لبنان فريسة أسياد الديون - سلمى حسين - بوابة الشروق
الجمعة 15 يناير 2021 8:16 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع أن يساهم قرار تأجيل امتحانات نصف العام في تراجع إصابات كورونا بمصر؟

لبنان فريسة أسياد الديون

نشر فى : الجمعة 6 مارس 2020 - 8:10 م | آخر تحديث : الجمعة 6 مارس 2020 - 8:10 م

يشبه الرجل غاندي، نحيف حليق الرأس، ذو نظارة صغيرة مستديرة. ومثله صار يمشي بين الناس لينشر كلمته. كان الصحفي- الباحث من أوائل من كتبوا عن نفوذ أصحاب البنوك في لبنان، وكيف يستطيعون- استنادا إلى وضعهم كأقوى جماعة ضغط عابرة للتقسيمة الطائفية- أن يستفيدوا من اقتصاد البلاد- في سرائه وضرائه، كي يحققوا أرباحا خيالية، عن طريق إقراض الحكومة بأسعار فائدة ضمن الأعلى حول العالم.

ومنذ قامت الانتفاضة في أكتوبر الماضي، نشر الصحفي المزيد من المعلومات حول تراكم ثروات رجال المصارف، وكبار مودعيها، متهما مصرف لبنان (البنك المركزي) بتسهيل تركز تلك الثروات بين أيدي أقلية من المتصلين سياسيا.

استقال الرجل من الجريدة التي كان يعمل بها. وتراه يتنقل بين خيام الاعتصامات في الميادين المختلفة، شمال البلاد وجنوبها، ليشرح وجهة نظره. ولم يمر ذلك دون أن يلحظ.

في ذات مساء من الشهر الماضي، كان الرجل عائدا من إحدى الندوات، حين داهمه ثلاثة رجال ليوسعوه ضربا وركلا وتركوه غارقا في دمائه. سرعان ما كشفت كاميرات المراقبة في الشارع أن المعتدين الثلاثة هم مرافقو وزير التجارة والاقتصاد الأسبق، ورئيس مجلس إدارة بنك الموارد، الحالي مروان خير الدين، وفر اثنان منهما إلى مقر إقامة حليفه، رئيس حزب الديمقراطي اللبناني، النائب طلال أرسلان. واعترف الثلاثة بعد القبض عليهم بالاعتداء مؤكدين على أنهم بادروا به، ولا علاقة به للوزير السابق. ومازالت القضية قيد التحقيق.

يبدو أصحاب البنوك، في تلك الأحداث المشوقة، وكأنهم البطل الشرير الذي يريد السيطرة على البلاد حتى لو دهس ملايين البشر. وحتى الآن لم يظهر سوبرمان ليخلص الناس من تلك الورطة.

لبنان هو أحدث بلد منتفض في العالم العربي، بحثا عن العدالة الاجتماعية، وعن صيغة سياسية تخلو من معجون الطائفية وتركز الثروة المختلطة بالنفوذ السياسي. توقف النمو منذ عام 2011، وتردى الوضع الاقتصادي وتضاعف الفقر وزادت البطالة.

منذ الانتفاضة، ورغم فرض حظر على خروج الأموال من البلاد، خرجت من البلاد 2.3 مليار دولار في شكل تحويلات بنكية. تنهار قيمة العملة المحلية وتعاني البلاد من أزمة شح الوقود بأنواعه، ويصحو أهله وينامون في الأيام الأخيرة على أسئلة من نوع: هل تعلن البلاد إفلاسها؟ وهل يستدين لبنان من صندوق النقد الدولي؟ فماذا يعني أن تعلن لبنان الإفلاس؟ ولماذا قد يرغب البعض في هذا الخيار القاسي أو ذاك؟

