وزير الخارجية السابق نبيل فهمي يكتب: فيروس كورونا عالميا وشرق أوسطيا «3» - بوابة الشروق
الخميس 28 مايو 2020 5:18 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

وزير الخارجية السابق نبيل فهمي يكتب: فيروس كورونا عالميا وشرق أوسطيا «3»

نبيل فهمي وزير الخارجية السابق
نبيل فهمي وزير الخارجية السابق

نشر فى : الإثنين 6 أبريل 2020 - 10:22 م | آخر تحديث : الثلاثاء 7 أبريل 2020 - 5:34 م

يجب هيكلة النظام الدولى بشكل يجمعنا ويحمينا من دون أن نغفل مسئوليتنا تجاه الآخر

بعد تجاوز عدد المصابين بفيروس كورونا الجديد الاسبوع الماضي مليون نسمة، ووصل عدد الوفيات إلى ما يزيد عن ٥٠٬٠٠٠، وهزت الأحداث نمط الحياة الطبيعية التي اعتدنا عليها، فلعله من المناسب التطرق إلى الاحتمالات المستقبلية الواردة بعد تجاوز الازمة بمشيئة الله، وتلك التي يجب أن تتطلع إليها بعد دروس هذه التجربة القاسية، مع الأخذ في الاعتبار بعض تداعياتها المختلفة، وخاصة على الشرق الأوسط والعالم العربي.

وتتلخص الاحتمالات اساساً في ثلاث.

العودة مرة أخرى إلى الوضع الدولي المعاصر، والذي شكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكان يواجه تحديات التعامل مع معدلات التغير السريع لعصر العولمة بدرجات متفاوتة من النجاح، نظراً لتطور وتغير الخريطة المجتمعية والسياسية والأمنية والاقتصادية، وهو أحتمال وخيار غير منطقي وغير مجدي.

​​والاحتمال الثان فهو الإسراع في إجراءات لإبطاء معدلات العولمة، لصالح إجراءات وطنية تارة ومحلية تارة أخرى، بالتركيز على القضاياوالتحديات والمصالح قصيرة الأجل و"الانعزالية"، مدفوعين بالضغوط الآنية،وهو خيار محكوم عليه حتماً بالفشل، لأن عصر العولمة وتكنولوجياته لا يتسق مع الانعزالية طويلة الأجل، كما أن التحديات العالمية مثل الأوبئة أو التغيير المناخي أو حتى الاقتصاد العالمي لا تتعثر طويلا أمام الحواجز أو تقف طواعية عند الحدود.​​

والخيار الثالث هو الاستفادة من التجارب المتعددة والمشتركة لتحدي فيروس كورونا الجديد، لإعادة هندسة النظام الدولي بقوانينه، ومؤسساته، وبروتوكولاته، بحيث يكون أكثر توافقاً مع عالمتا  المعاصر في القرن ال-٢١، وهو البديل الأكثر طموحاً ، وإنما الأصعب تحقيقاً، لأنه يفترض التغير في مفاهيمنا السياسية والمجتمعية والاقتصادية.

ولعلي أضيف وبصراحة كاملة، أن حدة التحدي الذي شكله فيروس كورونا الجديد، ومدة استمرار هذه الجائحة، هو الذي سيحكم ويحسم تحركنا وتصرفاتنا، وهل ننتهي إلى الخيار الأول قصير النظر، والذي لا يتمشى مع الواقع الدولي، أو مزيج من الخيارات الأخرى الأكثر واقعية وحكمة.

 وأتطلع وأمل أن ينتهي المجتمع الدولي إلى الخيار الثالث في نهاية المطاف، بعد المرور بمرحلة التعامل مع الموقف بانعزالية، بل حتى بين الحين والأخر حتى داخل الدولة الواحدة، والذي لم يكن غريباً أو مستغرباً، وهو موقف مؤلم كثيراً فرضته الظروف والأخطاء السابقة.

والمبدأ الأساسي الحاكم في الخيار الثالث هو ضرورة النظر "بمفهوم شامل وتكاملي" للقضايا، بما يعني التعامل مع جوانبها الاجتماعية بنفس قدر تعاملنا مع الاعتبارات الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية، ومراعاة ظروف ومصالح المنظومة الدولية عامةً وداخل الدولة الواحدة وبمختلف فئاتها، فلم يفرق الفيروس الجديد بين الدول العظمى حينما اصاب الولايات المتحدة والصين وبشدة، أو الغنية فلم يرحم إيطاليا أو أسبانيا أو حتى سويسراوفرنسا، وأصاب أنظمة مختلفة وبعنف مثل إيران، وهناك مؤشرات كثيرة أن معدلات الإصابات أو تداعياتها في تصاعد في أفريقيا.

