عودة إلى زمن المحمل - داليا شمس - بوابة الشروق
الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 11:53 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



عودة إلى زمن المحمل

نشر فى : السبت 11 نوفمبر 2017 - 9:40 م | آخر تحديث : السبت 11 نوفمبر 2017 - 9:40 م

معرض لوحات زيتية بعنوان «المحمل: نظرة ثانية»، يقام فى جاليرى أوبونتو بالزمالك حتى 18 نوفمبر الحالى، جعلنى أكتشف كتابا صدر بالإنجليزية قبل ثمانى سنوات، عن دار نشر الجامعة الأمريكية، من إعداد فريد كيومجى كحيل وروبرت جراهام، حول صور الحج فى بداية القرن العشرين. كيومجى هو كاتب متخصص فى الأدب والسفر إلى الشرق الأوسط ومؤسس دار الساقى بلندن، وهو يعكف حاليا على تحضير معرض آخر فى فيينا عن «المصورين الرواد لرحلة الحج»، أما جراهام فهو صحفى مخضرم عمل طويلا كمراسل لجريدة الفاينانشيال تايمز البريطانية. اشتغلا معا ليقدما مذكرات موظف عادى فى وزارة العدل المصرية يدعى محمد أفندى سعودى، كان ضمن بعثة الحج الرسمية التى تصاحب المحمل كل سنة إلى الحج، وبالتالى سافر مرتين إلى السعودية قبل أن توحد وتصبح مملكة سنة 1932.

***

المثير للاهتمام أن رحلته الأولى جاءت بعد سنتين من محاولة عبدالعزيز بن سعود لتأسيس دولة سعودية ثالثة عام 1902 تعرف باسم سلطنة نجد، ثم مملكة الحجاز ونجد، وجاءت أيضا فى خضم إنشاء خط سكة حديد الحجاز الذى كان يربط بين دمشق والمدينة المنورة فى خمسة أيام، وكان العمل قد بدأ به سنة 1900، وتم افتتاحه سنة 1908 أى لدى زيارة محمد أفندى الثانية للسعودية. (دمر هذا الخط عام 1916، خلال الحرب العالمية الأولى، وتعرض للتخريب بسبب الثورة العربية الكبرى وسقوط الدولة العثمانية بعد الحرب). المرحلة التاريخية التى يتناولها الكتاب بالصور والتعليق، من خلال كلمات شاهد على العصر، لفتت نظرى ونحن ربما على أعتاب الدولة السعودية الرابعة التى يرسم ملامحها الأمير محمد بن سلمان، كما يقول بعض المحللين والمراقبين عند متابعة تطورات الأحداث المتلاحقة، خاصة منذ تدشين مشروع «نيوم».

***
الصور التى التقطها ببراعة محمد أفندى سعودى، بعد سنوات من اختراع الكاميرا فى منتصف القرن التاسع عشر، تنقلنا نقلة مباشرة خارج الزمن. يذكر الكاتب أنه لم يكن سهلا عليه أن يصور الحجاج والبدو وأنه كثيرا ما أثار ريبتهم وأحيانا اتهم بالتجسس لصالح الإنجليز أو العثمانيين، بل وصل الأمر فى بعض الحالات للتشكيك فى إيمانه أو اتهامه بسرقة روح أحد أفراد القبائل لمجرد تصويره، لكن محمد أفندى ثابر واهتم بالتفاصيل ليرسم لنا من خلال رحلة الحج معالم الحياة الاجتماعية والسياسية وشكل المدن إلى ما غير ذلك، على غرار الرحالة الأوروبيين.
صوره وسرده الدقيق لأحداث الرحلة وعمله الذى كلفه به مفتى الديار المصرية وقتها وصديقه، الشيخ محمد عبده، الذى طلب منه حصرا بآثار الحجاز ومواقع الحج، وأيضا معاونته فى وقت لاحق للأثرى المصرى ذى الأصول التركية، على بك بهجت، جعل المشهد يكتمل.
جاءت مذكراته فى 250 صفحة من ورق الفلوسكاب، منسوخة بخط يده البديع، وقد كتب الكثير من مقاطعها على ظهر الجمل، أثناء الانتقال من مكان لآخر. نتابع فيها مثلا الاحتفال بمرور محمل كسوة الكعبة المشرفة داخل الأراضى المصرية، والنساء يزغردن والرجال يلقون بطرابيشهم فى اتجاهه لنيل البركة، نرى الحجاج ببشاكير الإحرام وكيف كانوا يلفونها بشكل مختلف، نصاحبهم خلال أسفارهم المحفوفة بالمخاطر، إذ كانوا يتعرضون لهجمات البدو، خاصة وأن المواكب المصرية والسورية كانت مستهدفة من القبائل المتضررة من إنشاء خط سكة حديد الحجاز، بتحريض من شريف مكة وقتها.

***

نكاد نسمع صوت المنادى المصاحب للقافلة معلنا عن تبكير موعد انطلاق إحدى السفرات التى ستستغرق 16 ساعة متواصلة، بناء على تعليمات أمير الحج، الجنرال إبراهيم باشا رفعت، الذى سجل هو الآخر انطباعاته فى كتاب «مرآة الحرمين»، وكذلك فعل الضابط المهندس، محمد بك صادق عندما حرر «مشعل المحمل» فى نهاية القرن التاسع عشر. ثم نستمر فى الرحلة مع بعثة الحج المصرية التى تحمل الكسوة المطرزة بالذهب وتضم 1800 حاج و500 جندى، بميزانية تقدر بثلاثة وعشرين ألف جنيه مصرى، كانت تعادل حينها خمسة ملايين دولار تقريبا.
وصف محمد أفندى البائعين أمام المسجد الحرام وأسواق جدة ومبانيها ذات المشربيات المستوحاة من الطراز الهندى، والتكية المصرية بمكة وقد اصطف الناس حولها للحصول على الطعام. ووصف كذلك البدو بعيونهم المكحلة وأسنانهم التى أصابها العطب بسبب كثرة أكل الحلويات، وتكدس الشنط فى الميناء وهى تحمل الأحرف الأولى من أسماء أصحابها، وإجراءات الصحة والسلامة فى كارنتينا مدينة الطور بسيناء للحماية من الأمراض خاصة الكوليرا، ومنع الأطباء دخول مياه زمزم والتمر للأراضى المصرية خوفا من الأوبئة. كل هذه الصور والخرائط والتفاصيل الحية تجعلنا فعلا نتجول بين خيم الحجاج المصرية وأحيانا السورية فى مقابلها، وقد زينتها الأعلام الملونة، فنتوقف قليلا فى استراحة تاريخية، نتأمل الأحوال، قبل أن نلهث وراء كم هائل من الأحداث المقلقة أحيانا أو التى تستعصى على الفهم.

التعليقات