الرقص على حافة الخطر

تجتمع اليوم السبت الحكومة اللبنانية لاتخاذ قرار بشأن سداد سندات من الدين العام تستحق في التاسع من مارس الحالي. تبلغ قيمة السندات 1.2 مليار يورو، بعد أن صوت البرلمان موافقا على الامتناع عن سداد تلك السندات، وهو ما يسمى في الرطان الاقتصادي: "إعلان إفلاس من طرف واحد". وهو إجراء يعرض البلاد إلى تدهور تصنيفها الائتماني ومن ثم عدم القدرة على الاستدانة بالعملات الأجنبية من الأسواق العالمية لسنوات قادمة. فلماذا قد تتخذ الحكومة هذا القرار المؤذي؟ إنه جزء من الصراع الدائر مؤخرا بين الحكومة وكبار البنوك اللبنانية.

يعاني لبنان من دين حكومي هو ضمن الأكبر في العالم، حيث بلغ 150٪ من إجمالي الدخل المحلي (يعادل مرة ونصف كل ما ينتجه ويكسبه كل المقيمين في لبنان في عام). وتبلغ الفوائد المستحقة عليه سنويا 10٪ من إجمالي الدخل المحلي، كما يوجه 15٪ من الدخل الإجمالي لسداد أقساط تلك الديون. وعليه، فإن كل الضرائب والموارد، التي تحصلها الدولة، تذهب إلى خدمة الدين.

فلا يبقى للدولة سوى الاقتراض من جديد كي تستطيع وفاء باقي الالتزامات من أجور وشراء سلع أساسية واستثمارات. وراكمت البنوك وكبار المودعين عبر العقود القليلة الماضية أرباحا مليارية جراء ذلك الوضع. كلها معفية من الضرائب.

يرصد الصحفي محمد زبيب أن هامش أرباح البنوك من الفوائد بلغ مجموعا تراكميا يقدر بـ30.4 مليار دولار على مدار السنوات العشر الماضية. وأن المجموع التراكمي للفوائد المدفوعة للمودعين لدى المصارف يقدر 63 مليار دولار، حصل عليها المودعون خلال نفس الفترة.

وهكذا، حين اقترحت الحكومة رفع الضريبة مؤقتا لمدة ثلاث سنوات على تلك الريوع، رفض لوبي البنوك. بل وهربت الأموال من لبنان، كما يلاحظ البنك الدولي، ليهتز استقرار الدولار مقابل الليرة.

ورفضت المصارف أيضا اقتراح حكومة الحريري السابقة، بمضاعفة الضريبة لمدة عام واحد فقط إلى 34٪.. رغم أن الإجراء يوفر للخزانة ما يعادل 400 مليون دولار، في حين ربحت البنوك من عمليات إقراض الحكومة (من خلال ما يسمى بالهندسة المالية) 6 مليار دولار كأرباح استثنائية في عام واحد (2016) فوق أرباحها العادية، بحسب حسابات زبيب من بيانات مصرف لبنان.

لذا كانت من أهم مطالب الانتفاضة فرض ضرائب تصاعدية على الثروات وعلى الريع الناتج عن فوائد البنوك. تحقيقا للعدالة الاجتماعية وأيضا كوسيلة لسد العجز بدلا من الاقتراض.

ومنذ يناير الماضي، ومع توقف دخول تدفقات دولارية إلى داخل البلاد، بدأت مناقشات في الحكومة حول إعادة جدولة ديونها، عبر التفاوض مع البنوك اللبنانية (مالكة معظم تلك الديون)، وذلك من أجل مد فترات السداد، أو تخفيض أسعار الفائدة. واستعانت الحكومة بالمكتب الاستشاري العالمي لازارد ليميتد وبمكتب المحاماة كليري جوتليب ستين وهاملتون. كما طلبت المشورة الفنية من صندوق النقد الدولي الذي زار البلاد منذ أسبوعين. وكلها جهات تراعي مصالح الدائنين (ربما أكثر مما ينبغي).