والحمد لله، شهدنا أخيراً، وبعد تأخر لا مبرر له، بوادر تغيراً في نمط التعامل الدولي بين المسؤولين والتجمعات والدول، فتحدث سكرتير عام الأمم المتحدة جوتيريز عن خطورة الفيروس على المجتمع الدولي باكمله، وضرورة التصدي له جماعة، ورجح صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد العالمي خلال العام الحالي، وأصدرت منظمة العمل الدولية تقريرا يتضمن أنالخسائر الاقتصادية قد تصل إلى ٣.٤ تريليون دولار هذا العام، وأعلنت مجموعة ال ٢٠ التي تشمل أقوى اقتصادات العالم بعد اجتماعها عبر الوسائل الالكترونية، برئاسة عربية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان ابن عبد العزيز آل سعود أنها ستضخ ب٥ تريليون دولار أمريكي في الاقتصاد الدولي، وتتخذ بإجراءات محددة وموجهة لتوفير برامج للتصدي للتداعياتالاجتماعية، والاقتصادية، والمالية لفيروس الكورونا  بالتعاون مع المنظمات الدولية المعنية.

وإذ ارحب بهذه الخطوة والدعم المالي المعلن، فأكثر ما رحبت به كان الإشارة إلى "التداعيات الاجتماعية"، بل بالتعامل معها على حد السواء مع  التداعيات الاقتصادية والمالية، لقناعتي أن أهم وأخطر مشاكل عصر العولمة التي نعيشه، هي غياب الضمير الاجتماعي" لتلك العصر، وفي تعامل المستفيدين منه، والتركيز المبالغ فيه على الجانب المادي، وهو قصور خطيروعميق، لم نلحظه كافياً إلا بعد الدرس القاسي لفيروس كورونا الجديد، وألان علم الكبير قبل الصغير أن العالم مترابط ومتكامل وأن النظرة الشمولية هي طريق النجاح التصدي له على الأمد القريب.

وأمل أن نستخلص من هذه التجربة الأليمة، أن علينا إعادة هيكلة بناء النظام الدولي المعاصر، بشكل يجمعنا ويحمينا، ويعطي لكل صاحب حق حقه، دون أن نغفل مسؤوليتنا نحو الاخر، كان ذلك عبر الحدود والقارات أو من طبقات اقتصادية أقل وفراً وثراءً، والثقافات والمجتمعات المتعددة عبر المعمورة.

إن صحة الإنسان هي أول الأولويات التي يجب أن نضعها عين الاعتبار في التعامل مع فيروس الكورونا، عالمياً وإقليمياً بين دول الشرق الأوسط، خاصة والكل لم يتعامل مع الفيروس سريعاً، وبشكل احترازي كاف في المرحلة الأولى من المواجهة، ومما صعب التحدي بشكل خاص في الشرق الاوسط أمام الذين لا يتوافر لديهم نظم طبية متقدمة، ومنها العراق وسوريا واليمن ،أو التي تأخرت في إجراءاتها الاحترازية مثل ايران،  واعجني توفير دولة الإمارات العربية الشقيقة لمساعدات إنسانية لبعض هذه الدول رغم الاختلافات السياسية القائمة.

وأشهد أنه في طريق عودتي من الهند في النصف الأخير من فبراير، استقبلت بإجراءات احترازية دقيقة وسريعة في مطار القاهرة، لم اشهدها في مطار دلهي حينذاك أو مطار الترانزيت، وهو أمر سعدت وفخرت به، وأرجو أن تستمر تلك الجهود وغيرها داخل مصر وفي دول عربية شقيقة أخرى لتنجح في التصدي للمخاطر والتحديات الصحية.

