يحتفي العالم في 8 مارس باليوم العالمي للمرأة، وهي مناسبة تتجدد معها الأسئلة حول مكانة المرأة في المجتمعات المختلفة، ليس فقط من زاوية الحقوق الاجتماعية والسياسية، بل أيضًا من زاوية الخطابات الثقافية والدينية التي أسهمت عبر القرون في تشكيل صورتها ودورها. وفي العالم العربي والإسلامي تحديدًا، يظل النقاش مفتوحًا حول العلاقة بين النصوص الدينية والقراءات المتعددة التي أحاطت بها، ومدى انعكاس هذه القراءات على فهم موقع المرأة في المجتمع.
ومن هذا المدخل يمكن الاقتراب من كتاب «المرأة في الخطاب القرآني» للباحثة فوزية العشماوي، والصادر عن دار الشروق الذي يحاول إعادة النظر في صورة المرأة داخل النص القرآني عبر قراءة تحليلية تسعى إلى تفكيك كثير من الأفكار الشائعة التي التصقت بالخطاب الديني عبر الزمن، وفتح باب النقاش حول ما بين النص نفسه والتأويلات التي تشكلت حوله عبر العصور.
وتعد قضية مكانة المرأة فى القرآن الكريم من أكثر القضايا الحساسة التى ما زالت تفرض نفسها بقوة فى الوقت الراهن، فى ظل جدل واسع شارك فيه فقهاء وعلماء مسلمون، إلى جانب مستشرقين، واختلفت حوله القراءات والتأويلات اختلافًا كبيرًا. وفى هذا السياق يأتى كتاب الدكتورة فوزية العشماوى، «المرأة فى الخطاب القرآنى»، ليقدم قراءة تحليلية للخطاب القرآنى المتعلق بالمرأة.
يرصد الكتاب صورة المرأة فى المرأة فى القرآن الكريم منذ الآيات الأولى التى نزلت فى مكة المكرمة قبل الهجرة حتى الآيات الأخيرة التى نزلت فى المدينة المنورة، وكيف تناول الخطاب القرآنى تقديم المرأة. وتوضح صفحاته كيف أن السور المكية كانت المرأة ظلًا للرجل «امرأة فرعون»، «أم موسى»، «امرأة عمران» دون ذكر اسمها أو توجيه الخطاب القرآنى إليها، أما فى السور المدنية فقد تم توجيه الخطاب القرآنى لها مباشرة وباسمها كما فى قوله تعالى: «يامريم اقنتى لربك واسجدي». وتمت مخاطبة نساء النبى لأول مرة فى قوله تعالى: «يا نساء النبى لستن كأحد من النساء»، وتخصيص سور كاملة لشئون خاصة بالنساء: سورة النساء، الحجرات، الطلاق، الأحزاب، الممتحنة، المجادلة.
ويقسم الكتاب مادته إلى ثلاثة أجزاء؛ يعرض الأول النموذج الأولى للمرأة فى السور المكية، ويتناول الثانى النموذج المتطور فى السور المدنية، بينما يناقش الجزء الثالث مكانة المرأة فى القرآن الكريم بصفة عامة، والحقوق التى منحها الله لها فى النموذج القرآنى المتكامل، مؤكدًا المساواة بينها وبين الرجل فى العديد من الأحكام والتكاليف.
ومن أبرز القضايا التى يتناولها الكتاب ما جاء فى الفصل الذى حمل عنوان «الافتراءات على المرأة المسلمة»، وفيه تفند الدكتورة فوزية العشماوى أبرز المزاعم المتداولة فى العصر الحديث، والتى ترى أنها أسهمت فى تشويه صورة المرأة المسلمة، خاصة تلك المتعلقة بقضية «الحجاب».
وتشير إلى أن الحجاب جرى تسييسه وتحويله إلى رمز لخضوع المرأة، رغم أن القرآن الكريم - بحسب قراءتها - لا يتضمن آية قطعية الدلالة تأمر النساء بارتداء غطاء الرأس كفرض دينى، وأن السور القرآنية تثبت عكس ما جاءت به هذه الافتراءات، وعن ذلك تقول «وأولى هذه الافتراءات التى يروّجها الغربيون والمستشرقون وأعداء الإسلام هو الادعاء بأن المسلمين يفرضون على نسائهم ارتداء «الحجاب»، مؤكدين أنه فرض دينى منصوص عليه فى القرآن الكريم، ومن ثم فإن المسلمين يحجبون المرأة عن المشاركة فى الحياة الاجتماعية والسياسية.
