قطط غزّة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 1 مارس 2024 7:56 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

قطط غزّة

نشر فى : الخميس 23 نوفمبر 2023 - 7:45 م | آخر تحديث : الخميس 23 نوفمبر 2023 - 7:45 م
كانت فكرة الكتابة عن القطط في قطاع غزّة قد أخذَت تنضج في ذهني على نار هادئة عندما ظهر لي على الفيسبوك إعلان عن كتاب بعنوان "فكّر وتصرّف كأنك قط: دليلك للتغلّب على ضغوط الحياة" للكاتب ستيفان جارنييه. لم أتوقّف عند توارد الأفكار المتكرّر بيني وبين الفيسبوك حيث إنني اعتدتُ عندما أتحدّث عن شئ مع بعض الأصدقاء سرعان ما أجد إعلانًا أو خبرًا عنه أمام عيني على الفيسبوك. وبالتالي لم أعد أستغرب هذا التجسّس الافتراضي على أحاديثي الخاصة والمعلنة، وذلك على الرغم من أن موضوع الإعلان عن هذا الكتاب كان جديرًا بالاستغراب بالفعل. يفرض السيد مارك زوكربرج مؤسس ومالك فيسبوك (أو ميتا) قيودًا صارمة على أي مادة منشورة فيها أدنى درجة من درجات التعاطف مع غزّة وأهل غزّة، فكيف إذن لم يلاحظ إعجابي بقطط غزّة وقدّم لي كتابًا عن القطط؟ شعرتُ بفخر شديد لأنني استطعت أن أخدع هذا الداهية مارك زوكربرج. أقول لم أتوقّف هذه المرة عندما ظهر لي إعلان الكتاب، أما الذي استوقفني فعلًا فهو عنوان الكتاب نفسه والذي يشير إلى أن الإنسان إن تصرّف في المواقف المختلفة مثل القط فإن هذا يسمح له بالتغلّب على الضغوط التي يتعرَض لها في الحياة، وبذلك فإن العنوان كان يختلف إلى حدٍ بعيد مع المدخل الذي كنتُ قد اخترته للحديث عن غزّة من باب القطط، ومثّل هذا التناقض حافزًا أكبر لي لكي أتشجّع وأكتب.

• • •

كان أول ما لفت انتباهي لموضوع قطط غزّة صورة مذهلة لقطة صغيرة تُخرج رأسها من داخل مبنى سكني حوّله قصف الطيران الإسرائيلي إلى كوم تراب. كانت نظرات القطة مسكونة بهلع يستحيل وصفه وكان في عينيها ذهول ودموع محبوسة، وتلك أول مرة في حياتي أعرف فيها أن القطط تبكي. كانت الصورة تلخّص المشهد في غزّة بأبسط الطرق الممكنة: لا توجد في غزّة حماية لشئ أو لأحد، وحول هذا المعنى المؤلم دارت كل التعليقات الكثيرة التي وردَت على الصورة. وعندما وقع بين يدي الإعلان عن الكتاب إياه لستيفان جارنييه والذي يدعونا فيه لتقليد سلوك القطط من أجل التغلّب على ضغوط الحياة، رأيتني أختلف مع أطروحة الكتاب، ففي لقطة غزّة بدت القطّة أو البِسّة كما يطلقون عليها في حالة صدمة تامة، ومعها في ذلك كل الحق، فهذه الوحشية الإسرائيلية التي جعلَت القطة إذ فجأةً وحيدة بين الركام وعلى وجهها ندوب وجروح- هي نوع من الوحشية لم تألفه من قبل رغم كل ما مرّت به غزّة من ويلات، فالحرب هذه المرّة هي حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي ومجموعة من الجرائم الإنسانية المركّبة. لكن في مثل هذا الموقف لم يكن لدى القطة الصغيرة بذهولها وصدمتها ما تعلّمه لأهل غزّة، بل كان العكس هو الصحيح لأن أهل غزّة تصرّفوا في أثناء الحرب الوحشية الأخيرة على نحو يعلّمون به الإنسانية للعالم كله بمختلَف مخلوقاته، ومنها هذه المخلوقات اللطيفة جدًا.. القطط.

• • •

لم أكن على علم بغرام أهل غزّة بالقطط حتى رأيت عددًا كبيرًا من القطط يتوسّد أذرع الأطفال والكبار وهم يهربون من قنابل الفوسفور الحارقة، وينتقلون من الشمال إلى الجنوب ليكونوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فجيش إسرائيل الذي وعدهم بالأمن في الجنوب تتبّع خط سيرهم وواصل قصفهم، ومنذ متى عهدنا الصدق في هذا الكيان وجيشه؟ قطط قطط قطط من كل الأشكال والأحجام تصاحب الغزّاويين في رحلتهم المحفوفة بالمخاطر. ظهرَت قطة بعينين زرقاوين كحبتّي فيروز بين ذراعّي طفل في حدود الخامسة، طيّرت الانفجارات التيشيرت الذي كان يرتديه فلم تبق عليه إلا ملابسه الداخلية، وجهه ملطّخ بالدماء ويضغط بشدّة على أسنانه ليكتم ألمه كما نفعل عادةً نحن الكبار، وكل أطفال غزّة يولدون كبارًا. وظهرَت قطة بُنيّة اللون بين ذراعّي طفل دون العاشرة بقليل، وتحت الصورة عبارة تقول لستُ واثقًا من أنني سأعيش لكنني أرجو أن تعيش قطتي.. وجع قلب. وسارت ثلاث نساء معًا وفي حضن كل منهن قطة شكل، إلى هذا الحد؟ نعم إلى هذا الحد. أما هذه القطة ذات الشعر المبتّل من زخّات المطر والتي يحاول أحد الأطفال إخفاءها تحت ملابسه فإنها الأكثر إيلامًا، فعلى الأرجح ليس لهذا الطفل أم تنهاه عن تدفئة القطة المبتلة داخل ملابسه، وعلى الأرجح أيضًا فإن هذا الصغير قد سبقت له رؤية أمه وهي تدفئ ملابسه الرطبة بجسمها، وكل الأمهات يفعلن ذلك. خرجَت قطط بيت حانون وبيت لاهيا وغيرهما من مناطق غزّة في حماية الصغار والكبار وإن كان مصير هؤلاء أنفسهم في علم الغيب، يحملونها معهم ورزقهم ورزق قططهم على الله، فإذا كانوا هم لا يجدون ما يقتاتون به فكيف إذن بالقطط وكل شئ في غزّة إما ينفد أو يُقصَف، هل رأينا من قبل مخبزًا يُقصف؟ نعم رأينا مخبزًا ومستشفى يُقصفان.

• • •

عندما كتبتُ قبل أسبوعين في هذا المكان عن أهمية أن نتعرّف على الجوانب الإنسانية في حياة أهل غزّة لم تكن قد انتشرَت بعد على وسائل التواصل الاجتماعي صور الغزّاوية يحملون قططهم، أما وقد انسابت هذه الصور وتدفقّت فقد تبيّن لنا كم هي قاصرة رؤيتنا للحياة داخل بيوت غزّة ومخيماتها. وأظن أنني لست وحدي التي فوجئت بهذا الكم الكبير من القطط في مشهد الحرب المدمّرة على قطاع غزّة، ومع أننا نعلم عن الارتباط الشديد لأصحاب الحيوانات الأليفة بها إلا أننا ربما كنّا نظن أن الحياة في غزّة على درجة من الصعوبة لا تسمح بتحمّل المسئولية عن أرواح قطط وكلاب، لكن أتت الحرب لتضيئ على جانب جميل وشديد الإنسانية داخل القطاع. أفتح قوسين لأقول إنني لم أر أسرة غزّاوية واحدة تصحب كلبًا في ترحالها تاركةً من خلفها البيت والأحلام، وقد يعود ذلك لسهولة تربية القطط ربما، أو لأن القطط كما قالت بعض النساء تُعّد مصدرًا للرزق ربما، أو ربما للتمسّك ببعض الفتاوى الدينية التي لا تحبّذ تربية الكلاب.

• • •

في ظنّي أنه لو قُدّر لستيفان جارنييه أن يصدر طبعة جديدة من كتابه "فكّر وتصرّف كأنك قط: دليلك للتغلّب على ضغوط الحياة"، لربما فكّر في إضافة جملة اعتراضية للشق الثاني من العنوان، جملة "إلا في غزّة"، فهذه البقعة الصغيرة من العالم ليست بحاجة إلى أن تحاكي سلوك القطط للتخفّف من ضغوط الحياة، فإيمان ناسها وصبرهم وثباتهم يقاوم كل ضغوط المحتّل وعنفه وجبروته، أما سلوكهم حيال القطط فإنه يعلّم العالم المتحضّر أن لكل روح قيمتها.
نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات