تشترك تايوان وإيران في عدد من الظروف الجيوسياسية، وأبرزها الحاجة إلى ردع معتد أجنبي أكبر وأقوى بكثير، وذلك وفقا للمحلل الاستراتيجي جيمس هولمز، أستاذ الاستراتيجية البحرية في كلية الحرب البحرية الأمريكية، والمؤلف المشارك لكتاب "الدفاع عن المضيق: الاستراتيجية البحرية التايوانية في القرن الحادي والعشرين".
وقال هولمز في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية إنه ينبغي على تايوان أن تتعلم من الهجوم الجوي الأمريكي المستمر حاليا على إيران. ومن المفارقات، أن هذه التجربة الفكرية تضع تايوان في دور إيران، المدافعة، بينما تلعب الصين دور الولايات المتحدة، المهاجمة. ويتحول الفريق الأزرق إلى الفريق الأحمر، والعكس صحيح، لتعزيز الخيال العملياتي والاستراتيجي، حيث نتحدث عن انعكاس حاد في الأدوار.
وهناك أربعة دروس بارزة يمكن أن تتعلمها تايوان من حرب إيران:
الدرس الأول: الاستعانة بالجغرافيا الدفاعية
يقول هولمز إن الجغرافيا مهمة للغاية. تقع الولايات المتحدة، المهاجم الرئيسي على إيران، على بعد آلاف الأميال من منطقة القتال. تعد أمريكا قوة مقيمة في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن القوات الكبيرة المتجهة إلى الخليج عادة ما تنطلق من قواعدها في الولايات المتحدة. ويتعين على القوات البحرية التي تنطلق من الساحل الشرقي لأمريكا أن تعبر، ليس فقط مسافات شاسعة، ولكن أيضا ممرات مائية قد تكون خطيرة، مثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب بشكل خاص- للوصول إلى المياه والأجواء المتاخمة للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وإلا سيكون عليها أن تخوض رحلة شاقة عبر جنوب المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي.
واعتبر هولمز أن إيران في الواقع تستفيد استفادة كبيرة من بعد المسافة، حتى وإن لم يكن الأمر يبدو كذلك في ظل الضربات التي تلقتها. لكن الأمر مختلف بالنسبة لتايوان. فقد أصابت الجغرافيا هذه الجمهورية الجزيرة باللعنة، فهي تقع تحت ظل خصمها الرئيسي، الصين، التي تسلحت بترسانة من الأسلحة لقصف الجزيرة بينما تتصدى للتعزيزات الأمريكية أو تعزيزات الحلفاء لفترة من الزمن. ولا تخفي بكين عداءها تجاه تايبيه. وإذا استطاع جيش التحرير الشعبي الصيني الاستفادة من الوقت كحليف له، سيعزز هذا فرصه بشكل كبير في إخضاع المدافعين عن الجزيرة. وبينما لم تخصص الولايات المتحدة سوى جزء ضئيل من قوتها العسكرية لعملية "الغضب الملحمي" ضد إيران، تميل الصين إلى إبقاء قواتها المسلحة الضخمة متمركزة في شرق آسيا، بالقرب من ساحات المعارك المحتملة، لتستفيد استفادة كاملة من عدد السفن والطائرات المقاتلة والذخائر التي تمتلكها.
وبالطبع، تتمتع تايوان بمزايا جغرافية كبيرة أيضا، نظرا لأن مضيق تايوان ليس كمضيق هرمز، الشريان الوحيد الذي يربط المحيط المفتوح بمسطح مائي غني بالموارد محاط باليابسة. ومع ذلك، فإن المضيق الذي يفصل تايوان عن البر الرئيسي للصين، والذي يبلغ عرضه نحو 81 ميلا عند أضيق نقطة، يمنح المدافعين عن الجزيرة نفوذا جيوسياسيا. إن القيام بعملية إنزال برمائي معادية عبر هذه المساحة الشاسعة سيجعل إنزال نورماندي يبدو وكأنه عملا بسيطا هينا. ويمكن ان يقوم الجيش التايواني بنشر ترسانة مصممة لمنع الملاحة في المضيق، وصد أي قوة غازية وإعاقة جهود البحرية الصينية لتوحيد أساطيلها الإقليمية. وفي الوقت نفسه، سيتسبب منع حركة الملاحة السطحية في حدوث أضرار للأسطول التجاري الصيني، وبالتالي باقتصاد البر الرئيسي الصيني الذي يعتمد على الاستيراد والتصدير.
وأشار هولمز إلى أن تايوان تستفيد أيضا من تضاريسها الجبلية الصعبة. فعلى الرغم من 50 عاما من السيطرة الاستعمارية، لم تتمكن اليابان الإمبراطورية من غزو الجزيرة بالكامل بعد انتزاعها من الصين الإمبراطورية في تسعينيات القرن التاسع عشر. وخلال الحرب العالمية الثانية، حول القادة الأمريكيون هجومهم في وسط المحيط الهادئ إلى أوكيناوا بدلا من تكبد تكاليف ومخاطر القتال في تضاريس تايوان الوعرة. ومن المعروف أن إيران حصنت مواقعها النووية ومواقع أسلحتها بدفنها في أعماق الأرض. وبالمثل، ينبغي على الجيش التايواني بذل كل ما بوسعه للاستفادة من البيئة الجغرافية للجزيرة، وجعل غزو المضيق عملا صعبا بالنسبة للغزاة الصينيين. وإذا نجحوا في ذلك، فقد يردعونهم.
