داليا يسري تكتب: عالم عبد القدوس.. ثنائية الأدب والواقع - بوابة الشروق
الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 8:04 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

داليا يسري تكتب: عالم عبد القدوس.. ثنائية الأدب والواقع


نشر في: الخميس 1 أكتوبر 2020 - 7:13 م | آخر تحديث: الخميس 1 أكتوبر 2020 - 7:13 م

"تكون ميتا بحق إذا انعدمت لديك الرغبة في القراءة"، مما يعني أن ثمة علاقة راسخة تربط ما بين الرغبة في القراءة والرغبة في استمرار الحياة، لكن القراءة لإحسان عبد القدوس ليست كأي قراءة. إذ إنه الأديب الذي أكتب عنه اليوم بروح القارئ الهاوي الغاوي، وليس بروح الناقد الدارس المتعمق.
فالقراءة لعبد القدوس تعكس عالما يختلط فيه الأدب بالسياسة مع قضايا المجتمع على صفحاته، هذا العالم قد يكون غير بعيد عنا من حيث الحيز الزمني، لكن على الأقل يجب الاعتراف أنه لم يكن يتسنى لنا أن نعيشه بهذه الطريقة والسلاسة والانسيابية اللغوية لولا كتابات إحسان عبد القدوس وألفاظه البسيطة السلسة.. وإذا قلنا إن الكتابة فن، فالفن الحقيقي هو "أنها تقول ما لا تقول"، وهي مهارات امتهنها "عبد القدوس" ببراعة تحسب له.
كما أن القراءة تتخذ شكلا جديدا تماما بمجرد أن تطوي الصفحة الأولى من غلاف إحدى رواياته أو قصصه وتبدأ في تجاوز العنوان إلى ما هو أبعد من ذلك.وأظن أن أشد ما يميز احسان عبد القدوس هو قدرته على الخلط والمزج بين عوالم مختلفة تتقاطع فيها خطوط السياسة مع المجتمع وهو ما يعرضه "عبد القدوس" بشكل أدبي.
كان "عبد القدوس"، شأنه شأن العديد من كُتاب عصره، هؤلاء من وقعت على عاتقهم مسؤولية الانشغال بالحياة السياسية نظرا لما تعرض له الوطن من ظروف كانت شديدة القسوة على الجميع في وقتها. وهذا الانشغال يظهر في مواضع عديدة، منها على سبيل المثال رسالته إلى عبد الناصر في مُستهل كتابه "أسف لم أعد أستطيع".
فقد احتوت هذه الرسالة على نص الخطاب، الذي كتبه "عبد القدوس" بغرض إرساله إلى عبد الناصر في 1955، أملاً في الدفاع عن نفسه ضد كل ما أثير حول مسألة غضب الرئيس من قصة "البنات والصيف" حيث تعكس تفاصيل الخطاب عددا من ملامح ذاك العصر.
على سبيل المثال، نعرف من طبيعة ما ورد بالخطاب أن الصحافة المصرية آنذاك كانت تخضع لرقابة شديدة. ووفقا لكلمات "عبد القدوس"، "كنا أيامها نتحمل كل هذا الثقل لأن الثورة كانت تخطو خطوات ناجحة قوية وكان عبد الناصر في أزهى انتصاراته، بعد تأميم القناة وفشل العدوان الثلاثي ،حتى أصبح كثير منا يعطونه الحق في كل شيء حتى في فرض هذه الرقابة".
ثم يسترسل "عبد القدوس" بعد ذلك، شارحا بلغة ودودة كيف نقل له محمد حسنين هيكل استياء الرئيس مما تضمنته القصة. وكان المجتمع المصري في ذلك الوقت –على خلاف الوقت الراهن- شديد الامتعاض من مجرد إقدام احسان عبد القدوس على الكتابة عن مسائل جريئة مثل ما يعتبره البعض مظاهر الانحلال، وكذا الحال بالنسبة لعبد الناصر، الذي فوجئ بما احتوت عليه قصة البنات والصيف وما يحدث داخل الكبائن على شواطئ الإسكندرية.