ويجب أن تحظي التداعيات الاقتصادية بالاهتمام المبكر، بعضها نتيجة لوقف أو تخفيض النشاط التجاري والاقتصادي عالمياً وإقليمياً، بما في ذلك على منطقة الشرق الأوسط وغرب اسيا، التي تواجه الأن صدمة اقتصادية من آثار الإغلاق الاقتصادي الكوروني والانخفاض الشديد في سعر البترول نسبة تجاوزت ٥٠٪ خلال أشهر معدودة، وسيترتب عليهما انكماش سوقي، وانخفاض في الإيرادات المتاحة للحكومات والقطاع الخاص، ومن النتائج المباشرة السريعة ايضا رفع معدلات البطالة، خاصةً في الدول التي تعتمد على اقتصادات توظيفية، مثل السياحة التي انكمشت أكثر من ٨٠٪، أو الأسواق التجارية الجزئية،  ستكون للتداعيات الدولية والاقليمية أثر على إيرادات الدول عامة، وبما في ذلك البترولية، مما يضع ضغوط إضافية في تسديد الديون الخارجية خلال عام ٢٠٢٠ التي ستصل إلى ٣٥ مليون دولار.

هذا وستتاثر كذلك دول المنطقة المصدرة للسلع والمنتجات نتيجة لانخفاض الاحتياجات والقدرات الاستيرادية لأسواقها الخارجية، وبما قد يحد من قدرتها على تشغيل مصانعها لتوفير المنتجات والسلع المطلوبة للتصدير، في ظل الظروف والإجراءات الاحترازية القائمة، وينتظر أن نشهد انخفاضاً وانكماشاً في معدلات النمو الاقتصادي لعدد من دول المنطقة، خاصةً إذا امتدت الظروف الحالية، وهو ما صرحت به المؤسسات الدولية  ،وكذلك وزيرة التخطيط المصرية منذ ايام معدودة، ويجب ألا نفاجئ إذا شهدنا هروباً لبعض الاستثمارات الأجنبية والمحلية إلى مناطق أخرى أقل تعرضاً للتداعيات الاقتصادية، وتشير بعض التقارير إلى خروج أكثر من ٢ بليون دولار أمريكي من الشرق الأوسط منذ شهر فبراير.

وفي سياق التعامل الإنساني والاستراتيجي مع الأوضاع الحالية على القيادات السياسية بالمنطقة وعالمياً  يجب اتخاذ عدة خطوات في آن واحد،أولها مزيد من الإنفاق على الرعاية الصحية لتمكين الأوطان من التعامل مع أهم الأولويات وهي صحة الانسان، على المستوى الوطني وعبر العالم في المناطق الأكثر تضرراً، فلن نستطيع العودة حتى إلى فتح الحدود والتبادل السلعي دون كبح جماح الفيروس جوهرياً.

والخطوة الثانية والواجب اتخاذها، والتي لها طابع اقتصادي هي العمل على تجنب دخول العالم في مرحلة ركود اقتصادي ممتدة، وبإجراءات عامة مثل توفير الحكومات لمزيد من الموارد، وتسهيلات من البنوك لتخفيض العبء الاقتصادي، فضلاً عن إجراءات موجهة، تستهدف الفئات والطبقات الأكثر تضرراً من الأوضاع، من خلال الإعفاءات الضريبية والدعم النقدي الموجه، وقد اتخذت العديد من دول المنطقة خطوات في هذا السبيل لإعادة وجدولة الديون على الشركات والأفراد. 

وإذا شهدنا إنكساراً في حدة الأزمة الفيروسية، بما يسمح بتخفيض ما تطلبه من ترتيبات احترازية، يجب النظر في بعض الخطوات الاقتصادية التقليدية لتنشيط اقتصادات المنظمة، مثل الإنفاق على البنية الأساسية.

وغنى عن القول أن مؤسسات المنظومة الدولية يجب أن تلعب دور رئيسي في دعم قرارات الدول في تخطي العقبة والأزمات الحالية، ولمنظمة الصحة العالمية الدور الرئيسي في المجال الطبي والصحي، كما يمكن لصندوق النقد الدولي العمل  مع دول لبلورة السياسات الملائمة، ولتوفير الدعم المالي الضروري في هذه الظروف الصعبة.

وهيا بنا نعمل سوياً برؤية جديدة وشاملة وتكاملية ،نتعامل فيها بكل جدية مع التحديات في عصر  العولمة، النشط والثري بأفكاره وفرصه، وانما الذي يحمل ايضا في طياته مخاطر جمه، اذا سقطنا في فخ الطمع والنظرة قصيرة الجل وانحياز للمصلحة الذاتيه  علي حساب الغير، نتطلع لعصر اليقظة والحكمة والضمير الاجتماعي الذي يوفر مستقبل أفضل للجميع.

 

نقلا عن «إندبندنت عربية»



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك