في ماليزيا يرجع إلى مساحتها الكبيرة فقط؟

- لا، المساحة في حد ذاتها ليست هي الميزة، إلا بقدر ما تتيح عرض عدد أكبر من الكتب. الأهم هو طريقة العرض، وتنظيم المحتوى، وتنوع الأقسام. فهذه المكتبات تضم أقساما متخصصة وثرية جدا، حتى إن قسم الشرق الأوسط، بما فيه الكتب المتعلقة بغزة وإسرائيل، يضم عناوين أكثر مما يوجد في كثير من المكتبات الأخرى، ومعظمها باللغة الإنجليزية، لأن لديهم المساحة والإمكانات التي تسمح بعرض الكتب بصورة أفضل.

وأندهش ممن يتحدثون عن أن تكون كتب الأطفال رخيصة أو مطبوعة على ورق جيد، فكتب الأطفال يجب أن تكون جذابة، من خلال الألوان، والخيال، وطريقة العرض، فالكتاب ينافس الفيلم والسينما والتليفزيون وكل وسائل الترفيه، ولذلك لا بد أن يشعر الطفل أن الكتاب مصدر متعة، لا أنه داخل إلى امتحان، فهذه هي الطريقة التي تشجعه على القراءة.

والحكاية عمرها ما هتنتهى، لأن الإنسان في النهاية بيحكي حكايات، سواء في الأدب أو حتى في العلم، وفي الآخر هي حكاية، وإحنا مغرمين بالحكاية، وهي جزء من التراث الإنساني.

* الرياضة والثقافة والقوة الناعمة

● تتحدث دائما عن الرياضة كجزء من القوى الناعمة لمصر، وقد تزامن مؤتمر الناشرين مع كأس العالم.. كيف رأيت ذلك؟

- الثقافة هي مجموعة العلوم، والمعارف، والمهارات المرتبطة بالقيم. العلوم مفهوم إنها كل أنواع العلم، والبحث، والعلوم المختلفة. والمعرفة أوسع شوية من العلوم، ويدخل فيها الإنسانيات وحاجات زي دي. المهارات بقى تعريفها إنها كل المهارات العقلية، واليدوية، والبدنية؛ منها الرياضة، ومنها إنك تكون عازف موسيقى، ومنها إنك تكون رساما، ومنها إنك تكون نحاتا، ومنها إنك تكون بتعمل أرتيزان للحاجات التراثية، إلى آخر هذه المهارات، حتى السيرك له مهارات. المهارات هي كل المهارات المرتبطة بالمهارات العقلية والبدنية، واللي فيها موهبة واللي فيها كذا.

والقيم، القيم دي كلمة واسعة جدا، هو إيه تعريفها؟ اللي هي العادات، والتقاليد، والدين، والقيم، والتاريخ، والسلوك. فالتعريف ده، شوف تعريف محكم، قصير، شامل لكل حاجة. وهتلاقي عشان كده بقى الفرق بين الثقافة والعلم، الثقافة السلوك هو جزء من الثقافة.

طريقة الكلام، الكرم، البخل، الجبن، الشجاعة، الترحيب، سلوك الناس في الدخول، وفي الخروج، وفي الطوابير، فده جزء من الثقافة. طريقة اللعب، وإنك تلعب لغاية آخر لحظة، وإن الجمهور يحيي فريقه، أو جمهور يشتم بالأم والأب، ما هو ده جزء من الثقافة. هو جزء من العادات، وجزء من التقاليد.

قبل المؤتمر الأخير لاتحاد الناشرين الدولي كان فيه موقف لفت انتباهي جدا. أول ما وصلنا ركبنا تاكسي، فسألنا السائق، وكان صينيا يعمل في ماليزيا: «إنتوا منين؟»، قلنا له: «من مصر»، فقال فورا: «محمد صلاح»، ثم قال: «فريق الكورة بتاعكم هايل، إحنا فخورين بيه وبنشجعه، وكمان بنحب عمرو دياب». والموقف ده أكد لي أن حب مصر متجذر في أماكن كثيرة زي ماليزيا، لكن الناس هناك بتشوف مصر من خلال أشخاص ونماذج ملهمة. فمحمد صلاح بالنسبة لهم مش مجرد نجم كروي، ده رمز للكفاح، ونموذج إنساني في العطاء وأعمال الخير.