يقول النقاد أنه ليس كل ما يُكتب قد يُطلق عليه أدب. وليس كل ما يُطلق عليه أدب قد يُعد عملا أدبيا أصيلا. إذ أن هناك عدة عوامل يجب أن تتوافر لدى الكاتب حتى يُطلق عليه أديب كبير. يأتي على رأسها عنصر الاستمرارية، وتليه عناصر أخرى، مثل مواكبة الكاتب لوقائع عصره. وما تبرزه كتاباته من اسقاطات على الواقع تجعل من حصيلة أعماله - بشكل أو بآخر- معالجة للمجتمع وهو ما تمكن منه عبدالقدوس.
إذًا، كتب كثيرون عن مواضع ما يعتبروه انحلالا في المجتمع، وكتب إحسان عبد القدوس عنها كذلك. لكن هناك خيط رفيع يفصل بين الابتذال والمعالجة الأدبية للموقف. والفرق بينهما كبير والمساحة التي تفصلهما شاسعة. ومن يتقن فن تسليط الضوء على الموقف بغرض معالجته دون ابتذال أو خروج عن نطاق الأدب، هو في الحقيقة من يُطلق عليه أديب وكاتب وإجمالي ما سبق من عوامل تتوافر لدى العديد من كتابات إحسان عبد القدوس.
ونظرا لأن الكتابة مسؤولية، والقلم له شرف وأمانة لا تقل عن أهمية الشرف في أي موضع آخر من مواضع الحياة. وهذه أمور كان "عبد القدوس" يفهمها بوضوح، وأكد عليها مرارًا وتكرارًا. وهو ما برره في نفس الرسالة قائلاً، "الذي سجلته يا سيدي الرئيس يحدث فعلاً. وبوليس الآداب لن يمنع وقوعه، والقانون لن يحول دون وقوعه. إنها ليست حالات فردية كما قلت. إنه مجتمع منحل. ولن يصلح هذا المجتمع إلا دعوة. إلا انبثاق فكرة، تنبثق من سخط الناس، كما انبثقت ثورة 23 يوليو. لهذا أكتب قصصي". فقد أدرك إحسان عبد القدوس أن ظهور الانحلال في المجتمع هو أمر له جذور فكرية، والفكرة لا تتراجع إلا حال مواجهتها بفكرة أقوى منها وأشد تأثيرًا وعمقًا.
ومن هذا المنطلق، نعرف أن هناك ثنائية بين الأدب والواقع. تجعل من كلاهما عناصر تؤثر وتتأثر بالأخرى. فالأدب هو نتاج لحصيلة خيال الكاتب، وهذا الخيال لم يتولد من فراغ، فهو في الأساس حصيلة احتكاك صاحبه بظروف واقعية مؤثرة للغاية.
وعليه، ينطلق الكاتب ويسرد قصته، التي تكتمل بها حلقة التأثير على المجتمع. وبهذه الطريقة، يصبح الأدب محركا رئيسيا للواقع وقوة دافعة له تستطيع أن تنعكس على الجمهور إما بالإيجاب أو بالسلب وفقًا لمحتوى كل عمل فني على حدة ودرجة انتشاره.
وعن نشأة "عبد القدوس"، ومدى تأثيرها على كتاباته. فهذه كانت شديدة التنوع والتباين. فقد استقبل أيامه الأولى في بيئة مُحافظة للغاية. داخل جدران بيت جده لوالده، الشيخ رضوان المعروف بشدة تدينه. وهو ما ترتب عليه، تأثره بصورتين متعارضتين للنساء، احداهن استمدها عبد القدوس من نساء عائلته المتحفظات. والأخرى لسيدة متفتحة لها أفكار تحررية وهي والدته السيدة فاطمة اليوسف او "روز اليوسف".
ومن يتتبع السمات العامة لملامح المرأة كما طرحها "عبد القدوس" في مجمل أعماله، يلاحظ أن هذه الأنماط المتضادة من صور النساء في حياته انعكست بوضوح عبر صفحات رواياته وما تحمله من شخصيات تبرز المرأة في مواقف وأدوار شتى من الحياة. فقد كتب "عبد القدوس" ببراعة عن المرأة العاملة، والطبيبة، وربة المنزل، وغيرها. وكان أشد ما يميز طرحه لشخصية المرأة، هو قدرته وموهبته كأديب رجل في الأصل، ولكن مع ذلك يستطيع أن يصف ببراعة تدفق مشاعر النساء ويقوم بتشخصيها عبر الأوراق. حتى يهيئ لك كقارئ – لوهلة - أن من كتب هذا النص في الأصل كان امرأة وليس رجلًا، ولكن هذه أيضًا نقطة تُحسب للكاتب وتضاف إلى سجل مهاراته اللغوية والادبية الحافل.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك