نبيل نعوم يكتب: من عرق جبينى - بوابة الشروق
الجمعة 14 أغسطس 2026 9:04 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

نبيل نعوم يكتب: من عرق جبينى


نشر في: الجمعة 14 أغسطس 2026 - 6:09 م | آخر تحديث: الجمعة 14 أغسطس 2026 - 7:06 م

«هذه المقالة بسبب ارتفاع درجات الحرارة غير المسبوق، والحرائق فى الكثير من الدول، وجفاف الأراضى، وقلة المياه، بينما يحدث كل ذلك دون مواجهة حقيقية وفعلية لآثار التغير البيئى».

تُستخدم عبارة «عرق الجبين» فى الثقافة العربية والأمثال الشعبية كناية عن التعب، والجهد البشرى، والاعتماد على النفس لكسب الرزق.

ويُعتبر تعرق الجبين فى حالات الخوف، أو الغضب، أو الحرج، أو الإثارة العاطفية (ومنها الرغبة الجنسية) هو استجابة طبيعية للجهاز العصبى، ويظهر غالبًا فى الجبين والوجه واليدين، ويختلف عن التعرق الذى يهدف إلى تبريد الجسم.

عندما يشعر الإنسان بالخوف، أو التوتر أو الحرج أو الإثارة، ينشط الجهاز العصبى الودى Sympathetic Nervous System، وهو جزء من استجابة «القتال أو الفرار»، ويؤدى ذلك إلى إفراز هرمونات مثل الأدرينالين، ما يسبب: زيادة معدل ضربات القلب، واتساع حدقة العين، وزيادة تدفق الدم إلى العضلات، وتنشيط الغدد العرقية، خاصة فى الجبين، وراحة اليدين، وباطن القدمين، والإبطين.

يُعتقد أن لهذا التعرق وظيفة تطورية؛ فهو جزء من الاستعداد لمواجهة الخطر، وليس الغرض الأساسى منه تبريد الجسم، وإن كان قد يسهم فى ذلك.

أما فى حالة الرغبة أو الإثارة الجنسية، فإن تنشيط الجهاز العصبى وزيادة النشاط البدنى وارتفاع معدل الاستقلاب قد يؤدى أيضا إلى تعرق الجبين والوجه، ويعد ذلك استجابة فسيولوجية طبيعية. أما التعرق الحرارى، فهدفه الأساسى خفض حرارة الجسم، ومن أسبابه الشائعة: الحرارة، أو الرطوبة، أو المجهود البدنى كممارسة الرياضة، أو أى نشاط يتطلب جهدًا، كما أيضًا التوتر أو القلق أو الحمى وارتفاع درجة حرارة الجسم.

وإن كان العرق (التعرق) آلية فسيولوجية لتنظيم حرارة الجسم، إلا أنه يختلف كثيرًا بين الإنسان والحيوانات، إذ يمتلك الإنسان ما بين 2 و4 ملايين غدة عرقية، ويعتمد بشكل كبير على التعرق لتبريد الجسم، خاصة أثناء الجهد أو فى الطقس الحار، حيث يتبخر العرق من سطح الجلد، فيسحب الحرارة ويخفض درجة حرارة الجسم. أما عند الحيوانات فتختلف وسائل التبريد من نوع لآخر: فالكلاب لا تتعرق إلا قليلا من باطن الأقدام، وتعتمد أساسا على اللهاث لتبريد الجسم. لدى القطط غدد عرقية محدودة فى باطن الأقدام، وتعتمد على اللهاث فى الظروف الشديدة وعلى لعق الفراء لتبريد الجسم. تُعتبر الخيول من أكثر الحيوانات تعرقا، وتستخدم التعرق وسيلة رئيسية لتبريد الجسم أثناء الجرى. تتعرق الأبقار بدرجة أقل من الخيول، وتعتمد أيضًا على التنفس والبحث عن الظل.

لذا يُعد الإنسان من أكثر الثدييات اعتمادًا على التعرق لتبريد الجسم، بينما تعتمد معظم الحيوانات على وسائل أخرى مثل اللهاث أو اللعق أو السلوكيات التى تساعدها على التخلص من الحرارة.

