مع اجتياح عدوى كوفيد-19 للعالم بأسره، ظلت هناك ظاهرة مميزة تثير تساؤلًا مهمًا فى كل الأوساط العلمية: لماذا جاء عدد الإصابات فى الدول المتقدمة، والتى يعيش سكانها مستويات أفضل اقتصاديًا واجتماعيًا، أكثر بصورة ملحوظة عن تلك الدول التى ما زال يطلق عليها دولًا نامية؟
كان للسؤال أيضًا صدى فى بلادنا، حيث تساءل الأطباء وعموم الناس لماذا جاءت إصاباتنا أقل عددًا، بينما سجلت نسبة وفيات الأطباء رقمًا عالميًا مختلفًا عن الأرقام العالمية.
فيما يتعلق بوفيات الأطباء، كان من المنطقى للراصد لأحوال الأطباء فى مصر أن يسجل أن الطبيب المصرى غالبًا ما يعمل فى أكثر من مستشفى أو عيادة، فينتقل بين مراكز مختلفة يتفاوت فيها أعداد المرضى وأسباب مرضهم، لذا فهو أكثر عرضة للعدوى، إلى جانب أن محاذير الوقاية تختلف من مكان إلى آخر ومن إنسان إلى غيره.
سجلت جريدة The Economist أن المصريين احتلوا المركز الثانى على مستوى العالم بين الدول فى عودة الحياة الطبيعية إلى مجتمعاتهم، متفوقين على بلاد كثيرة مصنفة على قوائم رفيعة المستوى من برامج الصحة العامة والرعاية الطبية. بقدر ما أسعدنا الخبر، بقدر ما أثار التعليقات والتساؤلات عن حقيقة الأمر: هل هناك خلل ما فى حقيقة المعلومات؟ وأن تسجيل عدد الحالات لم يكن يتم بالصورة الدقيقة التى أخلت بتفاصيل الخريطة الواقعية لسريان العدوى؟ أم أن هناك بالفعل عوامل محلية بيئية كانت السبب فى أن معدل العدوى كان أبطأ من نظيره فى بلاد أخرى تتخطانا فى معايير الصحة العامة والرعاية الطبية؟
تعددت الإجابات والنظريات لتفسير تلك الظاهرة، فتعزو حدوثها لاختلاف الجو والمناخ والعوامل البيئية المختلفة، إلى جانب تنوع برامج التطعيم التى تنتهجها البلاد وتختلف من دولة لأخرى.
من أكثر تلك النظريات قبولًا للعقل والمنطق، تلك التى يطلق عليها فرضية النظافة Hygiene Hypothesis، التى تفترض أن البيئة التى تحقق أعلى مستويات النظافة، والتى بالتالى يقل فيها إلى حد كبير وجود البكتيريا والفيروسات وغيرها من الميكروبات، تكون أكثر عرضة لانتشار الأمراض المعدية على اختلاف أنواعها.
فى المقابل، فى تلك البيئات التى لا يتحقق فيها هذا المستوى من النظافة، تتكرر احتمالات العدوى فى صور بسيطة قصيرة، الأمر الذى يعد تطعيمًا طبيعيًا بتعدد أشكاله وردود أفعاله المناعية لدى الإنسان الذى يتعرض له تلقائيًا دون آثار مرضية واضحة تذكر.
تبدو تلك الفرضية يمكن الاعتماد عليها فى مجال الأمراض المعدية وتفهم عمل نظام الجهاز المناعى لجسم الإنسان، لكنها تجد أيضًا رواجًا علميًا فى مجال نشأة الأمراض بصورة عامة. سجل أحد الأبحاث المهمة التى نشرها Cancer Research UK فى دورية Nature نقطة مضيئة فى عالم أبحاث السرطان، تشير إلى أن احتمال نشأة اللوكيميا (سرطان الدم) قد يرجع إلى خطوتين أساسيتين، تتحدث كل منهما بصورة منفصلة عن الأخرى، وإن كانت تعتمد عليها وتكملها:
الأولى: خلل جينى يحدث قبل اكتمال الطفل وولادته، يجعله مهيأ بصورة أكبر من أى مولود آخر للإصابة باللوكيميا.
