مصر التى فى خاطرى - يوسف الحسن - بوابة الشروق
السبت 2 مارس 2024 7:36 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

مصر التى فى خاطرى

نشر فى : الأربعاء 4 أكتوبر 2023 - 10:50 م | آخر تحديث : الأربعاء 4 أكتوبر 2023 - 10:50 م
على غير موعد، التقيته صدفة فى صالة الانتظار بمطار القاهرة، قبيل نداء الصعود إلى الطائرة. أقبلت عليه محييا، ومتسائلا: ألست.. أنت فلان؟

وقف صاحبى، وقال: «نعم.. هو أنا».. تبادلنا التحيات والذكريات، وقلت له مداعبا: «كبرنا.. يا صديقى، وهدتنا هموم السياسة، منذ سنين لم نلتقِ، كانت سنينا عجفاء مريرة... أليست كذلك؟».

دعانى للجلوس بجواره، وسألته عن وجهة سفره، أجاب بابتسامة غائمة، «ليس إلى «أبوظبى».

كانت إجابته الاستفزازية، دعوة مغرية لى، لفتح حوار قصير معه، وخاصة بعد أن عرفت أنه مغادر إلى عاصمة عربية خليجية أخرى.

كنت وصاحبى، طوال أكثر من عقدين، سبقا عقد ما سمى «بالربيع العربى»، نلتقى بين حين وآخر، فى مؤتمرات وندوات سياسية وفكرية، فى القاهرة وبيروت وطهران والدوحة وأبوظبى وغيرها. نتحاور، نتفق ونختلف فى اجتهادات وزوايا رؤى.

نتفق فى الخطاب النقدى للغرب، فى حالات الهيمنة والاستعمار الجديد. والاستعلاء والتمييز وازدواجية المعايير، ومحاولات مسخ الهوية الثقافية العربية، لكننا نختلف فى قضايا ما سمى وقتها «بالصحوة الإسلامية»، وفى الموقف تجاه سياسات إيرانية كدولة وثورة، وتدخلاتها فى الشئون العربية، فضلا عن قضايا أخرى طرحت على الحوار القومى ــ الإسلامى فى تسعينيات القرن العشرين، والعقد الأول من القرن الحالى.

قلت لصاحبى: لم أقرأ لك منذ زمن غير قصير.. ولعل «الربيع العربى» قد سلب منا «متعة» الحوار وحق الاختلاف، وأسلمنا إلى الخيبة.

لا أدرى، لماذا تذكرت أن صاحبنا. قد دافع عن «تجربة التكفير» التى ظهرت فى الربع الأخير من القرن الماضى، بحجة أن «بطش السلطة يشيع العنف فى المجتمع»، وأن «انفراط عقد الجماعة الإخوانية، سيحول شبابها إلى داعش، بسبب اليأس والإحباط» على حد قوله.

تذكرت أيضا، ما كتبه صاحبنا، فى منتصف العقد الثانى من هذا القرن، ودفاعه عن جماعات «الإسلام السياسى»، وعن «ربيع» مصر القصير العمر.

وبدا لى أن صاحبنا، يفتح نافذة للحوار، فى هذه الدقائق القليلة المتبقية للالتحاق بالطائرة. قلت له: «يا صديقى، أليس فى الواقع المصرى اليوم ما يستحق الثناء، ويتطلب الصبر؟.. بعد أن ضاعت عقود من أعمار أبنائها، فى تجارب «السداح مداح» فى السبعينيات، وما تلاها من تيه، ونزف، وتراجع فى مستويات التعليم والرعاية الصحية والتنمية الثقافية، وشل لجزء غير يسير من قدرات مصر وشعبها ودورها إلى درجة مؤسفة، وصفها الرئيس المصرى الأسبق مبارك، فى معرض رده على سؤال التوريث... إنها صارت «خرابة».