من المنظور اللاهوتى، ترتبط عبارة «من عرق جبينك» ارتباطًا مباشرًا بقصة الخلق والسقوط فى الكتاب المقدس، وأصبحت من أكثر التعابير تأثيرًا فى الفكر الدينى الغربى.

فى الكتاب المقدس، بعد سقوط آدم، يقول الله له فى سفر التكوين (تكوين 3: 19).

«بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التى أُخذت منها. لأنك تراب وإلى تراب تعود»، ومن الناحية الدينية لا يُفهم النص عادة على أنه تمجيد للتعب فى حد ذاته، بل يحمل عدة معانٍ نتيجة للسقوط، منها أصبح العمل شاقًا ومصحوبًا بالتعب بعد دخول الخطيئة إلى العالم، بسبب عدم إطاعة الرب بأكل آدم من شجرة المعرفة، بينما كان يعمل فى الجنة دون هذا العناء، وأيضًا كرامة العمل، فرغم أن العمل صار شاقًا، فإنه بقى وسيلة مشروعة لإعالة الإنسان وأسرته، ولذلك يُنظر إلى العمل باعتباره ذا قيمة أخلاقية.

وفى الفكر المسيحى فى العصر الحديث، اكتسبت فكرة العمل أهمية خاصة فى بعض التقاليد البروتستانتية، حيث ساهمت بعض التصورات الدينية عن العمل والانضباط والادخار فى نشوء الثقافة الرأسمالية الحديثة. ولا يعنى ذلك أن النص التوراتى نفسه يدعو إلى الرأسمالية، بل يعلل تأثير بعض التفسيرات الدينية فى السلوك الاقتصادى.

إن حماية «عرق الجبين» ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل هى ضرورة أخلاقية واجتماعية تضمن الاستقرار واستمرار التنمية بشكل مستدام ومتوازن. وإن كان عرق الجبين يرمز تاريخيا وثقافيا إلى العمل الجاد، والكسب الحلال، وبذل الجهد البدنى والذهنى لتحقيق الرزق. فى المقابل، يمثل «استغلال العمال» الوجه المظلم فى بيئات العمل، حيث تُهدر هذه الجهود لصالح أطراف أخرى دون مقابل عادل. فالعدالة الاجتماعية فى المجتمعات المستقرة تقوم على مبدأ أن الجهد المبذول يجب أن يكافأ بعدالة من أجل الكرامة الإنسانية، واستقلالية الفرد المادية.

ومن مظاهر استغلال العمال (انتهاك عرق الجبين): الأجور الزهيدة التى لا تغطى تكاليف المعيشة الأساسية (السكن، الغذاء، الرعاية الصحية) رغم العمل لساعات طويلة، أو ساعات العمل الإضافية غير المدفوعة، أو بيئة العمل غير الآمنة، أو الحرمان من الحقوق الأساسية كمنع الإجازات السنوية، أو المرضية، أو التحرش اللفظى والجسدى، وغياب التأمين الصحى والاجتماعى، أو العمالة القسرية، وعمالة الأطفال، واستغلال الفئات الضعيفة. ويُعد الجشع الاقتصادى من أكثر الأسباب الدافعة للاستغلال، حيث ترغب بعض الشركات أو أصحاب العمل فى تعظيم الأرباح على حساب خفض تكاليف العمالة. وأيضا ضعف الرقابة القانونية، بغياب التفتيش الدورى من الجهات الحكومية أو ضعف العقوبات المفروضة على المخالفين.
يقول الكاتب الروسى الشهير مكسيم جوركى (1868-1936)

«إن من يأكل من عرق جبينه فى هذا الزمان يظل جائعًا».

وإن اعترض البعض على هذا القول بحجة أن جوع البطن غير دائم بينما رضا النفس هو الإشباع المستمر، ولكن ما يعبر عنه مكسيم جوركى هو إن الكسب الحلال لا يسد كل احتياجات من يجد ويعرق من أجل لقمة العيش، كما هو الواقع المؤلم.

أما المثل المصرى الذى يعبر عن الاستغلال فيقول: «فقرونا واتغنوا وقالوا استحملوا».



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك