في نوفمبر الماضي، أعلنت الحكومة البريطانية عن خطة جريئة للتوقف تدريجيا عن استخدام حيوانات التجارب في بعض مجالات البحث العلمي، حيث تقرر، على سبيل المثال، وقف الاختبارات الخاصة بحساسية الجلد على الحيوان بحلول هذا العام، ووقف بعض الأبحاث على الكلاب في 2030، حيث تنص السياسة الجديدة على أن عصر استخدام الحيوان في العلوم قد انقضى باستثناء بعض الحالات الخاصة. وقد اتخذت دول أخرى في العالم إجراءات مماثلة، حيث أزاحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في أبريل الماضي عن خطة لجعل التجارب على الحيوانات هي "الاستثناء وليس القاعدة" في مجال اختبارات سلامة الأدوية في غضون 3 إلى 5 سنوات.
وفي نفس الشهر، طرحت معاهد الصحة الوطنية الأمريكية مبادرة لتقليل استخدام حيوانات التجارب في الأبحاث التي تمولها. وفي العام الجاري، تعتزم المفوضية الأوروبية نشر خارطة طريق لإنهاء الاختبارات على الحيوانات في مجال تقييم سلامة الكيماويات.
وعززت المخاوف الإخلاقية والشواغل بشأن سلامة الحيوان من الجهود للتصدي لاستخدام الحيوانات في التجارب العلمية، كما تسارعت في الوقت الحالي وتيرة التوصل لتقنيات علمية حديثة تغني عن حيوانات التجارب. ومن بين مناهج البحث الجديدة ما يعرف باسم "أعضاء على رقائق" وهي عبارة عن أنسجة مجسمة يتم زرعها على رقائق إلكترونية وإخضاعها لاختبارات علمية مختلفة.
وكشفت دراسة إحصائية أجرتها منظمة "أبحاث خالية من تجارب الحيوان" في بريطانيا أن عدد الرسائل العلمية التي نشرت في مجال علوم الطب الحيوي عن طريق هذه التقنية الجديدة فيما يخص 7 أمراض مختلفة ارتفع من حوالي 25 الف رسالة علمية إلى زهاء 100 ألف رسالة خلال الفترة ما بين 2006 و2022. وتضخ الصين أيضا استثمارات ضخمة في هذا المجال، حيث اطلقت عام 2024 "منظومة مضاهاة الأعضاء البشرية المريضة"، وهي مشروع مخصص لتطوير مناهج بحث بديلة تغني عن استخدام حيوانات التجارب بقيمة 2640 مليون يوان "382 مليون دولار".
ويقول مؤيدو هذه الفكرة، إن مناهج البحث البديلة قد تكون أفضل من الحيوان في محاكاة الطبيعة البيولوجية للانسان، والتنبؤ بشكل أفضل بمدى سلامة وفعالية الأدوية الجديدة، حيث كثيرا ما يتم صنع الرقائق الإلكترونية بواسطة خلايا بشرية حقيقية مع تصميم النماذج الحوسبية الخاصة بها بواسطة بيانات بشرية. ويقول دونالد إنجبر، خبير الهندسة الحيوية في معهد وايس للأبحاث في مدينة بوسطن بولاية ماساشوسيتس الأمريكية في تصريحات للموقع الإلكتروني "ساينتفيك أمريكان" المعني بالأبحاث العلمية إن التحول إلى التقنيات البديلة هو خطوة "مستحقة منذ فترة طويلة".
جدير بالذكر أن جهود استبدال الاختبارات على الحيوان وتنقيحها والحد منها في مجال البحث العلمي تتواصل منذ عقود. وقد تراجع استخدام الحيوانات في مجال التجارب بالفعل في بعض الدول. وتشير البيانات في بريطانيا إلى أن عدد التجارب العلمية التي أجريت على الحيوان تراجعت من 4.14 مليون تجربة في 2025 إلى 2.64 مليون تجربة في عام 2024، كما انخفض إجمالي عدد الحيوانات التي استخدمت في التجارب في الاتحاد الأوروبي والنرويج بنسبة 5% خلال الفترة ما بين 2018 و2022.
وخلال العقد الماضي، طور العلماء نماذج مصغرة من الأعضاء البشرية يمكن استخدامها لدراسة بعض الأمراض مثل السرطان والاضطرابات الوراثية، واستخدموا هذه النماذج في ابتكار ادوية جديدة والتأكد من سلامتها. وفي عام 2021، ابتكر فريق علمي نموذجا مصغرا من الكبد البشري، واستخدموا هذا النموذج لاختبار 238 من الأدوية التي تستخدم لعلاج أمراض الكبد المختلفة. وتعتبر النماذج الحوسبية من الخيارات المطروحة كبديل عن تجارب الحيوان. وفي عام 2021، طور فريق بحثي بتطوير نموذجا حوسبيا لاختبار حساسية الجلد تجاه مركبات كيميائية معينة. وتعتبر هذه النوعية من الاختبارات بمثابة إجراءات قياسية للتيقن من سلامة العديد من المنتجات الصناعية والمنزلية، وكانت عادة ما تتطلب استخدام حيوانات التجارب في هذا الغرض.
وقام الفريق البحثي ببناء نموذج حوسبي باستخدام بيانات تخص 430 مادة تم اختبارها على البشر وفئران التجارب في وقت سابق. وتبين من هذه التجربة أن هذا النموذج يمكنه التعرف بدقة على المواد الكيميائية. وقد صادقت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية العام الماضي على استخدام النماذج الحسوبية لاختبار حساسية الجلد تجاه المركبات الكيميائية. ويأمل الباحثون أيضا في إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال الأبحاث العلمية بدلا من حيوانات التجارب. وتعمل العديد من الجهات الرقابية مثل هيئة الدواء الأوروبية وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية على دمج آليات الذكاء الاصطناعي في مجال دراسة وتقييم سلامة الأدوية والمواد الكيميائية.
ويؤكد الباحثون أن بعض الاختبارات التي تجرى على الحيوان سوف تظل ضرورية في المستقبل المنظور. ويقول الباحث روبن لوفيل بادج المتخصص في مجال علوم الأحياء في معهد فرانسيس كريك في لندن إنه "من الصعب دراسة الأنظمة البيولوجية المتكاملة التي تحتوي على شبكة من الأوعية الدموية والأعصاب، أو أنظمة التجارب، أو شيخوخة الأنسجة بواسطة نماذج مصغرة أو أنسجة على رقائق إلكترونية". وتضيف سارة بايلي المتخصصة في علم الأدوية العصبية بجامعة باث في بريطانيا أنه من المستحيل أيضا دراسة السلوكيات البشرية والأنشطة الإدراكية عن طريق نموذج حوسبي. وأضافت في تصريحات للموقع الإلكتروني "ساينتفيك أمريكان" أنه عندما يتعلق الأمر بدراسة تعقيدات علوم الأحياء، فإننا سوف نظل بحاجة لاستخدام الحيوانات في مجال العلوم الأساسية لبعض الوقت في المستقبل".