المخزنجي يطرح سؤال «النجاة من الحروب» التي تفتك بالأبرياء بسبب حماقة البشر - بوابة الشروق
الجمعة 12 أغسطس 2022 7:50 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

المخزنجي يطرح سؤال «النجاة من الحروب» التي تفتك بالأبرياء بسبب حماقة البشر

أسماء سعد
نشر في: الجمعة 5 أغسطس 2022 - 6:55 م | آخر تحديث: الجمعة 5 أغسطس 2022 - 6:55 م

«36 سنة تشيرنوبل».. سرد قصصى شيق لمعاناة الإنسان مع الكوارث النووية
ربط بديع بين أسباب «حريق 1986 ومحرقة 2022» وأثر «القنابل القذرة» على الجنة الأرضية


قدم الدكتور محمد المخزنجى الأديب والطبيب النفسى، طبعة جديدة من كتابه القصصى «لحظات غرق جزيرة الحوت» والتى سلط فيها الضوء ببراعة شديدة على لحظات كارثية فى عمر الكرة الأرضية، كان منبعها الحماقة البشرية ونتج عنها حريق مفاعل تشيرنوبل النووى وصولا إلى محرقة حرب روسيا وأوكرانيا فى وقتنا الحالى.
وظف الدكتور محمد المخزنجى نصوص كتابه الذى صدرت طبعته الأولى فى العام 1996 من أجل التصدى لكل من يوقد نيران المحارق والحروب حيث وصفهم بـ«زبانية تعذيب الأطفال» وصناع شقاء المسالمين العزل، حيث يحذر على الدوام خلال مجموعته القصصية من القادة الذين يتجاوزون حدود الخطأ فى الحساب والتبصر فى المعارك العسكرية والوقوع فى خطيئة الانزلاق نحو تدمير بلدانهم وبلدان أخرى.
خلال طبعته المنقحة والمزيدة التى صدرت عن دار الشروق فى عامنا الجارى 2022، «36 سنة تشير نوبل من حريق المفاعل النووى 1986 إلى محرقة الحرب فى أوكرانيا 2022» ربط الدكتور المخزنجى بشكل لافت بين ما جرى من حريق المفاعل النووى فى تشيرنوبل بالعام 1986 وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية فى العام 2022.
لا يتوقف المخزنجى عن إيجاد أوجه الشبه ما بين كارثة حريق محطة تشيرنوبل وما يتعلق بأوهام سلامة الطاقة النووية بحسب تعبيره، والتشابه مع تراجيديا إعداد المصيدة المحرقة التى يقول أنها أعدت بتدبير شيطانى لتدمير أوكرانيا الجميلة واستنزاف قوة روسيا وما يجمع ما بين الماضى والحاضر من «نيران سوداء» تذكرنا بما جرى منذ ستة وثلاثين عاما وما يدور الآن ويكون ضحيته أبرياء البشر.
«لقد كنت أبحث عن القصص دون أن أدرى، أبحث عن الواقع الفنى ثنايا الواقع الدارج؛ لهذا كنت أتقافز فوق اللحظات لأنتقى منها ما يتلامس مع روح القص، أو يتآلف مع أصابع القص، ومن ثم أخرج عن دائرة المذكرات، فهى إذن: لا مذكرات. لحظات رحت أجمعها وأنا أمضى بين حنايا الربيع الملفوح بالإشعاع أو الرعب من هذا الإشعاع.. لحظات الربيع».
يرى المخزنجى فى كتابه القصصى أن العديد من الكوارث البشرية والنزاعات والحروب المدمرة تنطلق شرارتها من منابع الحماقة البشرية التى وإن اختلفت الأدوار الشيطانية وحجم التدخلات التى تؤجج الصراع إلا أن النهاية دوما تسفر عن الإضرار الجسيم بالبشر وتفحم إبداعات الإنسان وتشويه جمالات الأرض.
يوظف محمد المخزنجى مجموعة من القصص التى جاءت فى 126 صفحة من أجل إطلاق جرس إنذار تحذيرى يضع أمام أعيننا سيناريو تشرنوبل المنكوبة للتحذير من إشعال ما أسماه بـ «النار السوداء الثالثة» التى يراها ليست أكثر من حرب نووية نهائية يعمل على إشعالها قلة من عظيمى النفوذ ووضيعى النفوس الوقت ذاته.
تطرح الطبعة الجديدة الصادرة عن دار الشروق للدكتور محمد المخزنجى سؤالا رئيسيا مفاداه هل من نجاة قد تلوح فى الأفق وسط الكوارث والحروب التى يتفنن فى إشعالها من قال إنهم يديرون عالمنا بالتسلط والخبث والحيلة، حيث يصف لنا الكاتب لحظات معايشته لكارثة انفجار مفاعل تشرنوبل، وذلك نتيجة لحماقات طائشة تجاوزت أكثر من مائة نظام للأمان يتلو بعضها بعضا، مع ربط بين الأسباب التى أدت إلى ذلك، وبين بعض المعطيات التى تحيط بالصراع الروسى الأوكرانى فى وقتنا الحالى.