أما الخطوة الأخرى، فتتعلق بأنواع العدوى التى يتعرض لها الطفل فى السنة الأولى من عمره، والتى ينتج عن الإصابة بها خلل آخر فى الخلايا يجعلها أكثر عرضة للإصابة بالمرض.
بمعنى آخر، أن الطفل قد يولد مهيأ للمرض، لكن هناك احتمالًا أن يصاب به أو لا يصاب، وفقًا للبيئة التى يولد فيها، ويتحدد هذا غالبًا فى سنته الأولى من العمر.
إذا ما تعرض الطفل لحالات من العدوى كثيرة ومتكررة، فإن ذلك يحفز جهازه المناعى على الاكتمال، ويزيد من قدراته على المقاومة ودفع الأذى عن الوليد. أما الوليد الذى لا يتعرض فى سنته الأولى إلا لعدد ضئيل من العدوى، فإنه يحمل وسيلة دفاع أقل كفاءة تمكن المرض منه. رصدت الدراسة تلك الملاحظة المهمة فى نشأة اللوكيميا لدى أحد التوائم دون غيره (التوأم: وليدان، أحدهما أصيب باللوكيميا والآخر استمر سليمًا معًا)، إذ إنه لم يتعرض للإصابة لعدوى مختلفة تعرض لها أخوه فى السنة الأولى من عمرهما.
أشارت نتائج البحث أيضًا إلى أن فرضية النظافة ربما كانت الأساس العلمى أيضًا للإصابة بأمراض أخرى غير معدية يلعب فيها الجهاز المناعى دورًا مهمًا، مثل مرض السكر، على سبيل المثال، وحساسية الصدر (الربو)، خاصة فى البلاد التى تسجل أعلى مستويات فى النظافة العامة. فى فنلندا والسويد، ينصح الأطباء أولياء الأمور بقضاء أطفالهم أوقاتًا من العام فى الريف، حيث يتعرضون لاحتمالات العدوى من التربة الطبيعية وما بها من ميكروبات مختلفة.
لكن هل فى هذا ما يحفز على ترك قواعد النظافة العامة وهجر أساليبها؟
بالطبع لا. لكن فى هذا دعوة دائمة ومستمرة للأخذ والالتزام بمعايير الوقاية من الأمراض والنظافة الشخصية: غسل الأيدى بالماء والصابون بصورة متكررة أثناء النهار، وبعد ملامسة أى سطح يمكن أن تنقل عنه العدوى، وعدم تبادل أى أدوات شخصية مثل المناشف أو أدوات الحلاقة، والانتباه لضرورة تغطية الفم عند العطس، وكل مظاهر التباعد الاجتماعى الضرورية، هى الآن سلوك طبيعى يجب أن يعتاده الإنسان ويتقبله ويمارسه دون ضغوط.
أما المقصود، فهو المبالغة فى استخدام أدوات النظافة والسوائل المطهرة كـ«الديتول» وغيره، الذى يفرضه الآباء على أطفالهم حرصًا على عدم إصابتهم بالعدوى. غسل الأيدى بالماء والصابون يكفى تمامًا، ولا داعى لإضافة المواد المطهرة والمضادة للبكتيريا، مع اتخاذ بقية الاحتياطات دون مبالغة أو إحساس دائم بالقلق والذعر، الذى فيما يبدو أيضًا يؤثر على آليات المناعة لدى الإنسان.
تعرض الإنسان لمختلف أنواع الميكروبات، خاصة الأطفال، يعد تدريبًا أساسيًا لازمًا لتطوير جهازه المناعى؛ ففى كل مرة يتعرض فيها الإنسان للعدوى وينتصر جهازه المناعى عليها، يعد ذلك تطعيمًا طبيعيًا يوازى فى كفاءته ما يبذله العلم من جهود مضنية ومبالغ طائلة لصناعته، وفى النهاية قد لا يحقق الوقاية إلا للشعوب التى يضمن اقتصادها لهم غطاء من رقابة.