ويتيح خيار إعادة هيكلة الديون عبر التفاوض هامشا للحفاظ على الاحتياطيات الدولارية من أجل تغطية الواردات من السلع الغذائية ومواد الطاقة، من دون أن يفقد العالم ثقته في الاقتصاد اللبناني. قد يعرض ذلك البنوك لضائقة مالية مؤقتة، لكنه يعني حسن استعمال الموارد الدولارية المحدودة من أجل الصالح العام.

وهكذا، سعت الدولة اللبنانية إلى التوصل إلى اتفاق مع حملة كل شريحة من شرائح السندات الدولارية (اليوروبوند) لإعادة جدولة هذه السندات، وتحديدا تلك التي تستحق خلال سنة 2020 في أشهر مارس (وهي بقيمة 1.2 مليار دولار) وأبريل (بقيمة 700 مليون دولار) ويونيو (بقيمة 600 مليون دولار). والمقترح، بحسب وكالة بلومبرج، هو استبدال تلك السندات الدولارية المملوكة للبنوك اللبنانية بأخرى ذات فائدة أقل. ولكن كان للبنوك قول آخر، بل فعلٌ آخر.

لغز أشمور

يشرح على نور، على موقع 180 درجة، كيف سارت الأمور لتصل إلى الوضع المعقد الذي صارت عليه اليوم.

"بحسب العقود التي تنظّم علاقة الدولة مع حاملي السندات الدولارية، من المفترض أن تنال الدولة اللبنانية موافقة حملة أكثر من 75% من السندات، لأي شريحة من شرائح السندات التي تريد إعادة جدولتها. أما إذا أرادت الدولة الشروع في عملية إعادة هيكلة شاملة للدين، فهي تحتاج - وفقا لهذه القاعدة – إلى موافقة حملة أكثر من 75% من السندات لكل شريحة على حدة. وبالتالي، فإن تحقيق هذا الشرط يمكن أن يشكل تخلفا منظما، عن السداد. أما إذا فشلت الدولة في تأمين موافقة حملة هذه النسبة من السندات، وتوجّهت إلى التوقف عن السداد، فتكون الدولة أمام خيار التخلف الأحادي عن السداد".

قبل بدء الحديث عن إعادة جدولة السندات التي تستحق خلال شهر مارس الحالي، لم تكن البنوك وصناديق الاستثمار الأجنبية تملك أكثر من ربع قيمة السندات التي تستحق خلال هذا الشهر، وذلك بحسب الأرقام التي نشرتها "الشركة الدولية للمعلومات". وكانت المصارف اللبنانية المحلية تملك ثلاثة أرباع تلك الشريحة. وبالتالي، كان من الممكن وفق هذه الأرقام التوصل إلى تفاهم على إعادة جدولة السندات التي تستحق خلال شهر آذار/مارس من خلال الاتفاق مع حملة السندات المحليين. إلا أن مستثمرين أجانب، وعلى رأسهم صندوق أشمور الاستثماري البريطاني، نجحوا في شراء المزيد من سندات اليوروبوند من البنوك المحلية، بثمن بخس (39 سنت في المتوسط عن كل دولار)، حتى حصل "أشمور" على "الربع المعطل" لكل شريحة من الشرائح التي تستحق خلال العام الحالي. ورفض أشمور كل المقترحات الحكومية لإعادة الجدولة، طمعا في الضغط على الحكومة كي تلتزم بسداد كامل المبلغ، فيحقق أرباحا طائلة.  

ضربت البنوك اللبنانية أكثر من عصفور بحجر واحد حين باعت تلك السندات. فهي من ناحية، أرادت تأمين سيولة دولارية وتمكنت بذلك من تحويل جزء من أصولها إلى سيولة في مصارف أجنبية في الخارج. ومن ناحية أخرى، نجحت في تعطيل التفاوض حول إعادة الجدولة عبر رفض الدائنين الأجانب. والقصة كلها (خروج الأموال وبيع السندات إلى الأجانب) محل تحقيق حاليا من قبل القضاء اللبناني الذي قرر منذ أيام حظر التصرف على أصول 20 بنكٍ لبناني، ومنع أعضاء مجلس إداراتها من التصرف في أموالهم. كما أقر البرلمان قانون رفع السرية المالية لتسهيل التحقيق.