♦ «فى الصباح، عندما كنت أتجول فى المدينة ــ الحديقة تحت شمس ساطعة، لم يكن هناك ما يريب. لم نسمع شيئا. لم تكن هناك كلمة تحذير واحدة قد صدرت عن خطر الإشعاع الذرى الطليق، وإن قيل إن اتجاه الريح قد أنقذنا فى كييف خلال هذه الأيام المرعبة الأولى؛ إذ كانت الريح تتجه شمالا وغربا، على العكس تماما من اتجاه كييف الواقعة جنوب شرق تشيرنوبل، لكن الخبر بدأ يتسرب، فبعد الخبر الهامشى الذى لم يلفت انتباه أحد بواحدة من نشرات التلفزيون، وبعد ازدياد قوة الإشعاعات فى أعقاب انتهاء احتفالات الأول من مايو، عدنا نتذكر أن المدينة كانت خالية بشكل غريب من (الأتوبيسات) فى نهار السابع والعشرين من إبريل».
حملت مقدمة طبعة العام 2022 للدكتور المخزنجى عنوانا دالا يعكس حجم مخاوفه وما يحذر منه حيث أطلق على المقدمة «قنابل قذرة فى جنة أرضية» بعنوان فرعى آخر «من حريق 1986 إلى محرقة 2022»، وقد جاء فى تلك المقدمة
أكره السلاح النووى فى أى يد بشرية تكون وقد أفضى وعيى بكارثة تشرنوبل ومخاطر طاقة الانشطار النووى إلى رؤية مدى هول الكارثة وما تكشف من أسباب وقوعها.
ويُجرى محمد المخزنجى مقاربة بين «الكذب السياسى المستتر بالأيدولوجيا» الذى أدى إلى كارثة تشيرنوبل 1986 وبين مايصفه بكثافة وعتامة الاكاذيب التى واكبت وتواكب الحرب الروسية الأوكرانية التى تكشف عن ظلام قلب العالم الغربى الذى يدعى التقدم والتحضر والدفاع عن حقوق الإنسان لنجد فى النهاية ما يربط مابين الماضى والحاضر متجسدا فى ماوصفه بـ«القنابل القذرة».
يملك المخزنجى أسلوبا متفردا صاغ به محتويات مجموعته القصصية التى جاءت فى فصول تتحدث عن تشير نوبل بأسماء الفصول الأربعة: «الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء»، والتى استبقها بتنويه حول أن المكتوب هى للحظات عايش فيها كاتب مصرى الكارثة وأنها رواية لحقائق قصصية، بالإضافة إلى فصلا بعنوان «طوابير موسكو 90».
♦ «مثل كثيرين.. كثيرين جدا وصلت إليهم الشائعة، سهرت أراقب أن ينقطع الماء فى منتصف الليل. لقد كان هذا مثيرا جدا لى أكثر من كونه مخيفا. ربما لأننى لا أتصوره.. فانقطاع الماء يعنى أن الإشاعة مؤكدة، أن التلوث الإشعاعى طال مصادر المياه.. يعنى أن الموت وصل إلى مياه الدنيبر، أن السمك سينطرح ميتا على صفحة النهر، وأن دراما قاسية للبحث عن الماء ستشرع فى العمل من الغد، فى بلد الماء».
ساهم أسلوب المخزنجى فى أن يندمج القارئ ويتماهى تماما مع القصص الإبداعية التى تتناول واحدة من أصعب وأقسى اللحظات البشرية دون أى انزعاج أو انفصال أو تباطؤ فى وتيرة تصاعد الاحداث وطريقة سردها الشيق ولغتها الرصينة التى لا ينقصها التسليط المكثف على كارثة كبرى وحال ضحاياها والتعبير عن ذلك كله لفى إطار قصصى شديد الإمتاع.
امتزجت ببراعة منقطة النظير فى نصوص الدكتور المخزنجى، مجموعة من «التأملات، المشاهدات، القصص» التى فضحت غطرسة الإنسان وغروره ومايمكن أن يكون إليه نزعات التسلط والعدوان، وهو ماجاء من خلال عملا غير اعتياديا استخدم سلاح بارع وهو السلاسة فى الوصف والأسلوب المتدفق الذى يروى الحكاية من منظور صاحبها، حيث يضع أمامنا الكاتب حقيقة أن «الكذب والتدليس والتضليل» هى فيروسات لديها القدرة الكاملة على تدمير أقوى الحضارات والبلاد، وأن مرارة الألم والمعاناة هما الناتج الأساسى لـ «مصير الكذب».
يشار إلى أن الدكتور محمـد المخزنجـى من مواليد المنصورة وتخرج فى كلية الطب بها، وتخصص فى طب النفس والأعصـاب بأوكرانيا، ثم تحول إلى الصحافة الثقافية محررا علميا لمجلة العربى. بعدها تفرغ كاتبا حرا يتفرد بمزج الـعـلـم بـالأدب فى كتاباته الصحفية، صدرت له تسـعة كتب قصصية، وكتابـان أحدهمـا فى أدب الرحلات، والآخـر فى الطب التكاملى، وكتابـان فى الأدب البيئى للناشئة، وكتاب فى قالب «رواية الحقيقة القصصية» عن كارثة تشيرنوبل، ثم كتاب يضم «نوفيلا» و«تكريسـة»، كما أفرد كتابـا عن مأثرة الدكتور محمـد غنيم. وترجمت بعض أعمال المخزنجى إلى الألمانية والروسية والإنجليزية. ونوقشـت عن كتاباته القصصية عدة رسـائل جامعية بمصر، ورسالة دكتوراه بجامعة إنديانا الأمريكية.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك