«أبو شعر» .. تصويب خطأ فى موقع أثرى! - عاطف معتمد - بوابة الشروق
الخميس 23 مايو 2024 9:42 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

«أبو شعر» .. تصويب خطأ فى موقع أثرى!

نشر فى : الثلاثاء 14 مايو 2024 - 6:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 14 مايو 2024 - 7:37 م

أخذت الصورة المرفقة العام الماضى من الموقع الأثرى الرومانى «أبو شعر». ما نراه فى الصورة أطلال من ركام ودبش وحجارة، أعاد علماء الآثار ترتيبها لتذكرنا بالشكل الذى كان عليه المكان فى الماضى.

يعود عمر هذا الموقع الأثرى إلى ما يقرب من 1700 سنة مضت، حيث شيده الرومان كنقطة مراقبة عسكرية على الطريق الساحلى الذى تحدثنا عنه من قبل  فى مقال «فيا نوفا هادريانا».

ومن أسفٍ أن معظم الجغرافيين والجيولوجيين والأثريين فى مصر لا يعرفون هذا المكان ولا يتناولونه بالبحث والدراسة أو الزيارات الميدانية.

وقد ذاع صيت هذا الموقع الأثرى فى السنوات الأخيرة حتى أصبح حديث المؤتمرات العلمية فى الشرق والغرب لعدة أسباب أهمها التصويب العلمى لخطأ تاريخى وأثرى يتعلق باسم الموقع ووظيفته.

فقد تراكمت عبر القرون الماضية معلومات من العصر الرومانى عن ميناء مصرى شهير على البحر الأحمر يربط مصر بالهند والجزيرة العربية فى العصر الرومانى حمل مسمى «ميوس هرموس».

وطيلة عقود طويلة منذ عشرينيات القرن 19 وحتى سنوات قريبة كانت الخرائط العالمية تكتب على هذا الموقع مسمى «ميوس هرموس».

لكن اكتشافا أثريا غيـَّر وصحح المعلومات المتوارثة على النحو التالى:

< الموقع الذى أمامنا فى الصورة ليس له أية بنية أساسية للموانئ والرسو والسفن والتجارة، وهو مجهز لثكنات عسكرية ونقاط مخافر ومراقبة. وبالتالى فهو  «حصن» وليس «ميناء» ولأن أقرب جبل قريب منه هو جبل أبو شعر، وبئر مياه أبو شعر فإن الاسم الصحيح يجب أن يكون «حصن أبو شعر».

< الميناء العظيم الشهير «ميوس هورمس» يقابل اليوم ميناء «القصير القديم». وقد تأكد ذلك بعد الكشف عن حواجز أمواج ومراسى للسفن تبين أن هذا الميناء يقع هناك فى الجنوب عند القصير وليس هنا فى الشمال عند الغردقة.

دعنا نوضح معلومة جغرافية مهمة، وهى أنه حرى بنا أن نسمى المكان باسمه الكامل «حصن أبو شعر القبلى».

فجبل «أبو شعر» القريب من المكان له امتداد طولى كبير من الشمال للجنوب، ومن ثم يفرق البدو بين جبل أبو شعر «البحرى» الواقع شمالا قرب رأس غارب، وجبل أبو شعر القبلى الواقع جنوبا أمام الجونة والغردقة.

أما مسمى «أبو شعر» فالأرجح أنه مرتبط بوجود الأشجار والشجيرات فى الوادى أو الجبل.

ومن عادة البدو أن يسموا الجبل أو الوادى أو البئر التى تنتشر فيها الشجيرات والأشجار باسم «أبو خشب» أو «أبو خشيب»، و«أبو شعر».

ومن زيارتى الميدانية سألت عددا من البدو فأوضح لى بعضهم أن الموضوع لا علاقة له بالأشجار فى الوديان بل القصة مرتبطة أساسا ببئر المياه القريبة المسمى «بير أبو شعر». وحين يأتى البدو لورود المياه يجدون حول البئر أغصان نباتات وبقايا شجيرات تختلط بالمياه عند خروجها فيسمونها «أبو شعر».

نعود إلى الحصن الذى يظهر فى الصورة المرفقة. تبلغ أبعاده فى المجمل 100 متر طولا و100 متر عرضا. وكانت تحيط به أسوار سميكة تهدمت الآن، كان ارتفاعها نحو 5 أمتار.

