في عصر كانت عصابات شيكاغو تفرض نفوذها بالرصاص والبارود، اختار رجل واحد أن يبني إمبراطوريته بسلاح مختلف تمامًا: ربطة عنق حريرية، وخمس لغات، وقدرة استثنائية على التلاعب بنقاط ضعف ضحاياه. لم يكن «فيكتور لوستيج» مجرد لص عادي، بل تحول إلى أسطورة حية في عالم النصب بعدما تجرأ على «بيع» برج إيفل مرتين. بدأت حكاية هذا المحتال الدولي عام 1890 في بلدة هوستيني التشيكية، حيث هجر عائلته في التاسعة عشرة من عمره متجهًا إلى باريس، مدشنًا مسيرة جعلت اسمه علامة فارقة في سجلات الجريمة العالمية.

صعود «الكونت» عبر الأطلسي
بدأت مسيرة لوستيج في شوارع باريس كسارق ومحتال صغير، لكنه سرعان ما نقل نشاطه إلى سفن الركاب الفاخرة التي تعبر المحيط الأطلسي بين أوروبا والولايات المتحدة؛ حيث وجد في ركاب الدرجة الأولى صيدًا سهلاً للمشاريع الاستثمارية الوهمية. ووفقًا للسيرة التاريخية الموثقة في قاعدة بيانات «إبسكو» (EBSCO)، صعد لوستيج عملياته في المقامرة والاحتيال عبر الولايات المتحدة وكندا، وكان يفلت مرارًا من الإدانة بفضل دهائه وغياب التنسيق الأمني الدولي آنذاك.

ومن جانبه، وثق متحف المافيا والجريمة المنظمة في لاس فيجاس (The Mob Museum) أن لوستيج استخدم خلال مسيرته الإجرامية ما لا يقل عن 45 اسمًا مستعارًا، من بينها: روبرت دوفال، وروبرت فاغنر، وبيرت لوستيج، غير أن أشهرها على الإطلاق كان لقب «الكونت». وتحت إشراف مقامرين محترفين مثل نيكي أرنستين، صقل لوستيج مهاراته في استغلال نقاط الضعف البشري، مستفيدًا من مظهره الأرستقراطي وإتقانه خمس لغات.
«صندوق النقود الروماني».. سر الـ 100 دولار الوهمية
وخلال تنقلاته المتكررة في الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الأولى، طوّر لوستيج واحدة من أشهر حيل النصب في القرن العشرين، عُرفت بـ «الصندوق الروماني». ادعى لوستيج أن هذا الجهاز الخشبي الصغير قادر على نسخ الأوراق النقدية من فئة 100 دولار بدقة متناهية عبر تفاعلات كيميائية سرية.

كان يشحن الصندوق مسبقًا ببضع ورقات أصلية، ويجري عرضًا عمليًا يستغرق 6 ساعات لإنتاج ورقة واحدة، مبررًا البطء بحاجة الحبر السري للجفاف. كان هذا الفارق الزمني ثغرة هروبه؛ فبمجرد أن يتسلم ثمن الجهاز الذي تراوح بين 10 آلاف و40 ألف دولار، يختفي تاركًا الضحية ينتظر اكتمال الطباعة، ليكتشف في النهاية أن الصندوق لا يلفظ سوى أوراق بيضاء فارغة.
الصفقة المستحيلة: بيع برج إيفل
في مايو 1925، بلغ دهاء لوستيج ذروته في العاصمة الفرنسية. استغل مقالاً صحفيًا ناقش كلفة صيانة برج إيفل المرتفعة وطرح فكرة تفكيكه، فصنع وثائق حكومية مزورة منتحلاً صفة نائب المدير العام لوزارة البريد والبرق، المسؤولة رسميًا عن البرج آنذاك.
وبالتعاون مع شريكه الأمريكي روبرت توربيون، دعا ستة من كبار تجار المعادن والخردة إلى فندق «دي كريون» الفاخر، عارضًا تفكيك وبيع 7000 طن من حديد البرج في مزاد سري بدعوى تجنب الغضب الشعبي. وقع الاختيار على التاجر أندريه بواسون، وتمكن لوستيج من الحصول على قيمة الصفقة كاملة (نحو 250 ألف فرنك)، إلى جانب رشوة إضافية لتفضيله في الترسية. لم يبلغ بواسون السلطات بدافع الخزي، بينما فر لوستيج بالأموال إلى فيينا، وحاول تكرار الخدعة ذاتها بعد شهر مع تاجر آخر، لكن الأخير توجه مباشرة إلى الشرطة، مما اضطر لوستيج للفرار فورًا إلى أمريكا.