والمدهش أنهم يعرفون كل هذه التفاصيل، بل ويتابعون المنتخب المصري بحماس، ويشجعونه بحرارة لأدائه المشرف، تماما كما تعرف هناك أغاني عمرو دياب وتحفظ، وهو تأثير لم نكن ندرك حجمه الحقيقي، لكنها القوة الناعمة التي تتحدث عن نفسها، فكل قيمة جميلة تقدمها لا بد أن يظهر أثرها للجميع.

ومعظم الناشرين في العالم كانوا يتابعون مباريات كأس العالم، وكانوا يتابعون المنتخب المصري بحب وتقدير، كما لفت انتباههم تشجيع المصريين، بما يحمله من انتماء وثقافة وحضارة متجذرة.

وأنا دائما أتذكر ما كان يقوله الكاتب الكبير عباس العقاد عن أن الحضارة المصرية ممتدة في وجدان المصريين عبر آلاف السنين، وتظهر في الذوق، وفي السلوك، وفي اللغة، وفي طريقة التعامل، بدليل أن «الفلاح يقول لك إيه: راجل ذوق أو راجل جلنف.. هي دي الحضارة اللي هي في الآخر ذوق ورقي كلام، وبعدين يقول لك على الشريف: دا راجل حر».

ولذلك، عندما ترى أجيالا ثانية وثالثة ورابعة من المصريين في الخارج يذهبون لتشجيع منتخب بلادهم، ويدفعون من أموالهم، رغم أن كثيرا منهم ليسوا من متابعي كرة القدم أصلا، تدرك أن هذا الانتماء جزء من الثقافة. ولما انتهت المباراة، ورأيت الجماهير تهتف للاعبي المنتخب: «ارفع راسك فوق.. إنت مصري»، تأثرت جدا بهذا المشهد.

* الريادة الثقافية المصرية

وأتذكر أنني شاهدت مباراة مصر والأرجنتين في مطعم مغربي مع عدد كبير من المصريين والعرب، وكان العرب جميعا يشجعون المنتخب المصري، ويهتفون له ويغنون: «مصر.. مصر»، وحتى عندما احتُسبت ركلة الجزاء، كانوا يهتفون: «هيلا هيلا هو... منتخبنا ما فيش زيه». هذا المشهد يؤكد أن الريادة الثقافية المصرية، بما فيها الكتب، والسينما، والفن، والرياضة، والإذاعة، ما زالت تمثل قوة مصر الناعمة في العالم العربي. والرائد الحقيقي لا يقول للآخرين: «أنا الأخ الكبير»، وإنما يثبت ذلك بالفعل، ويقود بالقدوة، ويحب أشقاءه.

وأعجبني للغاية حديث المدير الفني للمنتخب المصري، حسام حسن، وفي رأيي أنه عكس الرؤية الحقيقية للمثقف بأدواته المختلفة؛ لأننا في النهاية لا نملك سوى القوة الناعمة. وهذه القوة تصنعها الثقافة، والسينما جزء منها، والرياضة جزء منها، والابتكار، والتأليف، وسلوك الجمهور، وسلوك الإنسان العادي، كلها مكونات للثقافة، وهي في الوقت نفسه انعكاس لها.

ولاعبو كرة القدم والجهاز الفني لا يدعون أنهم كتاب أو سياسيون أو زعماء، وإنما هم رياضيون، لكنهم أيضا جزء من الشعب، وجزء من الثقافة العامة، ومن الإيقاع الثقافي للمجتمع. ومهما كانت التحفظات على اتحاد الكرة، أو بعض الأندية، أو المدرب، أو الجهاز الفني، فإن حسام حسن نجح في أن يمثل هذه القيم بشجاعة.