وتضيف: «فى واقع الأمر فإنه لا توجد فى القرآن الكريم آية واحدة قطعية الدلالة؛ أى تفسر نفسها بنفسها، فيها أمر مباشر بصيغة الأمر تأمر النساء بارتداء «الحجاب»؛ أى غطاء الرأس، كفرض من الفروض الدينية، بل إن كلمة حجاب فى القرآن الكريم لها مدلول مختلف تمامًا عن «الحجاب» بالمفهوم العام الخاطئ المنتشر حاليًا فى العالم، والذى يعنى غطاء شعر المرأة». مشيرة إلى أن كلمة حجاب جاءت فى سبعة مواضع فى القرآن الكريم، وأن الآيات الكريمة التى تضمنت كلمة حجاب كان مصطلح «حجاب» معناه «جدار أو ساتر أو ستارة أو حاجز»، وكلها تحجب الرؤية وتفصل بين شيئين، مؤكدة أن الحجاب فى القرآن الكريم لا يتعلق على الإطلاق بلباس المرأة، ولا يعنى بأى حال غطاء رأس للمرأة كما هو شائع فى مجتمعاتنا حاليًا.
وتختتم العشماوى حديثها بالسؤال التالى: إذا كانت المرأة مغطاة تمامًا بنقاب أسود أو حتى ترتدى حجابا، فلماذا يطلب الله سبحانه وتعالى من الرجال غض بصرهم عند النظر إلى النساء؟! وما الجدوى من غض البصر إذا كان البصر سيرتد حسيرا دون أن يرى شيئًا من المرأة المغطاة بنقاب أو حجاب؟! لافتة إلى أن الآية الكريمة (آية الحجاب) لا تعنى تغطية الرأس ولا تغطية الشعر، كما أن كلمة «الشعر» لم يأتِ ذكرها فى أى آية من آيات القرآن الكريم، وأن الحديث الذى يستندون إليه لإقرار وتحليل مقولتهم إن «الحجاب» فرض دينى بأمر من الرسول ﷺ فهو حديث روته السيدة عائشة وهو من أحاديث الآحاد؛ أى أن الذى رواه شخص واحد، ومثل هذه الأحاديث لا يجوز التشريع بموجبها.
ويتناول الكتاب كذلك افتراءات أخرى، من بينها ما يتعلق بالمهر والإنفاق، حيث ترفض الكاتبة مقولة إن الرجل «يشترى» المرأة بالمهر عندما يتزوجها فيدفع لها المهر ليحبسها فى البيت وينفق عليها، مؤضحة أن هذا الافتراء مردود عليه بأن المهر إنما هو هدية يدفعها الزوج للزوجة قبل الزواج لتنفقه الزوجة كما تحب أو لتحتفظ به لأقرب الأجلين؛ أى إذا حدث طلاق أو فى حالة وفاة الزوج ولا عائل لها واضطرت أن تنفق على نفسها.
ثم إن هذه المقولة لم تعد تتناسب مع تغير الظروف المعيشية فى عصرنا، سواء فى المجتمعات الإسلامية أو غيرها من المجتمعات بعد أن خرجت المرأة المسلمة لسوق العمل وأصبح لها مرتب شهرى عن وظيفتها أو عملها فى الأعمال الحرة فتنفق منه على نفسها، وبعد أن أصبح كثير من النساء العاملات المسلمات معيلات؛ أى أن المرأة أصبحت تعول أسرتها من حر مالها، خاصة إن لم يكن معها زوج؛ أى كانت عزباء أو مطلقة أو أرملة.
مؤكدة أن الأسرة ليست شركة تجارية أو مؤسسة مالية، فطبقًا للمفهوم الإسلامى أن الأسرة خلية أساسها «المودة والرحمة»، فالرجل المسلم يتولى الإنفاق على نساء الأسرة، أى الأم والأخت والزوجة والابنة وليس على الزوجة فقط. وهذا أكبر دليل على أن الرجل المسلم لا يشترى أمه أو أخته أو ابنته بالإنفاق عليهن، ومن هذا المنطلق الإسلامى الذى يحدد مسئولية الرجل بالإنفاق على نساء الأسرة جميعًا وليس فقط على الزوجة التى يشتريها بالمهر، كما يدّعون، فإن القانون يلزم الرجل فى الدول الإسلامية بالإنفاق على المرأة مهما كانت المقدرة المالية ودرجة ثراء المرأة المسلمة.
ولا يغفل الكتاب قضايا ميراث المرأة المسلمة وغير المسلمة، ومفهوم المساواة بين المرأة والرجل، وغيرها من الملفات الشائكة التى ما زالت محل جدل، فى محاولة لمواجهة ما تصفه بمحاولات تحويل العقل إلى مجرد ناقل للنص، واستخدام الدين ذريعة لفرض أنماط سياسية وثقافية ومعيشية لا تنسجم مع واقع القرن الحادى والعشرين.