الدرس الثاني: استغلال الوقت لصالحك
ويقول هولمز إنه ينبغي على تايبيه محاولة إطالة أمد أي حرب عبر المضيق. ويمكن لطهران أن تأمل في استنفاد صبر الحكومة والمجتمع الأمريكيين من خلال تكبيد القوات الأمريكية خسائر فادحة على مدى فترة طويلة، الأمر الذي يضعف الدعم السياسي الداخلي للحرب كما كان يحدث أثناء حرب فيتنام.
بالطبع، هناك شكوك في أن تكون استراتيجية المماطلة حاسمة في مواجهة بكين، نظرا للأهمية البالغة التي يضعها الحزب الشيوعي الصيني والصينيون العاديون على "إعادة التوحيد" مع تايوان. ولكن من وجهة نظر عسكرية بحتة، فإن منع القوات الصينية من الوصول إلى الجزيرة والمياه والأجواء المجاورة سيمنح القوات الأمريكية والحليفة الوقت الكافي للوصول إلى منطقة الحرب. وإذا ما صمدت هذه القوات أمام قوة أسلحة جيش التحرير الشعبي الصيني، سيتمكن الحلفاء من حشد قوة قتالية متفوقة في زمان ومكان المعركة، مما سيؤدي إلى صد هجوم برمائي لجيش التحرير الشعبي أو كسر حصار الجزيرة.
ويحتاج المدافعون عن تايوان إلى ضمان أن يكون الوقت في صالحهم، وليس في صالح جيش التحرير الشعبي الصيني.
الدرس الثالث: جعل قطع الرأس مستحيلا
يرى هولمز أنه ينبغي على الجيش التايواني تطبيق اللامركزية وتوزيع ترتيبات القيادة والتحكم وغيرها من القدرات لتعزيز صمود المدافعين. وقد ظهر أن الحرس الثوري الإسلامي قد استعد للحرب بتفويض السلطة لقادة إقليميين لاختيار أهدافهم في منطقة الخليج - وأحيانا خارجها- ومهاجمتها دون إذن من القيادة العليا. في الواقع، لم يؤد قتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الساعات الأولى من الصراع - مع أنه كان له تأثير مؤكد على إيران - إلى تعليقها لنشاطها العسكري، حتى تتضح الأمور من القيادة العليا. ولكن على العكس، يبدو أن قتله زاد من حدة هذا النشاط، ما دفع النظام إلى شن هجمات عشوائية على أهداف أمريكية وأهداف الحلفاء في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
وفي الأسابيع التي تلت اندلاع الحرب، صمد النظام الإيراني رغم الخسائر الفادحة التي لحقت بكبار قادته السياسيين والعسكريين إثر الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، ولا يزال يواصل القتال... والاستنتاج المنطقي هو أن الأفراد قد يموتون، لكن النظام يبقى.
ويرى هولمز أن هناك شكوكا في أن تقبل تايوان، وهي مجتمع ليبرالي، بتخفيف السيطرة المدنية على العمليات القتالية إلى هذه الدرجة. ومع ذلك، يظل المبدأ سليما. ينبغي على القوات المسلحة أن تبحث عن سبل للتشتت والانتشار، حتى لا تؤدي خسارة جزء من القيادة العليا إلى هزيمة المجهود الحربي بأكمله. ويجب أن يكون هدف تايبيه هو جعل القوات المسلحة والمجتمع يتحليان ليس فقط بالقدرة على الصمود، ولكن أيضا بالقدرة على مقاومة الكسر.
الدرس الرابع: الأنظمة العديدة المقبولة تتفوق على أنظمة قليلة ممتازة
قال هولمز إنه ينبغي أن يكون تصميم القوات صغيرا وبسيطا ومتعددا بدلا من تصميم كبير وممتاز وقليل العدد. ولتحويل المواقع المهمة إلى ميزة وإطالة أمد الحرب وتشتيت القدرات، ينبغي على تايبيه تبني استراتيجية منع وصول مصغرة. فقد تمكنت إيران من شن هجمات باستخدام صواريخ باليستية وصواريخ كروز، بالإضافة إلى طائرات مسيرة رخيصة الثمن، جوية وبحرية، إلى جانب أسراب من الزوارق الهجومية السريعة الصغيرة والزوارق السريعة. حتى مراكب الصيد الشراعية يمكن أن تستخدم بشكل مؤقت لزرع ألغام، إذا ما أصدر قادة الحرس الثوري الإيراني قرارا بذلك.
واختتم هولمز تحليله بالقول إنه ينبغي على تايوان أن تحذو حذو إيران، وأن تقلل من الاعتماد على المنصات الكبيرة مثل المقاتلات والسفن الحربية الكبيرة، وأن تنشر في الوقت نفسه مجموعة من الطائرات المسيرة وسفن الكورفيت الصاروخية الشبحية، وهي السفن الحربية الصغيرة السريعة. ويتعين عليها توزيع هذه السفن ليس فقط في الموانئ الرئيسية، ولكن أيضا في موانئ الصيد الصغيرة المنتشرة حول محيط الجزيرة الوعر. إن الخلط المتعمد بين السفن العسكرية والمدنية سيسبب صعوبات كبيرة لضباط استخبارات جيش التحرير الشعبي في الكشف عن هذه السفن واستهدافها. (وسيكون من الجيد أيضا أن تتواصل تايبيه مع القوات المسلحة الأوكرانية للحصول على المشورة، إن لم تكن قد فعلت ذلك بالفعل. فالمدافعون الأوكرانيون يظهرون براعة حتى في أسوأ أيامهم). ويبدو أنه يمكن تعلم الكثير من الأعداء مثلما نتعلم من الأصدقاء.