تمكن علماء الآثار الأجانب من إعادة رسم وتصوير الحصن فحددوا فيه: البوابات، مخازن الحبوب، حمَّام رومانى، كنيسة، إسطبلات للدواب، خندق محصن.

واكتشف علماء الآثار 12 برج أو «طابية» على أسوار الحصن، ونحو 60 ثكنة عسكرية للجنود، فيما يعنى أنها كانت تسع نحو 200 جندى.

أما أهم الكشوف التى توصلت إليها البعثات الأجنبية فهى نقوش باليونانية واللاتينية تبين أن الحصن كان يضم وحدة عسكرية متنقلة من الخيَّالة أو الجمَّالة.

الغريب فى هذا الحصن وجود كنيسة للصلاة. وهو أمر غير متكرر فى الحصون العسكرية الرومانية.

وبعد دراسات عديدة، توصل علماء الآثار إلى أنه لأسباب غير واضحة تخلى الجيش الرومانى عن الحصن سلميا، فهجر الموقع. وهنا تغيرت الوظيفة التاريخية للحصن بشكل فريد ومثير.

ففى هذه الفترة من القرن الخامس الميلادى كانت حركة الرهبنة من وادى النيل إلى البحر الأحمر قد انتشرت ولا سيما فى الديرين الشهيرين «الأنبا بولا» و«الأنبا أنطونيوس».

هذا الحصن المجهز المحمى من الرياح والبحر وآمن من كل غوائل الطريق أصبح محطة جاذبة للرهبان المسيحيين الذين اتخذوه مقرا لهم.

يرجح العلماء أن عدد هؤلاء الرهبان كان فى حدود 100 راهب وناسك.

وبالتالى فإن الكنيسة التى تتوسط حصن أبو شعر لا علاقة لها بالحامية الرومانية بل أسسها الرهبان فى وقت لاحق. وهى كنيسة معادة الاستخدام والتدوير، إذا كانت فى الأصل المبنى الإدارى الرئيسى لضباط الحصن.

وألحق الرهبان بالكنيسة مقبرة ضمت رفات القديسين. ولم يتمكن العلماء من تحديد التاريخ الذى هجر فيه الرهبان حصن أبو شعر بعد أن حولوه إلى «دير أبو شعر» ثم هجروه لاحقا.

عل هذا النحو تم تصحيح الخطأ الذى دام قرنين من الزمن، وأصبح ما عرضناه هنا هو «حصن أبو شعر». أما الميناء الشهير «ميوس هرموس» والواقع فى القصير فله قصة أخرى.

يبقى أن نشير إلى أن منتجعا سياحيا كبيرا يقوم على أطراف حصن أبو شعر يسمى «الجونة».

الجونة هى ثان أكبر نموذج فى سواحل مصر التى تم تحويلها من مستنقعات إلى منتجع سياحى. فى مارينا العلمين على البحر المتوسط وفى الجونة على البحر الأحمر كان الساحل يتألف من سبخات ومستنقعات يمرح فيها البعوض قبل أن يتم تحويلها إلى بحيرات اصطناعية يسكنها علية القوم وصفوة رجال السياسة والفن.

 سميت الجونة بهذا الاسم لأنها شكلت على هيئة عدد كبير من البحيرات الصغيرة المتصلة بالساحل. فى الظروف الطبيعية حين تكون هناك بحيرة متوغلة فى اليابس ومتصلة فى نفس الوقت بالساحل البحرى يسميها الأوربيون «لا جونا« أو «جونا« أى البحيرة الساحلية.

فى كل من مارينا العلمين والجونة تم اصطناع هذا الاتصال بتحويل المستنقعات إلى بحيرات.

من عجائب التاريخ ومعجزات الجغرافيا أن كلا من الجونة والعلمين قاما على مقربة من آثار رومانية شهيرة، تم التغافل عنهما فى أى حديث علمى أو ثقافى من قبل المدارس المحلية فى الجغرافيا والتاريخ والآثار التى لا تبذل الجهد الذى يليق بهذه الكنوز الجغرافية.

فى أبو شعر كنز أثرى وجغرافى وتاريخى مطمور يمكن أن يجلب لمصر أفواجا سياحية متدفقة وتجعل من المنطقة قبلة علمية وثقافية وعصرية وفنية.

عاطف معتمد الدكتور عاطف معتمد
التعليقات