سقوط باريس في الأرشيف الفرنسي (1929)
لم تكن تحركات لوستيج لتمر دائمًا دون ملاحقة؛ إذ تكشف صحيفة «لو بوتي جورنال» (Le Petit Journal) في 6 يوليو 1929، أن الأمن العام في باريس ترصد شبكة احتيال دولية يقودها رجل يحمل ندبة بارزة في وجهه كان يتنقل باسم مستعار.
.JPG)
أثبتت تحريات الشرطة أن «صاحب الندبة» هو فيكتور لوستيج، المطلوب في عدة دول وله سجلات إدانة متعددة. وفي 30 يونيو 1929، أُلقي القبض عليه رفقة شريكه «ماك شيري» قبل فرارهما بطائرة إلى براغ، وضُبطت بحوزتهما أدوات تزوير وسندات مزورة بملايين الدولارات. ووفق صحيفة «لو بوتي كورييه» (Le Petit Courrier) في سبتمبر 1929، قضت المحكمة بحبسهما 4 أشهر فقط بتهمة تزوير جوازات السفر لتعذر ملاحقتهما ببقية التهم خارج النطاق القضائي الفرنسي.

مطبوعات «تايمز سكوير».. والوفاة السرية
في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، دخل لوستيج أخطر فصول مسيرته حين أنشأ شبكة ضخمة لتزييف العملة الأمريكية بالتعاون مع الكيميائي توم تشاريس، مغرقًا الأسواق بملايين الدولارات المقلدة بدقة هددت الثقة بالعملة، ليصبح الهدف الأول لجهاز الخدمة السرية الأمريكية (U.S. Secret Service).
ووفقًا لما وثقه المؤرخ البريطاني كريستوفر ساندفورد في كتابه «فيكتور لوستيج: الرجل الذي احتال على العالم» (2021) استنادًا إلى ملفات التحقيق الرسمية، لم يسقط لوستيج بسبب ثغرة فنية في التزييف، بل إثر وشاية انتقامية من عشيقته فتاة الاستعراض «كيكي روبرتس» (المعروفة في بعض السجلات باسم «بيلي ماي») بعدما اكتشفت خيانته لها، فقادت أجهزة الأمن لموقعه في نيويورك.

وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» في تقريرها الصادر يوم 11 مايو 1935، أن عملاء الخدمة السرية ألقوا القبض على لوستيج بعد مطاردة في مانهاتن، لتكشف التحقيقات وتفتيش خزانة أمانات استأجرها بمحطة مترو «تايمز سكوير» عن ضبط ألواح تزييف العملة وأكثر من 51 ألف دولار مزورة.

أودع لوستيج مبنى الاحتجاز الفيدرالي في مانهاتن (Federal House of Detention)، ونفذ في 1 سبتمبر 1935 هروبًا دراميًا قبل بدء محاكمته؛ إذ تدلى من نافذة الطابق الثالث في وضح النهار مستخدمًا حبلاً صنعه من أغطية الأسرّة وتظاهر بمسح النوافذ للتمويه على المارة. لكن أجهزة الأمن تعقبته وأعادت اعتقاله في بيتسبرغ بعد 27 يومًا.

حُكم على لوستيج بالسجن 20 عامًا، ورُحّل لقضاء عقوبته في سجن جزيرة «ألكاتراز» الرهيب بكاليفورنيا. ومع تدهور حالته الصحية وإصابته بالتهاب رئوي، نُقل إلى مستشفى المركز الطبي الفيدرالي للمساجين في سبرينغفيلد بولاية ميزوري، حيث توفي هناك رسميًا في 11 مارس 1947.
وظل نبأ وفاته طي الكتمان داخل أروقة السجون لنحو عامين ونصف، حتى كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» (The New York Times) في تقرير خاص نشرته في 31 أغسطس 1949 بعنوان (Lustig, Con Man, Dead Since 1947)، أعلنت فيه للرأي العام نقلاً عن شقيقه وسجلات السجون أن «الكونت» قد فارق الحياة بالفعل منذ عام 1947 ودفن في مقبرة مجهولة، لتُسدل الستار رسميًا على أسطورة الرجل الذي حير أجهزة الأمن في قارتين.