وأرى أن ذلك يعكس رصيدا من الثقافة العامة لدينا، يقوم على قبول التحدي. وعندما قال إن المنتخب لم يُعامل بالاحترام والعدل الكافيين، كانت هاتان الكلمتان في غاية الدقة. وأنا كنت شايف، بصفتي رياضيا ولاعبا سابقا، إن الحكم كان بيعامل فريقنا في كلامه وفي نظراته بتعالٍ، ومش بنفس الطريقة اللي بيعامل بيها الفريق الثاني، وده غير مقبول.

التعالي ده غير مقبول، وإنك تتعامل مع فرقة بطريقة غير الفرقة الثانية، دي بتأثر على نفسية أي فرقة، فهو عبّر عنه حسام. وبعدين لما اتكلم على القضية الإنسانية الكبرى، زي قضية معاناة الأطفال والاعتداء عليهم، وقال: «مهما كان دينك ومهما كان جنسك أنت، في أطفال بتتقتل، وما فيش دين ولا جنس يقبل إن أطفال تتقتل». أظن ما فيش حد يقدر يختلف على الرقي الإنساني والبلاغة البسيطة في التعبير ده، ولذلك لمس شغاف قلوب كل الناس، بمن فيهم الناشرون المحترمون الكبار اللي في البلاد.. الكلام ده أصلا في منتهى البلاغة.

وفي صباح اليوم التالي اتصل بي صديق مصري من الولايات المتحدة، ليبلغني أن عددا من كبار الممثلين في هوليوود أبدوا اهتمامهم بما قاله حسام حسن، ويفكرون في التعاون معه بسبب هذا الموقف الإنساني.

* دار الشروق وتطبيق الذكاء الاصطناعي

● هل بدأتم في دار الشروق تطبيق الذكاء الاصطناعي داخل منظومة العمل؟

- بدأنا بالفعل التفكير بشكل عملي في تطبيقه. فحاليا لديّ مستشارون يدرسون كيف نبدأ، وكيف ندرب العاملين بالشكل الصحيح. لأن التحدي الحقيقي ليس في التكنولوجيا نفسها، وإنما في تغيير أسلوب العمل. فمن الطبيعي أن يكون أول رد فعل لدى العاملين في الحسابات، والتسويق، والتحرير، والتأليف، ممن اعتادوا الطرق التقليدية، هو القول إن الذكاء الاصطناعي يخطئ، حتى لو لم تكن نسبة الخطأ كبيرة.

نحن بحاجة إلى مواكبة هذه الثورة، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال التعليم والتدريب العملي لكل العاملين في المؤسسة. وأبحث عن الجهات والخبراء القادرين على تقديم تدريب حقيقي، لأن هدفي الأساسي هو تحقيق أقصى استفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يحقق طفرة حقيقية في الإنتاجية، ويطور منظومة العمل.

وهذا أيضا كان من أبرز ما ناقشه المؤتمر، حيث أكدنا التزامنا بالشفافية والنزاهة التحريرية في عصر الذكاء الاصطناعي، مع تسخير إمكاناته لتحسين عمليات النشر وتعزيز أثرها. كما دعونا مطوري الذكاء الاصطناعي والمنصات التكنولوجية إلى احترام حقوق المؤلف، بالحصول على إذن صريح، وضمان مكافأة عادلة قبل استخدام أي محتوى محمي بحقوق النشر.

ودعونا أيضا إلى التعاون بين مطوري الذكاء الاصطناعي والناشرين لمواجهة المعلومات المضللة، والحفاظ على ثقة الجمهور؛ لأن من أبرز القضايا التي تناولها المؤتمر انتشار المعلومات الخاطئة، والتضليل، والتلاعب بالمحتوى، وتأثير ذلك في المعرفة والديمقراطية، وهي تحديات كبيرة تتطلب التعامل معها بجدية.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك