يكتمل في 30 أغسطس الجاري مرور 20 عامًا على رحيل نجيب محفوظ، الذي رحل بعد مشوار ورحلة أدبية ثرية امتدت لما يزيد على 70 عامًا، بدأت مع روايته عبث الأقدار التي نشرها في أواخر الثلاثينات، وكانت مجموعته "أحلام فترة النقاهة" التي نشرت قبل رحيله بنحو عام هي آخر ما أطل به على جمهوره الذي توارث محبته من جيل لجيل.
ويعد نجيب محفوظ من رواد الرواية الواقعية، لذا دائما ما يثار التفكير حول الجذور التي يستمد منها شخصياته وأبطال رواياته وهل كل منها له ظل في الواقع؟.
-الثلاثية.. كيف استوحى محفوظ شخصياتها من واقعه؟
يقول نجيب محفوظ: "في السنوات التي سبقت الثلاثية كانت التفاصيل تتراكم من هنا وهناك، من جلسة، من حوار، من سهرة، إن 90% من شخصيات الثلاثية لها أصول واقعية، بعضها من عائلتنا، بعضها من جيران، بعضها من أقارب، بالطبع الشخصية الواقعية تنسى، لأن الخلق يجعله إلى شيء آخر، الأصل في الواقع ينسى، ولا يعرف تاريخيًا إلا طبقًا لتسجيلك أنت، الأصل لا يهم"، وذلك حسب ما ينقله جمال الغيطاني في كتابه "المجالس المحفوظية".
ويواصل محفوظ: "أن الثلاثية هي العمل الوحيد الذي يحتوي جزءًا كبيرًا من عقلي وقلبي، بعض الناس يقولون لي: أليس في شخصية أحمد عاكف شيء منك؟ وهذا غير صحيح على الإطلاق، أحمد عاكف شخصية حقيقية، كان موظفًا في الجامعة، بالتحديد في إدارة الجامعة، قرأ الرواية بعد صدورها ولم يعرف نفسه، لم يعرف أبدًا أنني استوحيت بطل الرواية منه، وهذا يدلك على شيء غريب. هو أن رأي الإنسان في نفسه، ورأي الآخرين فيه، ما أبعدهما عن بعض".
ويكمل: "كان أحمد أفندي عاكف الذي عرفته مجرد موظف صغير بإدارة الجامعة، كان يظن أنه يعرف كل شيء في مصر، كان لديه البكالوريا فقط ويظن أنه جمع علوم الدنيا كلها، والمخاطرة التي تحملتها أنه لو عرف أنني استوحيتُه في «خان الخليلي» ربما هدد ذلك حياتي، ربما كان يعتدي علي، إذ إنه لم يكن طبيعياً بالمرة"
-بطل السراب كاد يقتل محفوظ بالمسدس
ويروي محفوظ للغيطاني: "وبالمناسبة، تعرضت حياتي مرة أخرى للخطر بسبب إحدى الشخصيات التي استوحيتها من الواقع، أقصد بطل "السراب"، إنه شخصية حقيقية، كان حاصلاً على ليسانس الحقوق، اسمه حسين بدر الدين، لم يكن يقرأ أي روايات أو أي نوع من الأدب، أحد أصحابنا من شلة العباسية -لعلك تذكره، علي محمد علي- ذهب إليه وقال له بسخرية: "نجيب كاتب عنك". عندئذ أخرج مسدسه وشتمني. بالطبع اختفيت عنه".
وأكمل "كان هذا الشخص من الأثرياء، ضيع ثروته حتى تسول، وكان ينام بمقهى الفيشاوي، دخل السجن بسبب المخدرات، كانت العقدة في حياته علاقته بأمه، وكان دائمًا يصاحب العديد من النساء، وفي نفس الوقت لا يمارس أي فعل، كان من الممكن أن يقتلني، مع أنه لم يقرأ الرواية، كان شخصًا شريرًا شاذًا، في الرواية تجد شخصًا آخر، رقيقًا وهادئًا".