سألت صاحبنا، وأنا أودعه: لماذا لم تجر مراجعة نقدية للسيرة والمسيرة وللأفكار والمواقف، بعد أن تبين أن اختيارات الكثيرين، من أمثالكم من مفكرين ومثقفين، وجماعات منظمة، ليست صوابا على طول الخط؟

لماذا الإنكار، أو العجز عن المراجعات الموضوعية، فى الأفكار والأهداف والوسائل والمواقف؟... إن المراجعات النقدية، هى مؤشر للتصويب والتجديد، ودفن الكثير من الخنادق المتقابلة، التى صنعتها، أحداث مؤسفة، وخطايا، أضاعت أوطانا عربية، وموارد، وأسالت دماء، وفسخت نسيجا اجتماعيا، وصدعت أعمدة بلدان، وعطلت تنمية، وأهدرت كرامة الإنسان، وحقه فى الحياة، بعيدا عن قوارب الموت فى البحار، وسيوف القتلة المأجورين والسفهاء. الذين عبثوا بالدين الحنيف إلى مديات بعيدة.

غادر صاحبنا، صالة الانتظار، وودعته، راجيا له السلامة والعافية.

لا نضجر من مساءلة أصحاب الخطاب «الإسلاموى» السياسى، عن جدوى الاحتفاظ بهذا الخطاب، رغم خطاياه وعثراته وفشله الذريع طوال عقود.

ما فائدة إنكار المراجعات، والاعتراف الشجاع بالأخطاء والخطايا؟ وأحسب أن مراجعة الأفكار، بين حين وآخر، ضرورة لتنشيط العقل، والمراجعات التى نقصدها، هى غير التراجعات السياسية، والتى تتم بغرض مواجهة ضغوط سياسية آنية.

ظلت أسئلة هذا اللقاء، وأحوال مصر العربية، تسيطر على التفكير طوال رحلة عودتى إلى الديار.

نعم... هناك ورشة عمل كبرى تجرى الآن فى مصر، وهناك إنجازات تنموية تحققت، وبرامج إصلاح طيبة. لقطاعات عدة، وبناء أو تجديد بنى أساسية، وخدمات عامة فى القرى والمجتمعات الريفية، ومشروعات قومية للنقل والإنتاج الزراعى.

أقرأ وأسمع نقدا للمشروع التنموى المصرى الراهن، رغم أنه يضىء على خطط فى إدارة الفقر، وتعبئة الموارد لمواجهة احتياجات شعبية ضخمة ومتزايدة ومتنوعة. ولديموغرافية متسارعة النمو (فى السنوات العشر الأخيرة، زاد عدد السكان نحو عشرين مليون نسمة)، فضلا عن حرب على الإرهاب والتفتيت لا تزال ساخنة، وبخاصة فى الحدائق الخلفية لمصر، فى السودان وليبيا، وأخرى فى صحارى وجبال وسواحل أفريقيا.

لم يخطئ الشعب المصرى فى اختيار العلاج، بعد أن خاف على هويته الجامعة، وسلمه الداخلى، فاستجار بجيشه، لتضميد جروحه، التى أصابته.

تحتاج مصر إلى فسحة استقرار، وإلى حوار عميق ومستدام. وإدارة رشيدة واحترافية وأمينة للموارد البشرية، وإعلاء المصلحة العامة، وبما يضمن العدالة والحرية المسئولة، والمستقبل الأفضل للأجيال القادمة.

طافت فى الذاكرة صورة مصر، وهى تعبر بنجاح، مأزق المواجهات المسلحة مع الجماعات الإرهابية، والتى شلت الحياة فى القاهرة، وحرقت مبانى ومحاكم وكنائس، وذلك الإرهاب الذى عمل على إنهاك الجيش المصرى فى سيناء، وبدت مصر فى وقتها، وفى عيون عشاقها، وكأنها تدور حول نفسها.

البدائل مخيفة، وقد جربها الشعب العربى المصرى، وشعوب عربية أخرى. ومن مصلحة العرب والإقليم أن تستعيد مصر عافيتها، وأن تتحسن أحوال حياة الناس، فى ظل استقرار سياسى، يفتح الأبواب أمام بناء مشروع تنموى وحضارى وطنى.
• • •
حضرت إلى الذاكرة، صورة الشاعر الشعبى الراحل صلاح جاهين، وهو يسيس حناجر المغنين ويقول: «مطرح ما نمشى.. يفتح النوار».
يوسف الحسن  مفكر عربي من الإمارات
التعليقات