خالد فهمي: محمد علي لم يخاطب المصريين كمواطنين بل كرعية في عهدته - بوابة الشروق
الجمعة 19 يونيو 2026 8:42 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

خالد فهمي: محمد علي لم يخاطب المصريين كمواطنين بل كرعية في عهدته

شيماء شناوي
نشر في: الجمعة 19 يونيو 2026 - 6:13 م | آخر تحديث: الجمعة 19 يونيو 2026 - 6:13 م

قال المؤرخ الدكتور خالد فهمي إن لقب «ولي النعم»، الذي اختاره عنوانًا لكتابه «ولي النعم.. محمد علي باشا وعالمه»، لم يكن لقبًا رسميًا لمحمد علي باشا، لكنه كان من أكثر الألقاب تداولًا في المراسلات البيروقراطية لعصره، معبرًا عن الطريقة التي نظر بها الحاكم إلى نفسه وإلى المجتمع الذي يحكمه.

جاء ذلك خلال مناقشة الكتاب الصادر عن دار الشروق، ضمن فعاليات موسم «كاتب وكتاب» بصالون تفكير مع الدكتورة رغد صفوت.

وأوضح فهمي أن لقب «ولي النعم» كان من الألقاب التي ارتبطت بالسلاطين العثمانيين، لكنه وجد أن البيروقراطية المصرية استخدمته بكثافة في مخاطبة محمد علي، حتى أصبح، في رأيه، اللقب الأثير والأقرب إلى صورته عن نفسه.

وأضاف أن المقصود بـ«ولي النعم» لم يكن المصريين جميعًا بوصفهم مواطنين، وإنما النخبة والمؤسسات التابعة له، مشيرًا إلى أن دراسة علاقته بالمصريين قادته إلى نتيجة مفادها أن محمد علي لم يكن يتوجه إليهم باعتبارهم شعبًا أو شركاء في الحكم.

وقال: «محمد علي لا يخاطب المصريين ولا يتحاور معهم، ولا نراه يشاركهم حياتهم العامة أو يعتمد عليهم في المناصب العليا، بل ينظر إليهم بوصفهم رعية تقع مسؤوليتهم على عاتقه».

وأشار إلى أن هذه النظرة تنتمي إلى تقاليد الحكم القديمة، التي تقوم على فكرة الراعي المسؤول عن رعيته، مستشهدًا برسائل بعث بها إلى ابنه إبراهيم باشا خلال حرب اليونان، حذر فيها من الاستمرار في المواجهة العسكرية مع القوى الأوروبية، مؤكدًا أن التفوق العسكري الأوروبي قد يؤدي إلى كارثة بشرية.

وأشار إلى أن محمد علي كتب لابنه محذرًا من وقوع معركة بحرية قد تودي بحياة عشرات الآلاف من المسلمين، متسائلًا عن كيفية الوقوف أمام الله وهو مسؤول عن تلك الأرواح، وهو ما يعكس، بحسب فهمي، إحساسه بأنه «راعٍ مسؤول عن رعيته».

ورأى أن هذا التصور التقليدي للحكم لم يكن قائمًا على المساواة السياسية، وإنما على عقد غير مكتوب بين الحاكم والمحكوم، يلتزم فيه الحاكم بحماية الأمن والحدود ومنع الظلم، مقابل قيام الرعية بالإنتاج وتوفير الموارد التي تقوم عليها مؤسسات الدولة وجيشها.

وأضاف أن محمد علي طور هذه الرؤية مع مرور الوقت، فلم يعد يقتصر دوره على حفظ الأرواح والممتلكات، بل امتد إلى السعي لتحسين أحوال السكان والحفاظ على صحتهم وزيادة قدرتهم الإنتاجية، وهو ما يفسر اهتمامه بمشروعات الصحة العامة والزراعة والإدارة.

وأشار فهمي إلى أن لقب «ولي النعم» الذي ارتبط بمحمد علي يعكس هذه النظرة الأبوية، إذ كان يعتبر أن رخاء الدولة وثروتها يعتمدان على الفلاحين الذين يمدونها بالخيرات، ومن ثم رأى أن من واجبه الحفاظ عليهم واستمرار قدرتهم على الإنتاج.

لكنه شدد على أن هذا التصور لا يعني وجود فكرة للمواطنة أو المساواة بين السكان، لافتًا إلى أن محمد علي صرح في لقاءات مع مسؤولين بريطانيين بأنه لا يفعل في مصر سوى ما فعلته بريطانيا في الهند، حيث تحكم أقلية حاكمة غالبية السكان.

وأضاف أن محمد علي كان يطلق على المصريين وصف «أولاد العرب»، في إشارة إلى الناطقين بالعربية من الفلاحين، وليس باعتبارهم أصحاب هوية قومية ناشئة، موضحًا أن النخب الحاكمة في مصر لقرون طويلة كانت تتحدث التركية، وأن محمد علي رأى نفسه امتدادًا لهذا التقليد الحاكم.


وأضاف خالد فهمي أن الفارق الجوهري بين محمد علي والولاة الذين سبقوه لا يكمن في كونه سعى إلى هدم الهوية الدينية أو الاجتماعية للمجتمع المصري، وإنما في أنه شرع في بناء دولة جديدة بأدوات ومؤسسات غير مسبوقة، استدعت بالضرورة تغيير أنماط الحكم والعلاقات التقليدية داخل المجتمع.

