جاءنا التالي على شقف الفخار - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 6:47 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


جاءنا التالي على شقف الفخار

نشر فى : السبت 25 يناير 2020 - 10:10 م | آخر تحديث : السبت 25 يناير 2020 - 10:10 م

برينيس (Berenice) ملكة يونانية يعني اسمها "من تأتي بالنصر"، وقد حرفناه قليلا فصرنا ننطقه بالمصرية "برنيس"، ولم نتذكره مؤخرا إلا مع افتتاح قاعدة عسكرية كبيرة في هذه المدينة القديمة التي تقع جنوب البحر الأحمر، بالقرب من رأس بناس والحدود المصرية السودانية. أنشئ هذا الميناء التجاري في عهد بطليموس الثاني قرب العام 260 قبل الميلاد، وقد أطلق عليه اسم والدته الملكة برينيس، زوجة بطليموس الأول، وأعطى هذين الأخيرين مكانة دينية فجعلهما من "الآلهة المخلصة"، تمهيدا لأن يصبح هو نفسه "فرعون" البلاد بمباركة الكهنة المصريين، وهو إنجاز ضخم ثَبّت حكم البطالمة وجعله يتفرغ لتحقيق دمج الحضارتين المصرية واليونانية، وكذلك لحروبه التوسعية في سوريا وقبرص وما جاورهما.
وعلى الرغم من أن ميناء برينيس القديم كان يستخدم بالأساس لأغراض تجارية، خاصة جلب الأفيال من إريتريا لخدمة الجيش الملكي، إلا أن موقعه واسمه أكسباه مكانة خاصة، حتى بعد أن حل محله تدريجيا ميناء القصير، فقد ظل نقطة حدودية هامة بالقرب من مناطق المحاجر والثروات الطبيعية. كان له حاكم إداري، غالبا له صلاحيات عسكرية في عصر البطالمة. ثم في العصر الحديث كان دوما موقعا حربيا له أهميته تنافست عليه القوى العظمى، به قواعد عسكرية حتى لو أقل حجما من تلك التي تم افتتاحها قبل حوالي أسبوعين لتعد الأكبر في أفريقيا.
***
وفي القرن السابع عشر الميلادي، كتب راسين مسرحيته الشهيرة التي حملت اسم "برينيس"، وهي تعبير عن مأساة ضروريات الحكم، فالإمبراطور الروماني تيتوس، بطل العمل الأدبي، كان لزاما عليه أن ينحي الحب جانبا ويفترق عن حبيبته برينيس، ملكة فلسطين، ليحتفظ بالعرش، إذ لا يسمح له القانون ولا شعبه أن يقترن بغير رومانية. ومن هنا جاءت مقولته الشهيرة في المسرحية: "ليس بالضرورة أن نحيا، لكن أن نحكم"، في إشارة لحكم لويس الرابع عشر، ملك فرنسا وقتها الذي كان يحظى بسلطات مطلقة وكان له عدة قصص غرامية قد تكون مشابهة لمأساة بطل المسرحية. وهو ما يفسر في مكان ما إعجاب لويس الرابع عشر الشديد بالمسرحية، ورغبته في أن تكون ثاني عمل فني يتم عرضه على مسرح "الكوميدي فرانسيز" الشهير، بعد افتتاحه مباشرة بمسرحية "فيدرا" عام 1680.
بخلاف المعهود في المآسي الكلاسيكية لم تنته المسرحية بموت الأبطال، بل حكم عليهما بالتعاسة الأبدية والوحدة. قررت برينيس أن تضحي وتذهب للمطهر، وهو في المعتقد الكاثوليكي المكان الذي يتطهر فيه الناس من خطاياهم طلبا للتوبة الكاملة. لم يكلل حبها بالنصر، ولم تأت به لنفسها، على الرغم من معنى اسمها الذي وعدها بحسن الطالع، إلا أن للحكم وللسياسة ضروراتهما التي تجعل البعض يضحي بكل شيء في سبيل البقاء على كرسي العرش. تلك هي الرغبة المحمومة في الحكم التي تستأثر بالنفس فتجعلها تواقة للبقاء في أول الصف تحت أي ظرف، وفي حالة تيتوس كان الثمن هو التخلي عن معشوقته برينيس.
***
تأتينا قصص وتجارب كل هؤلاء من خلال البرديات وجدران المعابد والأوستراكا، وهي شقف الفخار وقطع الحجر الصغيرة المكتوب عليها بالقبطية والديموطيقية. يعيد بعض المؤلفين تخيل ملوك وملكات العصور السابقة ورعاياهم وعلاقاتهم بالكهنة فتظهر تعقيدات الموقف التي تجعلنا نردد عند القراءة: "ما أشبه الليلة بالبارحة". دون أن ندري نقارن الأسماء والوقائع وطبيعة النفس البشرية التي تنزع في أحيان كثيرة إلى تأليه الفرد. برينيس تظل برينيس في كل العصور. والأماكن الاستراتيجية التي يتنازع عليها الفرقاء تظل أيضا نفسها، مع اختلافات بسيطة. ونحاول نحن إعادة تربيط الحقائق والصور، وكيف كانت صحراء برينيس قبل الميلاد، بآبارها المحصنة ومحاجرها وطرقها التجارية ومواني البحر الأحمر، وكيف كانت جزيرة الزبرجد القريبة والمعروفة أيضا بسان جونز، حيث اكتشف حجر الزبرجد لأول مرة في العالم منذ عام 1300 قبل الميلاد.
ارتفاع هذه الأخيرة عن سطح البحر جعل منها برجا طبيعيا للمراقبة. الجغرافية أيضا تفرض أحكامها حتى من قبل بطليموس الثاني، وليست السياسة وحدها. لذا فالسكان الذين عاشوا هنا قديما كانوا يعتمدون في غذائهم على الأسماك. اختلفت أصول أسمائهم واختلطت الأنساب كالعادة عند وجود ميناء تجاري في المكان، ربما بخلاف الوضع الحالي. لكن في الأغلب الأعم لا توجد هناك فتاة حاليا تسمى برينيس. وحدها بقت المدينة العتيقة وتاريخ حافل بالسجالات والمطامح.

التعليقات