الأديان وحقوق الإنسان - صحافة عربية - بوابة الشروق
السبت 4 ديسمبر 2021 1:16 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

الأديان وحقوق الإنسان

نشر فى : الخميس 19 ديسمبر 2019 - 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 19 ديسمبر 2019 - 9:30 م

نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالا للكاتب عبدالحسين شعبان.. جاء فيه ما يلى:
تنظر الأغلبية الساحقة من الناشطين فى ميدان حقوق الإنسان إلى الأديان باعتبارها نقيضا لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذى تتخذه الأوساط الدينية بشكل عام إزاء منظومة حقوق الإنسان، باعتبارها خارج دائرة الإيمان. ويرتفع الجدل حول «أحقية» كل فريق منهما وادعاءاته، فى حين تُهمل المشتركات الإنسانية الجامعة لبنى البشر، تلك التى تشكل عمودا محوريا للأديان أساسه الإنسان، الأمر الذى يقتضى البحث عن الجوامع المقربة وليس الفوارق المُباعدة.
فى الدين حقوق للإنسان، مثلما فى حقوق الإنسان قيمٌ دينية، وفى الكثير من الأحيان تستمد الحركة الحقوقية الإنسانية قوتها من المنابع الدينية المتأصلة فيها، وهو الأمر الذى ينبغى للعاملين فى ميدان حقوق الإنسان إدراكه، لأنه يكسبهم قوة مهمة وأساسية، بل وحليفا جديدا إلى جانب الشرعية الدولية، مثلما يُكسب الأديان ذاتها بُعدا أكثر إنسانية وتقدما ومدنية.
علينا أن نتذكر أن العديد من المعارك الكونية المتعلقة بالحرية والكرامة قادتها شخصيات من منابع دينية مثل المهاتما غاندى فى الهند رائد المقاومة المدنية ــ اللاعنفية، والذى اغتيل فى الـ30 من يناير 1948، وعبدالغفار خان الذى شارك فى المقاومة السلمية عبر سلاح «الصبر والاستقامة»، وأوسكار روميرو من السلفادور أحد أبرز رواد لاهوت التحرير الذى اغتيل فى عام 1980، ومارتن لوثر كينج فى الولايات المتحدة، القس الذى قاد حركة الحقوق المدنية من أجل المساواة، والذى اغتيل فى الـ4 من إبريل 1968. وكان العديد من قادة حركة التحرر الوطنى ضد الاستعمار، من رجال الدين المسلمين والمسيحيين وغيرهم من المؤمنين، ناشطين من أجل التحرر والاستقلال والعدالة، وغالبا ما يفعلون ذلك لإيمانهم الدينى الذى يمنحهم قوة أخلاقية وروحية وشرعية شعبية.
لم أجد غضاضة فى التلاقى بين حقوق الأديان وحقوق الإنسان، بل أعتبر ذلك أمرا طبيعيا وواجبا على الطرفين تنميته بما يعزز الكرامة الإنسانية المتأصلة فى البشر، فالأديان عموما تدعو إلى المحبة بين البشر واحترام حقوقهم بغض النظر عن اختلافاتهم، بما يعنى توفير المستلزمات الضرورية لحماية منظومة الحقوق الإنسانية التى تسلم بها الأديان، فأين تكمن الإشكالية إذا؟
الإشكالية تكمن فى استخدام الدين أحيانا لقمع الأصوات الشجاعة المطالبة بالتغيير، بل يتم تبرير القمع وانتهاك الحقوق ممالأة للحكام، وفى أحيان أخرى لخدمة مصالح خارجية، بما يلحق الضرر بحقوق الأديان والإنسان، سواء فى الترويج للتعصب ووليده التطرف ونتاجهما العنف والإرهاب، مثلما يخطئ بعض نشطاء حقوق الإنسان حين يعتبرون مثل هذا السلوك يمثل الدين أو يعبر عنه، فيكون رد فعلهم معاداة الدين فى حين ينبغى عليهم مواصلة الكفاح ضد التعصب والخرافة والتفسيرات الماضوية للدين بما فيها إضفاء صفة القداسة على ما يطلق عليه «رجال الدين».
وهكذا يبالغ بعض دعاة حقوق الإنسان فى مجتمعاتنا العربية والمسلمة بالعلمانية، ويضعونها نقيضا للدين، وبالمقابل يستخدمها بعض المتدينين بصفتها رديفة للإلحاد، ويستند الفريق الأول إلى أن «الإعلان العالمى لحقوق الإنسان» لم يتضمن أى إشارة إلى الله، وينسون أن ذلك وضِعَ لتقبل الناس هذا الإعلان على اختلاف دياناتهم، بمن فيهم الذين هم بدون دين سماوى أو أرضى. ومثل هذا الأمر يقود إلى إبعاد أوساط واسعة مؤمنة بالله عن حقوق الإنسان والمشتركات الكثيرة التى تجمع المتدينين بالعلمانيين، ولا سيما كونهم بشرا مثلهم، ولهم نفس الحقوق والواجبات والتطلعات، حتى وإن كانت هناك بعض الجوانب الاختلافية العقائدية.
ويخطئ بعض الناشطين فى حركات حقوق الإنسان حين يبعدون المتدينين عن التواصل مع هذا الحقل المهم، مثلما يخطئ بعض المتدينين حين يعتبرون هذا الحقل خاصا بالعلمانيين، ولذلك لا بد من تجسير العلاقة، بما يعزز الثقافة الحقوقية فى الأوساط الدينية والمدنية، لكيلا تتسع الفجوة بين المجموعتين، فالدين هو وجهة نظر كونية تتضمن القيم المتأصلة فى الإنسان، بما فيها حياة الإنسان ونظام الكون وتطلعات المستقبل، إذْ إن خسارة حقوق الإنسان للأديان ستكون كبيرة جدا لما فيها من قوة روحية ومعنوية مؤثرة تستحوذ على عقول مليارات البشر، مثلما تكون حقوق الإنسان ضرورة لا غنى عنها لحماية المتدينين من الانتهاكات أيضا لأسباب دينية أو مذهبية أو طائفية، وذلك عبر الدعوة لنظام يحترم حقوق الجميع، ويؤكد مبادئ المساواة والحق فى تأدية الطقوس والشعائر الدينية بحرية.
وعلينا إدراك أن القوة الدينية التى لا ترتبط بالتزامات حقوق الإنسان تتحول إلى قوة شيطانية عمياء خطرة ومدمرة مثلما هو «داعش» والجماعات الإرهابية، بغض النظر عن مسمياتها وشعاراتها.

الخليج ــ الإمارات

التعليقات