الخيار شمشون؟

الوضع الآن: الحكومة تهدد بالخيار شمشون. الامتناع عن السداد وهو ما يعرضها للملاحقة في محاكم أمريكية والحجز على ودائع مصرف لبنان هناك، إضافة إلى حرمان البلاد من الاقتراض الخارجي. والبنوك اللبنانية أيضا معرضة للإفلاس إذا ما حرمتها الدولة من مستحقاتها.

قد يؤمن خيار اللجوء إلى الصندوق، مسكنا لهذا الوضع، لما يتيحه من حزمة قروض خارجية، تفك أزمة نقص الدولارات بشكل مؤقت. ولكنه يأتي بحزمة "تقشف انتقائي" تمس محدودي الدخل أكثر من غيرهم. على غرار ما حدث في مصر وتونس والأردن، ظاهره تحسن المؤشرات الاقتصادية وباطنه إفقار الملايين وارتفاع البطالة وتدهور أحوال المعيشة، بحسب مجلة الإيكونوميست.

يحافظ خيار الصندوق أيضا على نفس التركيبة المعيبة لحوكمة البلاد، فيستفيد من أي ضخ نقد أجنبي قلة من النافذين اقتصاديا وسياسيا، كما يلاحظ الاقتصادي اسحق ديوان، صاحب أهم الدراسات عن رأسماليات المحاسيب في الشرق الأوسط. البلد كله إذاً صار رهينة تلك البنوك وإصرارها على تحقيق ذات الربح العالي المعفى من الضرائب. فما السبيل إلى النجاة؟

ربما يستطيع لبنان أن يلجأ إلى الاقتراض من الصين وروسيا ومن أمريكا الجنوبية، لحل مشكلة عجز الدولارات بشكل مؤقت. لا بديل أيضا عن إعادة هيكلة منظمة للدين، تتيح خفض مدفوعات الفائدة تمدد آجال السداد. وإذا ما استمرت تلك الاحتجاجات في الشارع، ربما تقنع صناع القرار بأهمية إصلاح اقتصادي قائم على إعادة توزيع الدخل بحيث يتحمل الأكثر غنى العبء الأكبر للإصلاح الحالي، حتى يعود الاقتصاد إلى عافيته.

أمران يعوقان هذا السيناريو المثالي: ينبغي أن يحوز أي برنامج إصلاح على رضا جيران لبنان من الدول المتصارعة سياسيا وعلى رأسها السعودية وإيران. وهنا يثور السؤال، ما هو الثمن السياسي الذي تستطيع لبنان دفعه كي تحصل على اتفاق مماثل لما حصلت عليه مصر في بداية التسعينيات، كي تنجح في إعادة هيكلة ديونها؟ العائق الثاني، هو صندوق أشمور وأمثاله. عرفهم العالم في أزمات الدين السابقة، ويطلق عليهم صناديق الجوارح، آكلي لحوم الموتى vulture funds.  يقف هؤلاء في أوجه الحكومات عند الحديث عن إعادة الهيكلة، ويجرونها إلى المحاكم الدولية، ويكبدونها خسائر فادحة لانتزاع أكبر قدر من الأرباح، على حساب المواطنين. فما حدث للصحفي اللبناني إلا تجسيم رمزي للملايين من الفرائس.

 

سلمى حسين صحفية وباحثة متخصصة في الاقتصاد والسياسات العامة. قامت بالمشاركة في ترجمة كتاب رأس المال في القرن الواحد والعشرين، لتوماس بيكيتي. صدر لها في ٢٠١٤ كتاب «دليل كل صحفي: كيف تجد ما يهمك في الموازنة العامة؟».
التعليقات