- المزارع السوري: رش إسرائيل المبيدات على طول الشريط الحدودي يهدف إلى منع النشاط الزراعي ودفع السكان إلى المغادرة
- عمليات رش المبيدات لم تستهدف مزارع بعينها وإنما شملت معظم الأراضي الزراعية
- مسئول في مديرية الزراعة بالقنيطرة:
- المواد التي يرشها الجيش الإسرائيلي هي مبيدات تستخدم للقضاء على النباتات البرية
- تسببت عمليات الرش في تضرر 3729 دونما من المراعي، و1023 دونما من المحاصيل الشتوية
- خروج مساحات واسعة من المراعي عن الخدمة ألحق خسائر كبيرة بقطاع الثروة الحيوانية
بين حقول كانت تغطيها المراعي والمحاصيل، يقف مزارعو ريف القنيطرة جنوب غربي سوريا أمام أراض حولتها مبيدات يرشها جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى مساحات غير صالحة للإنتاج، في وقت توثق فيه مديرية الزراعة في المحافظة أضرارا واسعة جراء عمليات الرش.
ولا ينظر المزارعون إلى هذه الأضرار باعتبارها حادثا معزولا، بل يربطونها بسلسلة انتهاكات إسرائيلية متواصلة في المناطق الحدودية، بينما تؤكد مديرية الزراعة في محافظة القنيطرة أن عمليات الرش ألحقت أضرارا بآلاف الدونمات من المراعي والمحاصيل والبساتين، وأثرت في مصادر رزق مئات المزارعين.
- حياة تبدلت
ويقول المزارع السوري عصام عبدي، من ريف القنيطرة، إن إسرائيل تواصل استهداف الأراضي الزراعية المحاذية لخط وقف إطلاق النار عبر رش كميات كبيرة من المبيدات الكيميائية.
ويضيف عبدي في حديثه لمراسل الأناضول أن عمليات الرش هي "خطوة تهدف إلى منع المزارعين من استغلال أراضيهم وتحويلها إلى مناطق غير صالحة للإنتاج الزراعي، إلى جانب دفع السكان إلى مغادرة المنطقة".
ويتابع أن سكان قريتي بئر عجم وبريقة في ريف القنيطرة لم يتمكنوا من العودة إلى قراهم منذ أن فرض نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد حصارا عليهما قبل نحو 10 سنوات.
ويلفت إلى أن القريتين كانتا، قبل اندلاع الحرب، من أبرز الوجهات السياحية في ريف القنيطرة، لما تتمتعان به من طبيعة خضراء وهواء نقي.
ويستعيد عبدي ملامح الحياة قبل الحرب، قائلا إن قرية بريقة كانت تعرف بـ"أنظف قرية في سوريا"، وكانت تحمل عند مدخلها لافتة كتب عليها "قرية بلا تدخين"، إذ كان التدخين وبيع السجائر ممنوعين فيها، فيما كانت التلال المحيطة بالقريتين مكسوة بالأشجار والنباتات.
- الغطاء النباتي
ويشير عبدي إلى أن القوات الإسرائيلية كانت تتوغل في المنطقة حتى خلال فترة حكم الأسد، بحجة منع التسلل ومراقبة الحدود.
ويضيف أنها كانت تعمد إلى إحراق الأعشاب والغطاء النباتي، ما أدى تدريجيا إلى تراجع المساحات الخضراء.
ويتابع أن الدوريات الإسرائيلية كانت تدخل قريتي بئر عجم وبريقة عدة مرات يوميا، وأحيانا تنصب حواجز مؤقتة وتفتش منازل السكان.
وبحسب عبدي، عاد بعض الأهالي إلى المنطقة عقب سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، إلا أن المخاوف الأمنية لم تنته، بل استبدلت بمخاوف جديدة مرتبطة بالتحركات الإسرائيلية.
ويقول إن عمليات رش المبيدات لم تستهدف مزارع بعينها، وإنما شملت معظم الأراضي الزراعية.
ويضيف: "دخلت طائرات زراعية إلى المنطقة ورشت كميات كبيرة من المواد الكيميائية. وهناك من يقول إن الهدف إبقاء المنطقة مكشوفة، لكنني أعتقد أن الغاية الأساسية هي الإضرار بالمزارعين ومنع أي نشاط في المناطق الحدودية".
-توغلات مستمرة
ويشير عبدي إلى أن القوات الإسرائيلية أصبحت تدخل قريتي بئر عجم وبريقة مرة واحدة أسبوعيا، بالتزامن مع إقامة سواتر ترابية داخل الأراضي السورية، متجاوزة خط وقف إطلاق النار.
ويعتبر أن ذلك يهدف إلى تكريس وجودها في المنطقة، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات دفعت مزيدا من السكان إلى مغادرة القريتين.
ويضيف: "من الصعب اليوم أن تصادف شخصا في شوارع بئر عجم وبريقة. إسرائيل لا تريد أي نشاط أو وجود سكاني في المنطقة الحدودية، لأنها تخشى أي وجود يمكن أن تعتبره تهديدا، وتسعى إلى إبقاء هذه المناطق خالية من السكان".
- أضرار موثقة
وتدعم بيانات مديرية الزراعة في محافظة القنيطرة أحاديث المزارعين عن حجم الأضرار الناجمة عن عمليات رش المبيدات الإسرائيلية.
يقول مسئول في المديرية، فضل عدم الكشف عن اسمه للأناضول، إن المادة التي رشها الجيش الإسرائيلي بواسطة طائرات شراعية مسيرة على طول خط وقف إطلاق النار هي مبيد أعشاب يعرف علميا باسم "هيربيسايد"، يستخدم للقضاء على النباتات البرية.
ويضيف أن عمليات الرش تسببت في تضرر 3729 دونما من المراعي، و1023 دونما من المحاصيل الشتوية، و140 دونما من البساتين والأشجار المثمرة.
ويشير إلى أن عدد المزارعين المتضررين من عمليات الرش بلغ 255.
ويوضح أن الأضرار شملت أراضي قرى الرزانية، والباطمية، والقحطانية، وبئر عجم الغربية، والمعلقة، وصيدا الحانوت، والعشة، ورفيد، وأصبح، وكودنة، وجباتا الخشب، وأوفانيا، والحرية.
ويلفت إلى أن المعاينات الميدانية أظهرت اختفاء الغطاء النباتي بالكامل في معظم المراعي والمحاصيل الشتوية التي تعرضت للرش، فيما سجلت أضرار محدودة في أشجار الزيتون.
- خسائر اقتصادية
ويؤكد المسئول في مديرية الزراعة بالقنيطرة أن خروج مساحات واسعة من المراعي عن الخدمة ألحق خسائر كبيرة بقطاع الثروة الحيوانية، بعدما اضطر مربو المواشي إلى شراء الأعلاف عقب فقدان المراعي الطبيعية، ما رفع تكاليف الإنتاج ودفع بعضهم إلى بيع جزء من قطعانهم.
ويشير إلى أن المديرية كلفت الوحدات الإرشادية الزراعية بإجراء مسح ميداني لتقدير حجم الأضرار، تمهيدا لإعداد تقييم شامل للخسائر.
وتشهد مناطق جنوبي سوريا، منذ أشهر، توغلات واعتداءات إسرائيلية متكررة، تشمل عمليات دهم وتفتيش واعتقالات، إلى جانب إقامة حواجز عسكرية.
وتصاعدت هذه التحركات عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وإعلان إسرائيل انهيار اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، وسيطرتها على المنطقة السورية العازلة.
ومنذ ذلك الحين، وسعت إسرائيل وجودها العسكري في المنطقة العازلة، ونفذت توغلات متكررة داخل الأراضي السورية.
ويرى مزارعون في القنيطرة أن رش المبيدات يمثل امتدادا لهذه الإجراءات، إذ يرون أنه يستهدف تقليص النشاط الزراعي وإفراغ المناطق المحاذية لخط وقف إطلاق النار من سكانها، بينما تواصل مديرية الزراعة توثيق الأضرار تمهيدا لإعداد تقييم شامل للخسائر.