وأوضح أن مشروع محمد علي بدأ بإنشاء جيش نظامي حديث، لكن هذا الجيش استتبع ظهور مؤسسات أخرى تخدمه، مثل مستشفى القصر العيني، ومطبعة بولاق، ونظام التطعيم ضد الجدري، إلى جانب التوسع في زراعة القطن، وهو ما استلزم إعادة رسم خريطة الري والزراعة في مصر وتعميق الترع وتحويل مساحات واسعة من الدلتا إلى مناطق إنتاج رئيسية للمحصول.

وأشار إلى أن هذه المشروعات أحدثت تحولًا جذريًا في علاقة الدولة بالمجتمع، وأسست لما وصفه بـ«الدولة التغلغلية» التي امتدت سلطتها إلى تفاصيل الحياة اليومية، مؤكدًا أن هذا التحول لم يكن بدافع أيديولوجي أو رغبة في تقويض الهوية الإسلامية، بل كان نتيجة منطق بناء مؤسسات الدولة الجديدة.

وقال فهمي إن محمد علي كان رجلًا مسلمًا يمارس شعائره الدينية ويؤمن بمحاسبته أمام الله، لكن مشروعه السياسي قاده تدريجيًا إلى تفكيك دعائم المجتمع التقليدي، بما في ذلك الطوائف والقيادات المحلية وبعض البنى الاجتماعية القديمة.

ورأى أن أبرز تجليات هذا التحول كان إنشاء جهاز الشرطة الحديث، موضحًا أن الأمن قبل ذلك كان يعتمد على نظام الحارات ومشايخها وفتواتها الذين ينتمون إلى الأحياء نفسها ويتولون حمايتها.

وأضاف أن محمد علي، بعد تأسيس الجيش النظامي، استقطع منه عناصر لتشكيل جهاز شرطة جديد يعتمد على مجندين قادمين من الريف، يرتدون زيًا موحدًا ويحملون السلاح ويخضعون لنظام بيروقراطي مركزي، بحيث أصبح ولاؤهم للدولة وليس للمناطق التي يعملون فيها.

وأوضح أن هذا الجهاز ارتبط بما كان يعرف آنذاك بـ«ديوان الخديوي»، الذي اعتبره النواة الأولى لوزارة الداخلية، حيث أُنشئت مخافر للشرطة تتبع سلطة مركزية مقرها القلعة، في قطيعة مع النظام التقليدي القائم على الإدارة المحلية.

وأكد فهمي أن بناء هذا النظام لم يتم دفعة واحدة، بل احتاج إلى سنوات من التجريب والتطوير، إلا أن ثمنه كان تفكيك البنى التقليدية للمجتمع، إذ تحول شيخ الحارة من زعيم يختاره أهل الحي إلى موظف يتبع الدولة، وتراجعت الروابط المحلية لحساب الولاء للمؤسسات المركزية.

وأضاف أن المجتمع المصري الحديث، الذي يقوم على علاقة مباشرة بين الفرد والدولة من خلال مؤسساتها، هو نتاج هذا التحول التدريجي الذي أضعف دور الطوائف والتنظيمات التقليدية والروابط المحلية القديمة.

وفي ما يتعلق بفكرة المواطنة، شدد فهمي على أن محمد علي لم يكن يستهدف تحقيق مساواة بين المسلمين والأقباط أو تأسيس مفهوم حديث للمواطنة، معتبرًا أن هذه التطورات جاءت في مراحل لاحقة من تاريخ الدولة المصرية.

كما رأى أن نشأة الهوية المصرية الحديثة لم تكن نتيجة إدراك قومي مبكر، وإنما جاءت بصورة غير مقصودة من خلال تجربة التجنيد الإجباري والجيش النظامي. وأوضح أن الفلاحين الذين جرى تجنيدهم لم يكونوا يعتبرون أنفسهم جزءًا من مشروع وطني، بل كانوا يرون أنهم يقاتلون في «جيش الباشا» ويخوضون «حروب الباشا» قسرًا.

وأضاف أن هذه التجربة جمعت للمرة الأولى أبناء الأقاليم المختلفة داخل مؤسسة واحدة وتحت قيادة نخبة حاكمة تختلف عنهم لغويًا وعرقيًا واجتماعيًا، الأمر الذي خلق بينهم خبرة مشتركة وإحساسًا تدريجيًا بالانتماء إلى جماعة واحدة.

وأشار إلى أن هذه الخبرة التاريخية أسهمت لاحقًا في تكوين ملامح الهوية المصرية الحديثة، مستشهدًا بتجربة أحمد عرابي، ابن الفلاح الذي التحق بالجيش ووجد نفسه في مواجهة ضباط من أصول مختلفة، معتبرًا أن جانبًا من جذور الحركة العرابية وما حملته من أبعاد اجتماعية وإثنية يمكن تتبعه إلى التكوين الأول لجيش محمد علي.

واختتم فهمي بالتأكيد على أن مشروعه البحثي لا يسعى إلى تمجيد محمد علي أو إدانته، بل إلى فهم الكيفية التي أسهمت بها سياساته في هدم البنى التقليدية للمجتمع المصري وإرساء أسس الدولة المركزية الحديثة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك